| 

منذ بدء الخليقة، والصراع بين الخير واللاخير قائم على هذا الكوكب. وإذا كان الإنسان في طبعه ميّالاً إلى اللاخير، فإنّه، وفي أوقات متفرّقة من مراحل الحياة البشرية، إن لم يجد من يناصبه العداء، استجلب له أعداء من خارج نطاقه الأرضي ليجسّد الصراع على أساس أن «الغريب» هو الشرير. وفي لجّة هذا الصراع على طول الأزمنة، نجد أن كلّ طرف يدّعي أنه الخير، وأن الطرف المقابل هو الشرّ بعينه، وبما أنّ لا عدالة على الأرض، ظلّت الادّعاءات إياها عن الخير والشر قائمة، والصراعات قائمة، والخاسر الأكبر كان الإنسان في إنسانيته.
حفِل التاريخ بكثيرٍ من الأساطير والملاحم التي تروي الصراع بين الخير واللاخير، غير أن أبرز ظاهرة ما زالت مستمرّة إلى اليوم، هي اليهود، ووجودهم اللامرغوب في المجتمعات المختلفة، عربية أكانت أم غربية. وفي الحديث عن اليهود، وحتى لو سلّمنا بصوابية رسالتهم السماوية، فإن تاريخهم حافل باضطهاد الأنبياء والصالحين، لا بل قتلهم، ومحاربتهم، حتى «الأنبياء الذين أوصوا بهدايتهم»، غدروا بهم وأذاقوهم العلقم.
كيف يمكن أن ندرس مجتمعًا يناصبنا العداء وتجثم قوّات احتلاله العسكرية فوق صدورنا، وأن دولته وكيانه السياسي قاما على أشلاء الوطن الفلسطينيّ بعد طرد سكانه العرب وإحلال جماعات يهودية من كافة أنحاء العالم محلهم، جرى استقدامها بقصد إنجاز هذه المهمة وترسيخ دعائم الاستعمار الاستيطاني على مراحل وفي موجات هجرة متلاحقة ومتتالية؟ كيف نأمن ليهودٍ امتهنوا التخريب والفوضى منذ نشأتهم. وكيف نأمن ليهودٍ احترفوا المجازر وبقر بطون الحوامل وقطع الأرزاق واغتيال الزيتون وطرد الفلسطينيين واستجلاب المستوطنين؟
كيف نصدّق أنّ في هذا العالم يهودًا معتدلين في آرائهم، صادقين في رحمتهم، توّاقين إلى العيش جنبًا إلى جنبٍ في المجتمعات التي لا يقبلون أن ينخرطوا فيها؟ كيف نصدّق أن في هذا العالم يهودًا ضدّ «إسرائيل»؟ فالحريّ أن يكونوا ضدّ الأسرلة بأبعادها الدينية والاجتماعية والفكرية والسياسية. هل يجرؤ يهوديّ في العالم أن يجرّد يعقوب «النبيّ» من لقب «إسرائيل»، إذ تقول أسطورتهم البالية أن «يعقوب» تعارك مع الله فغلبه وأسره، لذلك لُقّب بـ«إسرائيل»!!! هل يجرؤ يهوديّ في العالم أن يناقش اليوم وعلى الملأ وأمام العالم عبر الفضائيات «الإثم الكنعاني»، وأن يعترف بأنّ أساطيرهم كلّها بنيت على باطل، وأنّها محرّفة في سبيل إقامة دولتهم الكبرى من الفرات إلى النيل؟ هل يجرؤ أيّ يهوديّ معتدل في العالم اليوم أن يعترف بـ«لوثة عزرا»؟ هل يجرؤ أيّ يهوديّ مهما بلغ اعتداله، أن يكفّر عن ذنوب الصهيونية العالمية في قتل الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعرب وتشريدهم وذبحهم وتهجيرهم؟
لا يمكن أن نقارب موضوع اليهودية إلا من باب الخير والشرّ، لأنّ إناء اليهودية ينضح صهيونيةً منذ زمن بعيد وسيبقى. حتى لو برز اليوم إلى العلن يهود يسمّون أنفسهم معتدلين، وحتى لو برزت أيضًا «العلمنة اليهودية» أو الانقطاع عن مراعاة الشعائر الدينية التقليدية والإقلاع عن السلوك الديني التقليدي. وهذا ما يحدث بنوع خاص من جيل إلى جيل بين السكان اليهود الشرقيين. إن هذا الاتجاه نحو العلمانية الذي يستأثر باهتمام كبير من البعض في هذا الشرق، إنما هو برمّته أيها «البعض»، ليس إلا استقطابًا لمصلحة أحد الطرفين في النزاع بين أنصار الدولة العلمانية ودعاة الدولة الدينية في «إسرائيل».

* كاتبة لبنانية.