| 

نظر جابر عليان دراغمة بأسى ناحية مستوطنة «مسيكوت»، وتمتم غضباً، قبل أن يخرج من جيبه ورقة اتضح فيما بعد أنها مخالفة مالية تبلغ قيمتها 750 شيكلاً (215 دولاراً أميركياً)، يجب عليه دفعها، والسبب أن بقرته أكلت من حشائش الأرض التي يملكها في منطقة «عين الحلوة» في الأغوار الشمالية الفلسطينية! ولا يقتصر الأمر على ذلك، فمستوطنو «مسيكوت»، ومعظمهم قدم من مستوطنات قطاع غزة المخلاة، يستهدفون الحمير التي يملكها سكان «عين الحلوة» فيسرقونها، أما الأبقار التي ترفض الانسياق معهم بإرادتها، فيطلقون النار عليها ويتركونها جثة هامدة.
يقول دراغمة: كل يوم نتعرض لاعتداءات من قبل المستوطنين، تارة يستهدفوننا بالضرب ورمي الحجارة والشتائم النابية، وتارة يستهدفون ماشيتنا بالسرقة والقتل، وحتى الحمير لا تسلم من أذاهم فيسرقون ما يسرقون منها، ويقتلون من تستعصي كحال الأبقار تماماً.. يتعاملون معنا بحقد وكراهية وعنصرية شديدة، لدرجة أنه في كل يوم ينزل قرابة العشرة منهم في سيارات خصوصية يحملون سكاكين ويعترضون الماشية في طريقها نحو المياه.. يضطر الراعي من أبنائنا للعودة، وأحياناً لا يكتفون بذلك بل يقتلون الأبقار بالسكاكين، وأحياناً بالرصاص.. «طخوا على العديد من الأبقار التي أملكها».

تشجيع الاستيطان

يختصر الراعي جابر دراغمة حاله وغيره من سكان التجمعات الفلسطينية البدوية في الأغوار الشمالية الفلسطينية بقوله «إحنا بنّازع.. الروح عم تطلع.. لأ الروح طالعة.. مش قادرين نقاوم.. مش قادرين.. مي ما فش، طرق ما فش، رعي ما فش، ما ضلش إلا يحطّو شيك حولينا». ووفق تقرير صادر عن محافظة طوباس والأغوار الشمالية، فإن سكان المحافظة، وخاصة التجمعات البدوية الفلسطينية فيها، يعانون بشدة من الإغلاقات المتكررة التي تفرضها قوات الاحتلال، لغرض تدريباتها العسكرية، التي تتم في الكثير من الأحيان في مناطق مأهولة بالسكان، لا سيما في التجمعات البدوية بالمحافظة، أو على مقربة منها، مشيراً إلى أن هناك إصابات عدة سجلت بسبب هذه التدريبات، بل إن الحواجز العسكرية تسبب باستشهاد العديد من المواطنين، كان آخرهم اثنان عند حاجز «الحمرا» لمجرد الاشتباه بهما! وأشار التقرير إلى بناء 36 مستوطنة في إطار خطة إسرائيلية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي للاستيلاء على الأغوار، 9 منها على أراضي محافظة طوباس والأغوار الشمالية، أقدمها «بقاعوت» و«بنيت» في العام 1972، وتضم 2353 مستوطناً، وأحدثها «مسيكوت»، وبنيت في العام 1987، وتضم 147 مستوطناً فقط. أما بقية المستوطنات، فهي: «روتم»، «ميخولا»، «بيترونوت»، «روعي»، شدمات ميخولا»، ويبلغ مجموع سكانها مجتمعة 7302، وعدد البيوت المتنقلة فيها 1359.
يلفت التقرير نفسه إلى أن عدد المستوطنين في محافظة طوباس والأغوار الشمالية بات يفوق عدد التجمعات البدوية الفلسطينية فيها، حيث لا يزيد عددهم على 5130 في كل من ابزيق، المالح، خربة يرزا، خربة الحمصة، كردلة، بردلة، خربة الراس الأحمر، عين البيضا، الحديدية، الفارسية، الحمة والعقبة، وهو ما يعني اختلالاً في الميزان الديموغرافي لصالح المستوطنين اليهود في المنطقة. ويكشف التقرير أيضاً عن أن حكومة الاحتلال تقوم بسياسات تشجيعية لاستقطاب مزيد من المستوطنين للسكن في مستوطنات الأغوار، حيث تقدم للراغبين في السكن في مستوطنات «طوباس والأغوار الشمالية» خصومات تصل على 75% على تكاليف الاتصالات، والمواصلات، ومياه الشرب، والكهرباء، فيما تقدم لهم الخدمات التعليمية، ومياه الري مجاناً، على حساب المواطنين الفلسطينيين في هذه المنطقة. كما تخصص حكومة الاحتلال لكل عائلة من المستوطنين نحو 70 دونماً زراعياً من أراضي المنطقة التي احتلت في العام 1967، فور قدومهم إلى المستوطنات، مع تقديم قروض طويلة الأمد لهم تصل إلى 20 ألف شيكل، إضافة إلى ما تدره عليهم أرباح تصدير منتجاتهم الزراعية إلى مختلف دول العالم، في حين يصعب تسويق منتجات مزارعي الأغوار من الفلسطينيين، حتى داخل الضفة الغربية، بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم بالحركة التجارية من وإلى الأغوار الشمالية.

