| 

تبدو مستوطنة «مسكيوت»، على سفح جبل «عين الحلوة» في الأغوار الشمالية، كأخطبوط يبتلع كل شبر من أراضي هذا الجبل المترامي الأطراف.ووفقاً للباحث في مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة «بتسيلم»، عاطف أبو الرب، فإن النشاط الاستيطاني في الأغوار، بدأ مع البدايات الأولى للاحتلال الإسرائيلي عام 1967، حيث كانت البداية في مستوطنة «مخولا» التي أقيمت على أراضي «عين البيضا» و«بردلا». وبحسب أبو الرب، فإن جميع مستوطنات الأغوار هي مستوطنات زراعية، نظرا لمناخ الأغوار ووفرة المياه الجوفية، وتشتهر في معظمها بزراعة النخيل، حيث احتفل في العام 2010 بزراعة النخلة رقم مليون وفي السنوات الأولى من عمر احتلال الضفة الغربية، أغلق الاحتلال عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية على طول نهر الأردن، بذريعة الأمن، ومنذ سنوات قليلة بدأ الاحتلال بتسريب مساحات كبيرة من هذه الأراضي لمصلحة عدد من المستوطنات. وقال: في بداية الاحتلال في الرابع من حزيران عام 1967، تعمدت سلطات الاحتلال تدمير أكثر من 17 قرية فلسطينية على طول نهر الأردن، كما دُمر مخيم أبو العجاج، الذي كان يؤوي أكثر من ثلاثة آلاف لاجئ، وبعد تدمير المخيم وتهجير سكانه، أقام الاحتلال مستوطنة «مسواة» على أنقاضه.
وعندما قاربت عملية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة على الانتهاء، سعى رئيس وزراء إسرائيل حينها، أرئيل شارون، لقطف الثمار السياسية لهذه الخطة، من خلال بناء الجدار العازل الهادف إلى فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على أراضي منطقة الأغوار المحاذية لنهر الأردن، من خلال توسيع الاستيطان الإسرائيلي فيها، وتحويلها إلى عازل جغرافي وبشري يفصل الفلسطينيين عن الأردن.

استكمال خطة شارون

بدأ التحضير لهذه الخطوة الجديدة منذ بداية العام 2004، عندما طرحت الحكومة الإسرائيلية مخططاً جديداً لتوسيع الاستيطان في غور الأردن، قبل أن تبحث اللجنة الوزارية لشؤون الاستيطان القروي، خطة تطوير وتوسيع مستوطنات غور الأردن وشمالي البحر الميت. وفي النصف الثاني من العام نفسه، أعدت وزارة الزراعة الإسرائيلية خططاً لمصادرة 32 ألف دونم من الأراضي الزراعية الفلسطينية في غور الأردن لتوسيع المستوطنات، وأعدت خطة للاستيلاء على 3200 دونم تقوم عليها معسكرات إسرائيلية سيتم إخلاؤها، والاستيلاء على 28 ألف دونم من أراضي المزارع الفلسطينية وتخصيصها للاستيطان.
يقول رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية في الأغوار الشمالية، عارف دراغمة، إن ما يجري حالياً في الأغوار جزء من مخطط شارون للاستيلاء على 60% من الضفة الغربية، وإنشاء دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، حسب خطة «خارطة الطريق»، مع تهيئة الأجواء لتكون هذه الدولة دولة دائمة. وأضاف دراغمة: إن بناء الجدار العازل يشكل الخطوة الأولى الأساسية في هذا المخطط، والخطوة الأساسية الثانية هي وضع الأغوار تحت السيطرة الإسرائيلية، وبالتالي فإن بضعة آلاف من المستوطنين الإسرائيليين سيسيطرون على جميع أراضي تلك المنطقة المترامية. ويعتقد الخبراء الفلسطينيون أن أهداف المخططات الإسرائيلية لتكثيف الاستيطان في منطقة الأغوار، تبرز في اعتبار هذه المنطقة بمثابة حاجز أمني أمام ما كان يسمى «الجبهة الشرقية»، والسيطرة على جميع مصادر المياه في الأحواض الجوفية، وتحويل مستوطنات الأغوار إلى مستوطنات صناعية، ومناطق زراعية مرتبطة بالصناعة، مع إنشاء ما يسمى بالصناعات العلاجية عند البحر الأحمر، إضافة إلى تحويل هذه المنطقة إلى حاجز جغرافي إسرائيلي بين الدولة الفلسطينية والأردن يمنع التواصل بينهما.
في سبيل التسريع في تنفيذ هذه الأهداف، يؤكد الخبراء أن الوزارات المختصة في الدولة العبرية بدأت بالعمل على استصدار قرار بتحويل منطقة الأغوار إلى منطقة ذات أفضلية من الدرجة الأولى «أ»، ما يعني ضخ الكثير من الأموال لتطوير استيطان الأغوار وتسريعه، خصوصاً أن إسرائيل تزعم أن غور الأردن يشكل حدودها «الأمنية» التي لن تتنازل عنها في أية تسوية سياسية. ومع ذلك، أعلن فريق رسمي من الخبراء الإستراتيجيين الإسرائيليين، أنهم بصدد صوغ ما وصفوه بـ«العقيدة العسكرية» الجديدة لإسرائيل، أساسها أن الأراضي المحتلة برمتها، بما فيها الضفة الغربية، وغور الأردن، والجولان السوري، لم تعد كلها ذات أهمية إستراتيجية في الدفاع عن إسرائيل.

