| 

تجسد كتلتا «شاس» و«يهودية التوراة» الدينيتان البرلمانيتان غلبة معادلة «العداء/ التكيف الديني» على علاقة الأرثوذكسية المتشددة «الحريديم» بالكيان الإسرائيلي، غداة تحوير «المسيحانية» لمصلحة التشبيك مع نظامه السياسي وتلبيس عدوانه ضد الشعب الفلسطيني بمخرج شرعي، من دون إخفاء المناهضة الأزلية للصهيونية.
وبينما تمضي الكتلتان، في خطوات مضادّة للصهيونية بذريعة علمانيتها وعدم حكمها بموجب الشريعة اليهودية «الهالاخاه»، رغم الإقرار بوجود «دولة إسرائيل» والإسهام في هياكلها السياسية، فهما تقفان في خانة اليمين الأكثر تطرفاً حيال قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وتصدّان كل ما يمسّ الكيان الصهيوني أو يزعزع أمنه، وتدفعان، عبر تسعة عشر مقعداً برلمانياً، بخطط الاستيطان والمشاريع العنصرية إلى طريق النفاذ.
تخلع الأدبيات الدينية اليهودية، في الوقت الحاضر، على هاتين الكتلتين صفة غلاة الأرثوذكس الذين يرفضون الحركة الصهيونية، رغم مشاركة بعضهم في الحياة السياسية مقابل من ينأى عن «الدولة» ويعتزلها، وذلك لغايات التفريق بينهم واليهود الأرثوذكس الذين يعترفون بالصهيونية وبالكيان الإسرائيلي ويشاركون بشكل مطلق في أطره السياسية.
تتبنى اليهودية الأرثوذكسية المتشددة (الحريدية) التفاسير الأكثر غلواً وصرامة في التراث الديني وتتشدد في تطبيق العبادات وتعاليم الشريعة الدينية، فيما يعيش أغلب أنصارها في ضواح وأحياء منغلقة. وتتداخل مفاهيمها بمقولات بعض المتدينين الأرثوذكس، غير أنها تنطلق في مناهضتها للصهيونية بذريعة علمانيتها وتجاوزها لإرادة الله في «العودة» وعدم انتظار «المسيح المخلص» وزعمها القدرة على تحقيق السلام والأمن لليهود بما يتعارض مع نصوص التوراة والتلمود، بينما ترهن الحريدية مستقبل اليهود بالعودة إلى التوراة.
على الرغم من اعتقاد بعضهم بوجود تمايز بين الدين والسياسة، غير أن القومية اليهودية، بحسبهم، تخلق غموضاً حول الوظيفة والدور التاريخي لليهود في العيش ضمن مجتمع ديني أينما كانوا. وقد شكل «أمل العودة» و«إحياء مملكة إسرائيل» أبرز قواعد اليهودية الأرثوذكسية لفترة طويلة تزامنت مع بدايات الحركة الصهيونية عام 1897، غير أنها ترهن تحقيق الهدف بيد «يهوه القدير» الذي سيرسل «المسيح المخلص» للقيام بهذا العمل، وليس من خلال «الشعب المختار»، كما نادت الصهيونية، ما شكل نقطة الخلاف الفاصلة بين الفريقين، حينما استبعد المتدينون سبل التوافق والانسجام بين اليهودية والصهيونية، بسبب تمرد الأخيرة على الله وخيانتها للشعب اليهودي، وبالتـالي لا يمكن، بحسبها، أن يكون اليهودي الصالح صهيونياً، مثلما يستحيل أن يكون الصهيوني يهودياً صالحاً.
وتختلف التيارات الحريدية فيما بينها في مواقف تتدرج من التعايش مع «إسرائيل» كدولة منفى، ليس بالمعنى السياسي الجغرافي وإنما الروحي الثيولوجي الذي لا يغيره قيام الدولة ما لم تتم عن طريق «الخلاص المسيحاني»، إلى إضفاء صبغة دينية مجدّدة عليها وإكساب مفهوم الاستقلال الديني السياسي لليهود من خلال الدولة نوعاً من الأهمية الدينية، كونها تجسّد العناية الإلهية لإنقاذ أرواح اليهود، خاصة في عام 1967 الذي شكل «بداية الخلاص ومجيء المسيح»، بوصف مفهوم الخلاص هدفاً وليس واقعاً، مقابل إضفاء صبغة القدسية على الوجود اليهودي في «أرض إسرائيل» بصورة مجردة.
يشكل حزب «أغودات يسرائيل» الأشكنازي المعتدل (تأسس عام 1912) بفرعه العمالي (تأسس عام 1923) الممثل الأبرز لمعظم الحريديم اليوم، حيث يشارك في الكنيست من دون الانخراط في الحكومة، كما يرفض المشاركة في الخدمة العسكرية بذريعة إعداد جيل من الحاخامات وعدم الاستعداد لتحمل مخاطر الحرب. فيما يشكل حزب شاس (اتحاد حراس التوراة السفارديم) أبرز مظاهر المد الديني الحريدي المتطرف في الداخل الإسرائيلي، عبر مشاركته في الكنيست والحكومة منذ ظهوره في انتخابات 1984، وتبنيه الصهيونية بعد سبغها بمضامين دينية، ودعوته للانصياع لـ«قوانين الدولة وإطاعة السلطة حتى وإن تعارضت مع الأوامر الدينية».
في موازاة ذلك؛ يقف حزب ديغل هتوراة (علم التوراة) الذي ظهر عشية انتخابات الكنيست عام 1988 ببرنامج سياسي مرن يوافق على الانسحاب من المناطق المحتلة وقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة. وفي عام 1990 تشكل «يهودوت هتوراة» (حزب التوراة الموحد) من ائتلاف أحزاب دينية يؤمن بمرجعية تعاليم التوراة تجاه قضايا الصراع، و«بالحق التاريخي في أرض إسرائيل» و«بالقدس الموحدة»، غير أن مواقفه تتراوح أحياناً بين القبول بالانسحاب من الأرض المحتلة في إطار المحافظة على «النفس اليهودية وحقن الدماء»، وإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة، وبين الجنوح نحو التطرف برفض التخلي عن «أرض إسرائيل الكاملة» ومعارضة حق العودة وتقسيم القدس.
في المقابل، هناك من ينأى عن «الدولة» ويكفرها ويعتزلها التزاماً بتعاليم «الهالاخاه»، مثل حركة ناطوري كارتا (أي حراس المدينة)، ليس من منطلق عدم الأحقية في فلسطين المحتلة، وإنما لأن الصهيونية تجاوزت الإرادة الإلهية وحلت محلها باستباق مجيء «المسيح المخلص» للعودة إلى «أرض الميعاد».
 