خندق وبوابة وحكايات مأساوية

ليس بعيداً عن عين الحلوة، وبالتحديد في «البقيعة» والعديد من التجمعات المحيطة بها، قامت سلطات الاحتلال، منذ أكثر من خمس سنوات، بشق نفق طوله 45 كيلومتراً، وعرضه 4 أمتار، وعمقه متران. وقال علي عاطوف، أحد سكان المنطقة: هذا النفق جاء ليس فقط لعزلنا، بل لحرماننا من المياه، والرعي، وحتى الخروج والدخول إلى أراضينا، مشيراً بيده إلى البوابة الحديدية التي يصفها ببوابة الأسى والإذلال، والتي لا يمكن أحد تجاوزها إلا بوجود دورية للاحتلال والسماح لمن يرغب في العبور من وإلى المنطقة لفترة زمنية محددة، ولو قام أحد بتجاوزها مشياً على الأقدام، وهذا ممكن، يرصده برج المراقبة القريب، ويشير إليه بيده، ويرسل دورية عسكرية لاعتقاله، وأحياناً يتم التنكيل فيه.
أضاف عاطوف: الدورية تحضر مرتين في الأسبوع لفتح البوابة، مشيراً إلى أن طلبة المدارس من تلك المناطق المحاصرة بالخندق يتجمعون في «تراكتور» ينقلهم في الأجواء الماطرة والعاصفة والحر، وينتظرون حتى تأتي دورية تفتح لهم البوابة للعبور. عدد الطلبة يزيد على الثلاثين ويجمعهم «تراكتور» واحد، والمعاناة اليومية التي يعيشونها ربما هي الأبرز في أكثر من معاناة يتقاسمونها مع أهلهم الذين يتجاوزون المائتي فلسطيني معزولين خلف نفق يأتي بين حاجزين باتا يعرفان باسم «حاجزي الموت»، هما «تياسير» و«الحمرا».
من جانبه، روى عبد الرحيم بشارات (أبو صقر)، رئيس مجلس «الحديدية»، إحدى التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية، حكاية البوابة قائلاً: هذه البوابة تجعل من مناطق تجمع البدو الفلسطينيين خلفها أشبه بسجن، حيث حالت بينهم وبين أن يعيشوا حياة طبيعية، ويحصلون على أدنى حقوقهم، خاصة على صعيد المياه، وحرية الحركة، والصحة، والتعليم. هذه البوابة، وبعد تدخل عدد من المؤسسات الدولية والمحلية، تفتح ثلاث مرات في الأسبوع، ولساعة مقسمة على فترتين ما بين السابعة والسابعة والنصف صباحاً، والثالثة والثالثة والنصف عصراً، ومن يتأخر دقيقة يحجز ليومين ليتمكن من العبور مجدداً، حيث تفتح أيام الأحد، والثلاثاء، والخميس. وأضاف بشارات: حتى من يعبر البوابة مشياً على الأقدام، يتم اعتقاله، وتغريمه، بعد جولة من التنكيل على الحواجز العسكرية المحيطة، مشدداً على أن من يصاب بعارض صحي بعد الثالثة والنصف أو في يوم غير الأيام الثلاثة المخصصة لفتح البوابة، وغير مواقيتها، سيكون مضطراً، وبعد التجربة، إلى طلب «سيارة تاكسي» من طمون إلى طوباس، إن كان بحوزة سائقها «تصريح دخول لتجاوز حاجز تياسير»، خاصة بعد إعاقة سيارات الإسعاف عن قصد من قبل جنود الاحتلال، لكن ليس على الدوام تنجح «سيارات التاكسي» في إنقاذ أرواح أهل المنطقة أو ممتلكاتهم. وروى بشارات العديد من الحكايات المأساوية بسبب النفق والبوابة الحديدية، ومنها أن مسؤول المستوطنة المقابلة للمنطقة (روعي) قام بحرق أراض مزروعة للمواطنين الفلسطينيين قبل ثلاثة أعوام، ولم تتمكن إطفائية الدفاع المدني من الوصول إليها بسبب منع الاحتلال.
وبوجه يحمل ملامح القوة ما يجعله رمز صمود فلسطيني باقتدار، يخفي أبو صقر مشاعر حزينة وهو يتحدث عن وفاة ابنه وهو في التاسعة قبل خمس سنوات، ويقول: سقط ابني كاشف من على «التراكتور»، ومكث أربع ساعات ينزف حتى وصلته سيارة الإسعاف ففارق الحياة وانتهى.