أكبر نظام فاسد بالعالم

على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من المستوطنات في الأغوار، التي يقطنها بضعة آلاف من المستوطنين، إلا أنهم يستغلون سلة الخضار الفلسطينية التي تدر عليهم ملايين الشواكل من خلال تصدير المنتجات إلى العالم. وبالرغم من ذلك، فإن هؤلاء المستوطنين مقتنعون بأن وجودهم في هذه المنطقة بات مسألة وقت ليس أكثر، وأنهم سيغادرون تلك المستوطنات بعد أي اتفاق سلام نهائي يبرم مع الفلسطينيين، وذلك بحسب تقارير للتلفزيون الإسرائيلي أكدت أن هؤلاء المستوطنين سيرحلون عن المكان، خصوصاً بعد وجود تهديد جدي بانهيار نحو 70% من اقتصاد هذه المستوطنات المنهوب من الأراضي الفلسطينية في الأغوار، بعد بدء تنفيذ الاتحاد الأوروبي لإجراءات مقاطعة منتجات المستوطنات. وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، في 1/11/2013، أن مزارع النخيل والورود والأعشاب والخضروات والدواجن والأبقار والبحيرات الصناعية وغيرها من الاستثمارات الإسرائيلية العملاقة تمتد على طول النظر في هذه المنطقة التي تشكل نحو ثلث مساحة الضفة، وتطالب إسرائيل في المفاوضات الجارية مع الفلسطينيين بالاحتفاظ بها لمدة 40 سنة أخرى «بدعوى الأمن». ونقلت الصحيفة نفسها عن رئيس دائرة شؤون المفاوضات صائب عريقات، قوله: هذه مستوطنات استثمار وليس استيطان، فما نراه هنا ليس مستوطنين وإنما شركات استثمارية وشاحنات ضخمة تأتي إلى هنا في كل يوم لتحمل البضائع لتتجه بها إلى ميناء حيفا من أجل التصدير للخارج. وأضاف إن القادة العسكريين الإسرائيليين في هذه المنطقة يحصلون على مواقع مهمة في هذه الشركات برواتب عالية تصل إلى 20 ألف دولار في الشهر لقاء دورهم في إبقائها تحت الاحتلال. وتابع عريقات: هنا يوجد أكبر نظام فاسد في العالم.. فالضابط الإسرائيلي يقدم تقريراً قبل تقاعده يقول فيه إن هناك حاجة ماسة لبقاء السيطرة الإسرائيلية على هذه المنطقة، وبعد التقاعد يحصل على عضوية مجلس إدارة في إحدى هذه الشركات براتب مجز يصل إلى 20 ألف دولار في الشهر. وبحسب الصحيفة، «تغلق إسرائيل 91% من أراضي الأغوار أمام الفلسطينيين، وتفتحها أمام الإسرائيليين من جيش ومستوطنين، ولا يسمح للفلسطينيين سوى باستغلال 4.7% فقط من مساحة هذه الأرض».
مع تعدد أشكال السيطرة الاستيطانية على منطقة الأغوار، فإن الأساليب تعددت كذلك، بهدف السيطرة على هذه المنطقة الإستراتيجية الواقعة بمحاذاة نهر الأردن والسفوح الشرقية للضفة الغربية، بالإضافة إلى اعتبارها الاحتياطي الإستراتيجي للمشروع الوطني الفلسطيني، من المخزون المائي الأرضي والزراعي.

* صحافي فلسطيني مقيم في جنين.