| 

نحو 650 مليون دولار أرباح المستوطنات الإسرائيلية في غور الأردن في عام 2012، حسب ما أعلنه مجلس المستوطنات الإسرائيلية. وهو الرقم الذي كرره رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات غير مرة في جولته مع الديبلوماسيين الأجانب في منطقة الأغوار قبل أسابيع، وسيكرره المسؤولون في السلطة الفلسطينية كثيرا، حيث باتوا على يقين بأن أي اتفاقية مع الاحتلال الإسرائيلي من دون سيطرة كاملة على الأغوار ستترك ظهر الدولة الفلسطينية العتيدة مكشوفا، ومعدتها تتضور جوعا أيضاً.
«غور الأردن أصبح مشروعا استثماريا لإسرائيل، وكل مزاعمها الأمنية فيه كذب»، هذا ما قاله عريقات، الذي «زل لسانه» في لحظة غضب مخاطبا الديبلوماسيين الأجانب دون أن ينتبه لوجود صحافي في الحافلة ذاتها التي أقلتهم للأغوار عندما كشف أن «نتنياهو طلب أن يستأجر الغور 40 عاما، لكن الأرباح الخيالية التي تجنيها إسرائيل من الأغوار ستجعلهم يبقون هنا 400 عام»!
الأرباح الإسرائيلية الكبيرة في غور الأردن وحده تعتبر أعلى من مجمل الصادرات الفلسطينية، وفي أحسن الأحوال مساوية لها، حيث كشف التقرير السنوي الاقتصادي للمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار «بكدار» لقياس أداء الاقتصاد الفلسطيني عام 2012، أن الميزان التجاري الفلسطيني يعاني من عجز مزمن لا تتعدى فيه نسبة الصادرات إلى الواردات 20%، حيث بلغت الواردات 4 مليارات دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات السلعية 700 مليون دولار.
منذ اتفاقية أوسلو 1993 والمستوطنات «الاسثمارية» الإسرائيلية تتضاعف في الأغوار؛ مزارع نخيل وورود وخضروات، مزارع دواجن وأبقار، وبرك اصطناعية لتربية التماسيح للاستفادة من جلودها. وقد حولت إسرائيل كل شبر من الأغوار إلى مشروع اقتصادي، وفي المقابل لا وجود لمشاريع اقتصادية تديرها السلطة الفلسطينية في الأغوار لأن إسرائيل لا تسمح بذلك، بسبب تصنيفات اتفاقية أوسلو التي حددت الأغوار كمنطقة «ج»، أي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

برامج إغاثة

«كل ما تقدمه السلطة الفلسطينية للأغوار إغاثي بالدرجة الأولى وليس تنمويا»، يقول معن صواطفة، رئيس غرفة تجارة طوباس. لكن حتى «الدعم الإغاثي» غير قادر على إنقاذ الموقف، فالأراضي الزراعية تنحسر باستمرار، والمزارعون يتركون الزراعة لمصلحة البطالة أو قطاع الخدمات، إذ لم تعد الزراعة في الغور مجدية لمزارع يأخذ على كاهله الصمود في أرضه ضد الاحتلال، والمنافسة ضد المنتجات الإسرائيلية التي تغرق السوق في الوقت ذاته. ولعل ما سبق يفسر تراجع قطاع الزراعة الفلسطيني في السنوات العشر الماضية بانتظام، حيث تشير بيانات وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني إلى تراجع مساهمة قطاع الزراعة في السوق المحلية، ففيما سجلت مساهمة هذا القطاع عام 1996 نحو 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها تراجعت تراجعا مطّردا إلى 5.9% عام 2010. وفي الوقت الذي يعتبر فيه الخبراء الفلسطينيون غور الأردن سلة غذاء فلسطين، فإن إسرائيل تسيطر على ما نسبته 85% من إجمالي مساحة هذه السلة!
إن سيطرة إسرائيل على «سلة غذاء الفلسطينيين» جعلت المنتجات الإسرائيلية تكتسح السوق الفلسطينية، والتي لا مجال لمقاطعتها رسميا بسبب اتفاقية باريس الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. ويشير تقرير «بكدار» الذي صدر في نيسان 2013 إلى أن السوق الفلسطينية بقيت سوقا واسعة لتصريف المنتجات الإسرائيلية التي شكلت حوالي 70% من حجم وارداتها.