محرومون من مياههم

يشير بشارات إلى أنهم محرومون من المياه، سواء مياه الشرب أو مياه الري، وأن تكلفة كوب الماء في مناطقهم، وبسبب الحصار الإسرائيلي، تصل إلى ضعف أو ضعفي سعر الكوب المتعارف عليه في محافظات الضفة. وقال: كوب الماء في الصهريج يكلفنا 27 شيكلاً. المستوطنون ينعمون بالمياه كما يشاؤون. فالاحتلال يصفهم بالمواطنين «الشرعيين»، أما نحن من نعيش في هذه الأراضي من زمن تركيا وقبل تركيا لسنا شرعيين.. «أللي بيفلق» أن الآبار وخطوط المياه تمر من بين منازلنا وأراضينا المملوكة لتغذي المستوطنات، بينما لا يحق لنا أن ننعم بقطرة ماء منها، وهي مياهنا بالأساس. وتابع يقول: إن سكان مستوطنة «روعي» يتمتعون بكل المياه الموجودة في المنطقة. هناك بئران يضخان للمستوطنة آلاف الأكواب في الساعة، بينما نحن وماشيتنا لا ننعم بنقطة مياه من هذه الآبار.

سياسة تهويد

أكد تقرير لمحافظة طوباس والأغوار الشمالية أن هناك سياسة إسرائيلية لتهويد منطقة الأغوار الشمالية، تستند إلى خطة «ألون» وتعود إلى العام 1969، وتهدف إلى السيطرة على الأغوار، لمنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة متواصلة الأطراف ذات السيادة على جميع المناطق الجغرافية التي احتلت في العام 1967، باعتبار أن الأغوار بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي تكتسب أهمية خاصة في المنظور الاستراتيجي لدولة الاحتلال، خاصة ما يتعلق بتشغيل الأيدي العاملة، والزراعة الأولية، والسيطرة على المياه الجوفية، إضافة إلى الاعتبار الواهي فيما يتعلق بقضية الأمن، ومنع أن تكون الأغوار هي الحدود الفاصلة ما بين الدولة الفلسطينية المستقلة والأردن.
من جانبه، أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أوتشا) في تقريره السنوي، إلى أن وصول الفلسطينيين إلى التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية محظور بأمر عسكري، باستثناء أولئك الذين يعرّفهم الجيش الإسرائيلي كـ«مواطنين دائمين»، أي سكان المنطقة وفق الهوية الشخصية. وبالتالي وفق المؤسسة التابعة للأمم المتحدة، فإن حدود هذه المناطق المغلقة لم ترسم بوضوح على الأرض، إضافة إلى أن درجة فرض القيود فيها غير منتظمة. وخصصت إسرائيل، وفق التقرير ما يقرب من 13% من أراضي الضفة الغربية كمحميات طبيعية، يحظر فيها أي شكل من أشكال استخدام الأرض على الفلسطينيين، بما في ذلك الرعي. وفي أيار 2009 نصب جيش الاحتلال الإسرائيلي عشرات الألواح الإسمنتية على طول غور الأردن وجنوب شرق الخليل كتب عليها تحذير باللغات العربية والعبرية والإنكليزية يقول «خطر، منطقة إطلاق نار، ممنوع الدخول»، إضافة إلى نحو 80% من المباني هدمت في المنطقة (ج) خلال العام 2009 بذريعة عدم حصولها على تراخيص، واستمرت هذه السياسة في العام 2010 عندما هدمت السلطات الإسرائيلية 16 مبنى في خربة تقع في الأغوار الشمالية.