تحولات داخلية


إن تنقل بعض تلك القوى من موقف المناهض للصهيونية، إلى الانخراط في المشروع الاستعماري وهياكل «الدولة» التنظيمية والمؤسسية، وتعزيز خطاب يدمج البعدين الديني والسياسي معاً داخل مقولاتها ومفاهيمها، يشي بتحولات داخلية جعلتها ترتضي بالوضع القائم والمشاركة فيه، ولكن من دون التخلي عن سمة المجاهرة بمعاداة العلمانية الصهيونية، على الرغم من ذهاب تيار في داخلها صوب مقاربة الصهيونية في دعوة الالتفاف على مفهوم «المسيح المخلص»، حينما صُورت «إسرائيل» بعد «انتصارها» في عام 1967 بداية الخلاص المنشود، على غرار تفسير وعد بلفور عام 1917، اللذين شكلا «معجزة ربانية» و«عناية إلهية».
لعل تفسير ذلك يتأتى في إطار الإشكالية القائمة بين الدين والسياسة في الكيان الإسرائيلي وليس من منطلق الخلاف على أهداف الصهيونية التي ساهمت القوى الحريدية فيها بشكل فاعل، فكما جرى المزج بين الدين والصهيونية السياسية في إطار الصهيونية الدينية التي أكسبت الأهداف الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين المحتلة طابعاً شرعياً، فقد تأثرت الحريدية بالصهيونية وأسهمت في وجودها واستمرارها وعملت في معتركها السياسي وهياكلها التنظيمية، وقد ساعد في ذلك تفسيرات الحاخامات المتغايرة للديانة اليهودية وللتوراة.
يقع مفهوم انتظار «المسيح المخلص» وسيطاً بين مقولة «الاختيار» ومحن المنفى، مشكلاً اعتقاداً راسخاً عند عامة اليهود منذ السبي البابلي (586 ق.م) اقترن مجيئه بترقب تغيير حال اليهود وتحقيق الخلاص من معاناتهم وبجمع شتات المنفيين للعودة بهم إلى صهيون وتحطيم أعداء «شعب إسرائيل»، فيتخذ أورشليم عاصمة له ويعيد بناء الهيكل ويحكم بالشريعة المكتوبة (التوراة) والشفوية (التلمود)، إيذاناً بفردوس سيدوم ألف عام (ومن هنا جاءت تسمية الأحلام الألفية) فيما ستشكل صهيون مركز العدالة الشاملة، وستعمل الأمم على خدمة المسيح، بحسب مزاعمهم.
غير أن التمسك بمفهوم «المسيح المخلص» يغاير معطيات الوضع القائم الذي تشارك فيه معظم الأحزاب الدينية «بالدولة»، سواء تلك التي عارضت المفهوم أم التفـّت حوله أم كيّفته لمصلحة أهدافها. ويقف معتقد «المسيح المخلص» كأحد أبرز العوائق الفكرية التي جابهت الحركة الصهيونية، فالتفت حوله بزعم أن جهودها لإقامة «وطن قومي لليهود» في فلسطين ستمهد الطريق أمام قدومه، بيدَ أن هذا التعليل لم يأخذ به قطاع واسع من اليهود، بخاصة «الحريديم» منهم، إذ بعد رفض «أغودات يسرائيل» جهود إقامة دولة يهودية في فلسطين لما تشكله من اعتداء على سلطة المسيح واستعجال غير مرغوب فيه للنهاية، حاولت في ثلاثينات القرن المنصرم مدّ الجسور مع الحركة الصهيونية، مما أحدث انشقاقاً داخلها أسفر عن ظهور حركة ناطوري كارتا.
على الرغم من علمانية الكيان الإسرائيلي، تتمتع الأرثوذكسية اليهودية بنفوذ كبير داخلها، حيث تعتبر المّـلة الرئيسة فيها، دون التيارات اليهودية الأخرى كالإصلاحية والمحافظة، فيما تحولت دائرة الهيئة اليهودية الأرثوذكسية إلى وزارة الشؤون الدينية بعد قيام «الدولة»، بعدما كانت تابعة للوكالة اليهودية. وتتجلى مظاهر نفوذها في وجود أربعة أحزاب دينية أرثوذكسية، وانتشار الكيبوتسات الدينية (أي تركيز عدد من المستوطنات في رقعة واحدة من الأرض) التي اكتسبت بعداً دينياً على الرغم من طابعها الاشتراكي ومُثلت داخل الكنيست وباتت أكثر قرباً من اليمين، إضافة إلى وجود نحو سبعة آلاف معبد ديني أرثوذكسي، والسيطرة على الحاخامية الرئيسية المهيمنة على توجيه دفة الشئون الدينية والمحاكم الحاخامية، بما فيها حاخامية جيش الاحتلال، والإشراف على المنظومة التعليمية الدينية وإنشاء العديد من الييشوف.

