| 

من أعلى جبال صحراء البحر الميت يمكن مشاهدة المدينة الأقدم على سطح الأرض، مثل واحة تحيط بها أشجار النخيل من الجهات الأربع. وإذا أتيح لمصور صحافي أن يلتقط في هذه الأيام صورة للمدينة التي تعتبر بوابة فلسطين الشرقية، فإن صورته سوف تعكس لوحة طبيعية جميلة يحيط بها من ناحية الجنوب بحر الملح، أو البحر الميت الذي تسري شكوك عملية في استمراره طويلاً. وتزخر مدينة القمر بالعديد من المقومات التاريخية والبيئية والسياحية والتراثية التي تلخص في مجملها تاريخ هذه المدينة الذي يعود إلى أحد عشر ألف سنة، وتقف شاهداً حقيقياً على حضارة من سكنها من الكنعانيين والرومانيين والعرب المسلمين في الفترات اللاحقة. وفي إمكان الزائر العادي لهذه المدينة أن يستدل على طبيعتها الأثرية السياحية عبر عناوين وآثار ومعالم متناثرة هنا وهناك. والجغرافيا في أريحا تحفل بجميع المكونات: صحراء وبحر من الجنوب وينابيع وجبال من الغرب، وفي المركز قواعد أبنية ما زالت تشير إلى عمق التاريخ.

أول محطة استقرار بشري

أشيرَ إلى أريحا في المصادر التاريخية بصفتها المحطة الأولى التي توقف فيها الانسان للبناء والتعمير والاستقرار قريباً من مصادر المياه المتمثلة بنهر الأردن. ويشير محمد جلايطة، رئيس بلدية أريحا، إلى أن المدينة التي تعتبر أقدم مدينة تاريخية هي منطقة جذب سياحي من الدرجة الأولى، حيث تعد السياحة فيها مصدراً أساسياً من مصادر الدخل القومي. ويوجد في أريحا 132 موقعاً أثرياً ذات أهمية تاريخية ودينية، خاصة للديانة المسيحية، كالأديرة والكنائس. ويرى جلايطة أن حال أريحا «حتماً سيكون مغايراً لما هو عليه الآن فيما لو كان هذا الكم من المواقع الأثرية حراً طليقاً وتحت سيطرتنا».

سيطرة إسرائيلية على مواقع تاريخية

أوضح جلايطة أن ما هو تحت السيطرة الفلسطينية من المواقع الأثرية والسياحية يقل عن 40 موقعاً أهمها قصر هشام وتل السلطان ودير قرنطل وشجرة الجميزة. وتشتهر أريحا بشجرة الجميز التي تسمى أيضا شجرة زكا التي ترتبط بحكاية زكا العشار والسيد المسيح.
كثيرة هي المواقع التاريخية الأثرية التي تقع في مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية، أي في المناطق الواقعة ضمن التصنيفات الإسرائيلية (ج)، كدير حجلة المحفور في وادي القلط، وقصر هيرودوس القائد الروماني الذي أهداه إلى الملكة كليوباترا. وبيّن جلايطة أن لهذا القصر أهمية بالغة، «حيث أنه تحفة فنية غاية في الجمال والروعة، إلا أنه يتعرض للسرقة والتدمير، في الوقت الذي تمنعنا سلطات الاحتلال الإسرائيلي من ترميمه أو حمايته». وأشار إلى المحاولات الإسرائيلية الدائمة للسيطرة على هذا القصر وتهويده عبر إقامة طقوس دينية يهودية، «إلا أنهم لم ولن ينجحوا في تزوير الحقيقة إزاء هذا المعلم وغيره من المعالم التي يحاولون صبغها بصبغتهم». وكشف أن العديد من المعالم الأثرية في أريحا تعرضت للسرقة والتدمير والمصادرة قبل قيام السلطة الفلسطينية وما قبل الاحتلال، مبيناً أن العديد من المعالم التاريخية «الريحاوية» موجودة الآن في متاحف عالمية كما حال بعض محتويات قصر هشام الأثري الموجودة في المتاحف الألمانية. وأوضح أن «المدينة كانت تزرع وتصنع وتصدر السكر، بدليل أن طواحين السكر لا تزال قائمة لغاية الآن، ويجري العمل على ترميمها وإحيائها لتكون معلماً آخر يميز هذه المدينة».
استعرض جلايطة المشاريع التي تعمل البلدية على تنفيذها بالمدينة، لا سيما ما يتعلق منها بالبنية التحتية، كمشروع الصرف الصحي ومشروع إنشاء المنطقة الصناعية الزراعية. وقال: تفرض طبيعة المنطقة السياحية على البلدية تنفيذ مشاريع ذات طابع سياحي، كمشروع بوابة أريحا الذي ينفذ في جنوب المدينة، والذي يعد مجمعاً سياحياً تجارياً خدماتياً متكاملاً، مشيراً إلى أن العمل جار أيضاً على إنشاء مدينة القمر، وهي مدينة سكنية.