توم وجيري!

بحسب بشارات، فإن الأمور لا تقف عند هذا الحد، بل في كثير من الحالات تطوق قوات الاحتلال خيامهم وبيوت الشعر الخاصة بتجمعاتهم في الحديدية، وعين الحلوة، والميتة، وخربة طانا، وغيرها، وتعيث فيها فساداً، وتروع أهلها، كما قامت بهدمها أكثر من مرة، ويعيد الأهالي بناءها، وكأنهم وفق تعابير أحد شبان «الحديدية» يلعبون «توم وجيري» مع الاحتلال.
أما زياد دراغمة من منطقة «سمرا» فيشير إلى أنه قد يرحّل عن المنطقة أو يغرم أو يحكم عليه بكلتا العقوبتين، والتهمة الرعي، مشدداً على أنه رفض مساومة مفادها مغادرة المنطقة لستة أشهر، والاعتراف بها محمية طبيعية، والتعهد بعدم الرعي بها، بدل الحكم عليه بالترحيل، أو السجن، بانتظار حل قانوني يدعمه فيه المحامي المفرز من مجلس الوزراء الفلسطيني، ومسؤول الشؤون القانونية في المحافظة.

الجانب القانوني

محمود الملاح، المستشار القانوني لمحافظة طوباس والأغوار الشمالية، قال عن الانتهاكات التي تقوم بها سلطات الاحتلال والمستوطنون والتعاطي معها وفق القانون الدولي: الاحتلال ينتهك القوانين الدولية كل يوم في جميع محافظات الوطن، لكن حجم الانتهاكات ونوعيتها تبرز في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، عبر الإخــــــــطارات المتكررة وسياسات الهدم، والغرامات، ومنع الرعي والزراعة وغيرها. وساق الملاح مثالاً على ذلك الإخطارات التي تقدمها سلطات الاحتلال للمواطنين، وقال: حين يقدم الاحتلال على تقديم إخطار بالهدم أو الترحيل أو غيرهما إلى أي من الفلسطينيين في المنطقة، فإنه يقدمها وفق صيغة «ارحل ولا تناقش». من ناحية قانونية من يسكن الأرض أو يحرسها هو مالكها، وعلى مدعي غير ذلك إثبات ذلك، لكن الاحتلال يقلب الصورة فيبات على مالك الأرض إثبات ملكيته لها، وأغلبية الإخطارات تجبر المواطنين على الهدم أو الرحيل في مدة تتراوح بين 24 ساعة و72 ساعة كحد أقصى.

منطقة منكوبة

يقول الملاح: نحن نتعاطى مع الأغوار، ووفق توجيهات الرئيس والحكومة، باعتبار منطقة «منطقة منكوبة»، وبالتالي يجري حل مشكلة الديون المتراكمة كفواتير للمياه والكهرباء على سكانها، وتقديم العديد من الإعفاءات في هذا الإطار، إضــــــافة إلى تــــــقديم الخدمات الأساسية للمواطنين كالتعليم والـــــصحة، حيث ســــــيتم قريباً افتتاح المزيد من العيادات والـــــغرف الصفية، وتم تزويد سكان الأغوار الشمـالية بوحـــــدتين صحيــــتين متنقلتين، وثلاث حافلات لنقل الطلبة، خاصة في التجمعات البدوية المنتشرة في المحافظة، من أماكن سكناهم إلى مدارسهــــــم والعكس، ونعمل ما نستطيع القيام به لتعزيز صمودهم في أراضيهم.

صحافي فلسطيني مقيم في مدينة رام الله.