غياب الخطط الاستثمارية الفلسطينية

ماذا فعلت السلطة الفلسطينية طيلة عشرين عاما لإنقاذ غور الأردن؟ أحد المسؤولين، الذي رفض ذكر اسمه، اختصر الإجابة عن هذا السؤال بجملة واحدة: السلطة الفلسطينية اكتشفت أهمية الغور مؤخرا، وتحديدا عام 2007، واقتصر دعمها ما بين زيارات بدأها رئيس الوزراء السابق الدكتور سلام فياض، ومعونات إغاثية تزيد أو تقل حسب وضع السلطة المالي. وعند سؤال إدارة التخطيط والسياسات الاقتصادية في وزارة الاقتصاد الوطني عن الخطط والمشاريع الاستثمارية للسلطة في غور الأردن، كانت الإجابة عامة وتشمل جميع الأراضي المصنفة «ج» بحسب اتفاقية أوسلو. وقال مدير الإدارة عزمي عبد الرحمن: السياسات التشجيعية للاستثمار عامة هي لجميع المناطق الفلسطينية، بما فيها مناطق الأغوار والمناطق المصنفة «ج»، وقد ركزت الحكومتان الخامسة عشرة والسادسة عشرة على ضرورة الاستثمار في مناطق «ج» خاصة. وتابع: الاستثمارات في مناطق «ج» ليست بيد السلطة، بل مرهونة بالموافقة الإسرائيلية على تنفيذها، وإسرائيل تمنع أية استثمارات فيها.
تشكل المنطقة المسماة «ج» حوالي 61% من أراضي الضفة الغربية، وهي المساحة الوحيدة المتصلة من الأرض وتربط بين 227 تجمعاً من المناطق المعزولة والصغيرة والمكتظة بالسكان، واعتبرها تقرير صدر عن البنك الدولي في تشرين الأول 2013 «مفتاح التنمية المستدامة للاقتصاد الوطني»، وأن منع إسرائيل للفلسطينيين من الوصول إليها يكبّد الاقتصاد الفلسطيني خسارة تقدر بنحو 3.4 مليارات دولار سنوياً. ونفى عبد الرحمن «أي تقصير من السلطة الفلسطينية تجاه المزارعين في غور الأردن تحديدا»، مؤكدا أن «الإعاقات الإسرائيلية تجاه المشاريع الرسمية الفلسطينية معقدة ومقصودة كثيرا». وقال: هناك مناطق في الأغوار يعيش المواطنون فيها بدائيا، حيث يمنع الاحتلال البناء، والكهرباء، ولا يسمح بحفر أي آبار جديدة أو حتى إعادة حفر الآبار القديمة، وإسرائيل ترفض كل هذا حتى قبل توقيع اتفاقية أوسلو.
من جانبه، أكد موفق دراغمة، أحد أكبر المزارعين والمستثمرين في قطاع الزراعة بالأراضي الفلسطينية، أن «السلطة اكتشفت الأهمية الاقتصادية للأغوار متأخرا، وأن النقلة النوعية في مساعدة مزارعي الأغوار بدأت منذ عامين عندما قرر وزير الزراعة وليد عساف فتح باب التصدير إلى الأردن». وأضاف دراغمة، وهو صاحب أكبر شركتين لإنتاج وتصدير المواد الزراعية «الفرات» و«توب فيلد»: «بدأت باستصلاح وزراعة مساحات من الأراضي المصنفة «ج» في الأغوار قبل سنتين فقط، والأمر كان مغامرة حقيقية». وكان دراغمة قد بدأ بزراعة 100 دونم بالخضروات، واليوم يزرع أكثر من 500 دونم، ويعقد أكبر صفقات تصدير مع الأردن، حيث وقع قبل أسابيع صفقة تصدير 6 آلاف طن من البطاطا للأردن، وهذه أكبر صفقة تصدير لمنتجات زراعية فلسطينية إلى الخارج. ويرى دراغمة، الذي يملك نحو 2500 دونم من المزارع في مناطق مختلفة، أن هناك ما تستطيع السلطة تقديمه للمزارع في المنطقة «ج»، «مثل السماد الزراعي والأشتال والتعويض عن خطوط المياه التي تدمرها إسرائيل دائما، وفرض جمارك على المنتجات الإسرائيلية التي تكتسح السوق الفلسطينية، لكنها لا تفعل». وتابع: المساعدة الوحيدة التي تلقيناها من السلطة الفلسطينية حتى الآن، هي توكيل محام ضد قرار اسرئيل تدمير بئر!