فوائد استثمارية لمصلحة الاحتلال

وفقاً لمحافظ أريحا والأغوار ماجد الفتياني، فإن سلطات الاحتلال تحكم قبضتها على المحافظة، وتسيطر على 85% من مساحتها التي تتنوع ما بين مناطق عسكرية مغلقة وأخرى مخصصة للتدريب والرماية. وقال الفتياني: يسعى الاحتلال الإسرائيلي جاهداً لإحكام قبضته على أريحا عبر آليات ووسائل شتى، تحت حجج وادّعاءات أمنية واهية ولا أساس لها من الصحة. ودحض ادّعاءات الاحتلال بقوله: إن وجودهم ـ أي الإسرائيليين ـ في أريحا يعود لحماية مشروعهم الاستعماري الاستثماري والاستغلالي لخيرات وموارد ومقدرات المحافظة وليس «لدواع أمنية» كما يقولون، فحجم الاستثمارات والعائدات التي يجنيها الاحتلال تفند هذا الادّعاء العاري من الصحة. وأشار إلى أن «الاحتلال الإسرائيلي يجني أرباحاً خيالية من استثماراته في محافظة أريحا تتجاوز المليار دولار سنوياً، حيث تبلغ عوائد الإسرائيليين من الزراعة نحو 700 مليون دولار أميركي، تذهب في مجملها لمصلحة المنظومة الزراعية الخاصة بالمستوطنين، في حين تتجاوز عوائدهم المالية من الاستثمار في مواد ومستحضرات التجميل والصناعات الدوائية المنشأة على البحر الميت 500 مليون دولار. وأكد أن «الإجراءات الإسرائيلية غير محدودة بحق مدينة القمر، إذ أنه منذ احتلت إسرائيل الأراضي الفلسطينية عام 1967 كان الاحتلال سبباً رئيسياً في النزوح الجماعي لسكان أريحا باتجاه الأردن، حيث تقلص عددهم من 200 ألف مواطن فلسطيني إلى 55 ألفا يشكلون في مجملهم عدد مواطني المحافظة في الوقت الحالي». وتنتشر المستوطنات في جميع أرجاء المحافظة، ويقطن فيها 6000 مستوطن يعيشون حياة رغد ورفاهية على حساب مواطني المحافظة وخيراتها.

استغلال المياه

يؤكد المحافظ الفتياني أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على مصادر المياه في محافظة أريحا والأغوار، إذ يستغل المستوطنون95 % من المصادر المائية بالمحافظة. ويضيف: إن معدل كمية المياه التي تضخ للمستوطنين البالغ عددهم 6000 مستوطن في المحافظة، يبلغ 45 مليون متر مكعب من الماء سنوياً، في حين أن مواطني الضفة الغربية البالغ عددهم قرابة 3225000 نسمة يستهلكون 95 مليون متر مكعب من الماء سنوياً، أي أنهم يستهلكون نصف مجمل استهلاك الفلسطينيين في الضفة، وذلك في مفارقة واضحة تعكس مدى التمييز لمصلحة المستوطنين وسوء التوزيع وانعدام العدالة بالنسبة إلى المواطنين أصحاب الأرض الشرعيين.
وتابع الفتياني: شهد الغور الفلسطيني الريحاوي تراجعاً ملحوظاً في المساحة الزراعية، التي كانت تزيد قبل الاحتلال عام 1967، عن 500 دونم زراعي، غير أن هذه المساحة تراجعت لتصل حالياً إلى 55 دونماً فقط، بسبب الإجراءات الإسرائيلية المتمثلة في السيطرة على المياه ومنع حفر الآبار، إلى جانب عدم سماح سلطات الاحتلال لنا باستغلال مياه البحر الميت. وتحدث بمرارة عن البحر الميت الذي قال إنه «الأجمل والأروع والأمير من بين بحار العالم، حيث إنه يموت يومياً، بعدما عمل الاحتلال الإسرائيلي على حجب كل مصادر المياه التي تصل اليه، في حين أن الجزء الجنوبي منه جاف، أي ميت».

مشتى فلسطين

الدكتور سامي مسلم، المحافظ السابق لأريحا والأغوار ومدير معهد الدراسات الإقليمية بجامعة القدس يقول: «إن أريحا أقدم مدينة مسكونة، الأمر الذي يجعلها تشكل جزءاً من مهد الحضارات في المنطقة، كما توجد فيها مناطق سياحية ودينية ليس لها بديل في العالم، كجبل القرنظل والمغطس، الذي يؤمه المسيحيون من كافة بقاع الأرض». وأشار مسلم إلى أهمية الموقع الجغرافي لمدينة أريحا، «التي تعد مشتى فلسطين، نتيجة لجوها الحار صيفاً والدافئ شتاء». وأضاف: نتيجة لانخفاضها عن سطح البحر، فإنه يوجد فيها 7% أوكسجين فوق المعدل العام، الأمر الذي يجعلها ملائمة لزراعة الخضار والفواكه والحمضيات التي تشتهر بها أريحا، كالموز والبرتقال .ورغم ذلك، فإن المساحة الزراعية لا تزيد كثيراً عن 50 ألف دونم.
تتوزع أراضي محافظة أريحا على ثلاثة أقسام من الأغوار، تتمثل في الأغوار الجنوبية التي تتخذ من أريحا مركزاً لها، والأغوار الوسطى التي تتخذ من الجفتلك مركزاً لها، والأغوار الشمالية ومركزها بردلا وكردلا وعين البيضا، الأمر الذي يجعلها مؤهلة لتكون سلة غذاء فلسطين. وقد اعتمدت أريحا تاريخياً على زراعة الموز الذي انخفضت رقعة زراعته كثيراً، بسبب شح المياه، واتخذت منحى آخر خلال العقد الأخير، عبر توجه الكثير من المستثمرين نحو زراعة مساحات واسعة من الأراضي بأشجار النخيل، حيث تظهر في أريحا ومحيطها أجيال مختلفة من النخيل الذي زُرع إما بشكل فردي أو من خلال شركات استثمارية كبرى. وهناك الآن نحو 150 ألف شجرة نخيل في أريحا ومحيطها، ويطمح الفلسطينيون للوصول إلى رقم مليون شجرة بعد سنوات إذا توفرت لديهم موارد مائية كافية.

* صحافية فلسطينية مقيمة في مدينة طوباس.