 

 

الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي


تحمل الأرثوذكسية المتشددة مواقف عدائية من الحقوق الفلسطينية العربية وتعارض فكرة الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة بصفتهما جزءاً من «أرض إسرائيل» لا يمكن التنازل عنهما احتكاماً إلى «الوعد الإلهي». وقد أسهمت عملية تحوير الصهيونية الدينية، التي تندرج في إطار تيار اليهودية الأرثوذكسية، للمعتقد المسيحاني في حركة الهجرة والاستيطان في فلسطين تحت ذريعة الدين، بحيث يشكل الاستيطان، بالنسبة إليها، «واجباً دينياً يوازي فرائض التوراة» ويمهد الطريق لمجيء «المسيح المخلص». وقد تم تفسير هذه الفريضة فيما بعد كواجب مزدوج يلتزم به اليهود بالهجرة إلى «أرض إسرائيل» والعيش فيها تمهيداً لمجيء «المسيح المخلص»، في ظل مجموعة الفتاوى الحاخامية التي أعطت الحــــق لجــــنود الاحتــــلال بــــعدم تنفــــيذ الأوامـــــر إذا مـــــا كانت ستـــــــؤدي إلى الانسحــــــاب من أراضـــي الضـــــفة الغربـــــــية.
لكن بخلاف القوميين الدينيين وأنصار الضمّ بحكم التوراة الذين يصرون على الاحتفاظ بكامل الأراضي المحتلة عام 1967، نجد أن كل اعتبار لانتماء «الأرض» توراتياً إلى الشعب اليهودي يرتكز عند الحريديم على مدى صونه للحياة البشرية، مع وجود بعض الاختلافات المهمة فيما بينهم، وكأن هذه المفاهيم لم تكتسب عندهم بعداً أيديولوجياً وبقيت منفصلة عن المشروع المسيحاني، من دون استخدام الوعد التوراتي للسيطرة على «الأرض المقدسة»، بما يحمل في طياته نوعاً من التناقض.
في موازاة ذلك تتبنى تلك الحركات والأحزاب مواقف متشددة التطرف تجاه رفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين حفاظاً على «يهودية الدولة»، ومناصرة التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1948، والمطالبة، كما حزب «شاس»، بطردهم في إطار «الترانسفير»، وذلك من منطلق رفض الاعتراف بالشعب الفلسطيني، والنظر إليه كأقلية لا تستحق نيل حق تقرير المصير، بحسبهم، والمغالاة في الكراهية للشعب الفلسطيني العربي، مقابل رفض تقسيم القدس باعتبارها «العاصمة الأبدية والموحدة للشعب اليهودي»، والتنقل بين رفض العيش إلى جانب دولة فلسطينية ومناهضة إقامتها، والقبول بكيان لا يخرج عن أسر حكم ذاتي ناقص السيادة والاستقلالية.

كاتبة من الأردن.