بدأت عملية المراجعة للرواية الرسمية الإسرائيلية عن حرب 1948 بعد حرب حزيران 1967. وكان للثقة الزائدة بالنفس شأن في تشجيع بعض المؤرخين على نقد الروايات الرسمية المتداولة. وكانت البداية مع غيرشون شافير الذي كشف عن الإجراءات العنصرية التي اتخذها دافيد بن غوريون لطرد الفلسطينيين من ديارهم. واشتهر في هذا الميدان بيني موريس الذي نشر وثائق لم تكن معروفة تتعلق بطرد الفلسطينيين من فلسطين في سنة 1948، ونشرها في كتابه «ميلاد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين» (1987). وظهر في هذا السياق توم سيغف في كتابه «الإسرائيليون الأوائل» ثم آفي شلايم وأنيتا شابيرو وإيلان بابه صاحب «التطهير العرقي في فلسطين» وباروخ كيمرلنغ وشبطاي تيفت وسيمحا فلابان ويسرائيل شاحاك وزئيف شتيرنهيل وآخرون. وكان هؤلاء يهدفون إلى إعادة قراءة تاريخ إسرائيل وبنائه مجدداً على قواعد أكثر صلابة. وقد استفادت حركة المراجعة هذه من النتائج التي توصل إليها علم الآثار الإسرائيلي والآثاريون الإسرائيليون في الجامعات، والتي تهدم التاريخ التوراتي كله، ما جعل البعض يرتد على اليهودية والصهيونية أمثال إيلان بابه وباروخ كيمرلنغ ويسرائيل شاحاك، وبعضهم يعود إلى صهيونته مثل بيني موريس الذي حمّل إسرائيل المسؤولية عن طرد الفلسطينيين، لكنه عاد إلى القول إن طرد الفلسطينيين كان عملاً أخلاقياً خاطئاً، وكان من الضروري القيام به، وإلا لما قامت دولة إسرائيل.
إن علم الآثار الإسرائيلي والأكاديميين الآثاريين الإسرائيليين هم الذين سددوا ضربات شبه قاتلة للرواية التوراتية. فمعظم الحفريات الإسرائيلية كانت تهدف إلى إيجاد رابط بين فلسطين والعهد القديم. لكن جميع مكتشفات الآثاريين لم تستطع أن تبرهن عن وجود داود وسليمان وأسباط بني إسرائيل في فلسطين. حتى أن زئيف هيرتسوغ ويسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان، وهم أرفع علماء الآثار في الجامعات الإسرائيلية، لم يتورعوا عن القول إن علم الآثار، يبرهن يوماً بعد يوم أن قصص التوراة مجرد حكايات. ويبرهن زئيف هيرتسوغ بقوة أن صنائع الآباء التوراتيين هي محض أساطير، وأن الإسرائيليين القدماء لم يسكنوا في مصر، ولم ينزحوا جماعياً إلى فلسطين، ولم يتوهوا في سيناء، ولم تنزل وصايا الرب على جبل حوريب، ولم يفتحوا الأرض والبلاد، ولم يسقطوا أسوار أريحا، وليس ثمة أي ذكر لمملكة داود وسليمان... وهذه الحقائق معروفة منذ سنين طويلة، لكن الإسرائيليين، بحسب هيرتسوغ، قوم عنيدون ولا يريد أحد منهم أن يسمع شيئاً عن ذلك. وأبعد من ذلك، فإن قصص التوراة كلها لا تصمد أمام النقد العلمي الطبيعي، وليس أمام علم الآثار وحده، وعلى سبيل المثال ورد في قصة داود انه قتل دباً وأسداً لأن الأسد اختطف شاة من قطيع العجوز يسي والد داود. إن علماء الطبيعة يؤكدون ان الدب لا يعيش في المناطق التي يعيش فيها الأسد. وعلم الآثار الإسرائيلي يدحض بدوره قصة سقوط مدينتي أريحا وعاي حين يبرهن انه لم تكن ثمة مدن على التلتين في الفترة المفترضة لدخول العبرانيين إلى أرض كنعان، ولم تكن هناك أسوار تحوط أريحا كي تهدم بأبواق هؤلاء.
لقد كان علم الآثار الإسرائيلي أجرأ من كثير من «المؤرخين الجدد»، وهو قدم لهم، في الوقت ذاته، تحفيزاً على إعادة النظر في الروايات الإسرائيلية الشائعة.