بين اعتبارات السياسة والاقتصاد

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سمير عبد الله، من معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس»، أن هناك مستويين لتعامل السلطة الفلسطينية مع الأغوار، هما مستوى سياسي وآخر اقتصادي. وقال: على الصعيد السياسي، كانت الأغوار دوما موجودة على أجندة المفاوض الفلسطيني، ورفض الرئيس الراحل ياسر عرفات الطلب الإسرائيلي باستئجارها، ويمكن التأكيد أنها لم تكن غائبة عن التفكير السياسي الفلسطيني. وأضاف: أما على المستوى الاقتصادي، فإن ازدياد اهتمام السلطة الفلسطينية بالأغوار حاليا مقارنة بالأعوام السابقة يعود لأسباب اقتصادية متأزمة تمر بها السلطة.
وتابع سمير عبدالله: في ظل ضعف بنية الموارد الفلسطينية التي تسببت بها تقسيمات اتفاقية «أوسلو» للأراضي الفلسطينية، والتي أدت لارتفاع أسعار الأراضي، وشح موارد الاستثمار، والتعقيدات الكبيرة التي تخلقها سلطات الاحتلال حتى في المناطق التي من المفترض أنها تابعة للسيطرة الفلسطينية، فإن كل ما سبق يفسر اهتمام السلطة بالأغوار.

مشاريع مع وقف التنفيذ

أشار عبد الله إلى أن «جهود وزارة الاقتصاد الوطني وهيئة الاستثمار ومؤسسات رسمية شريكة تتمحور في هذه المرحلة حول تعديل قانون تشجيع الاستثمار ليمنح فرصة أكبر وحوافز أكثر للمستثمرين الراغبين بالاستثمار في الأغوار». وقال عبد الرحمن: نتوقع أن يتم إنجاز تعديلات جوهرية بخصوص تشجيع الاستثمار في الأغوار ومناطق «ج» مع نهاية العام الجاري.
لكن معن صوافطة يعتقد أن ما يقلق أي مستثمر في الأغوار هو معرفته بأن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع الأغوار كأنها «مشاع» إسرائيلي، ويمكن أن يقوم في أية لحظة مثلا بإصدار أوامر بهدم بئر أو طرد مزارع. لكن إذا وضعنا هذا القانون والعمل الجاري لتعديله جانباً، يبقى كل ما تقوله وزارة الاقتصاد الوطني حول أفق الوجود الاقتصادي في الأغوار «برسم مشاريع مع وقف التنفيذ»، مثل مشروع مدينة أريحا الزراعة الاقتصادية، التي يعوّل عبد الرحمن عليها كثيرا «لخلق مئات من فرص العمل، وتوسيع الرقعة الزراعية وخلق آفاق لتصدير منتجاتها».
لكن أريحا هي جزء صغير من الأغوار التي تسيطر إسرائيل على 85% من إجمالي مساحتها، والممتدة من البحر الميت جنوبا وحتى بيسان شمالا، بطول 108 كيلومترات، وأي حديث عن الزراعة لن يكون واقعيا دون الحديث عن توفير الماء، حيث ينهب الاحتلال الإسرائيلي 82% من المخزون المائي الفلسطيني، ويضعه تحت تصرف مزارع المستوطنين لري مزروعاتهم وتربية الأبقار والدواجن والديك الرومي. وفيما يرى صوافطة أن «السلطة الفلسطينية تستطيع تنفيذ مشاريع تنموية لإنقاذ غور الأردن من خلال دعم المزارعين، وتحسين ظروف حياتهم في ما تبقى من بقع ضئيلة لا يسيطر عليها الاحتلال»، يتساءل عارف دراغمة رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية: لماذا لا تقوم المؤسسات غير الحكومية، والتي تعتبر أكثر ثراء من السلطة نفسها، بتقديم الدعم والضغط على المستوى الدولي لإنشاء مشاريع تنموية في الأغوار؟! غير أن وزارة الاقتصاد الوطني لا تخفي أن أي آفاق اقتصادية فلسطينية في الأغوار لن تكون دون اتفاق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عبر ضغط دولي، وتحديدا أميركي، وإلا فإن الوضع في الأغوار سيبقى ضبابيا بحيث لا نعرف أين نسير.

* صحافية فلسطينية مقيمة في مدينة رام الله.