| 

تبدو هضاب رمادية اللون على طول الحدود الأردنية الفلسطينية شرق الضفة الغربية، خاليا تماما، من أي وجود بشري فلسطيني، إلا من بعض المباني المهجورة منذ أربعة عقود، كانت تستخدم كمكاتب إدارية بسيطة لأرباب الأعمال في القطاع الزراعي. وحول تلك المكاتب التي احتوت أيضا على مضخات مياه من الآبار الاتوازية وأخرى تسحب المياه من نهر الأردن، كانت بضعة تجمعات زراعية قد بدأت تتطور لتتحول إلى قرى صغيرة، مشابهة لتلك التي تحولت اليوم إلى بلدات على الجانب الآخر من النهر من ناحية الأردن. لكن الجانب الفلسطيني من الحدود فارغ تماما من المباني السكنية، فيما تبدو قرى وبلدات أخرى تقع على الجانب الأردني تزخر بالحياة. في صباح اليوم التالي لاحتلال الضفة الغربية، كان الجيش الاسرائيلي يسيطر تماما على هذه الهضاب، التي شكلت في أجزاء منها أنوية لتجمعات وقرى سكانية ناشئة، ساهمت في بناء الاقتصاد الزراعي الحديث الذي اعتمد على دخول مضحات المياه الأتوماتيكية إلى الضفة الغربية.

تدمير 32 قرية وخربة

قبل ذلك، كانت فرق مختلفة من الجيش الإسرائيلي قد قامت بأولى خطوات تجريد المنطقة من علامات الحياة: الهدم الشامل لكل ما هو قائم. هنا على أطراف طريق (90) أو ما يطلق عليه «شارع غاندي»، نسبة إلى وزير السياحة الأسبق رحبعام زئيفي (غاندي) الذي اغتالته الجبهة الشعبية قبل أكثر من عقد، تظهر شواهد بعض تلك التجمعات البائدة. بعض الأبنية الخرسانية في مناطق متفرقة، وفي مناطق أخرى مصاطب لبعض المنازل ما زالت شاهدة على عمليات الإبادة، وأيضا بقايا مضخات ماء وطواحين حبوب كان السكان قد بدأوا ببنائها في المنطقة. ولا يحتاج التحقق من قيام القوات الإسرائيلية، بإبادة أكثر من 30 خربة وقرية صغيرة عشية احتلال الضفة الغربية عام 1967، إلى الكثير من التفتيش في وثائق وأبحاث المؤسسات البحثية الفلسطينية. إذ يمكن لجولة ميدانية لعدة أيام أن تكشف إلى أي مدى أبيدت تلك التجمعات السكانية في غضون أيام معدودة.
على امتداد الشريط الشرقي للضفة الغربية، والذي يشكل بطوله الممتد من حدود الضفة الغربية مع أراضي عام 1948 الشمالية الشرقية، وحتى شمال البحر الميت، هدمت القوات الإسرائيلية على الأقل 32 قرية وخربة وتجمعا فلسطينيا بهدوء، ومن دون ضجيج مصاحب، كالذي حدث عندما هدمت بعض القرى في الفترة نفسها قرب مدينة القدس. بعد أسابيع قليلة من انتهاء حرب حزيران 1967، التي كان من نتائجها المباشرة اجتياح واحتلال إسرائيل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وإكمال سيطرتها على فلسطين التاريخية، وأجزاء من صحراء سيناء والجولان والغور الأردني، إضافة إلى هزيمة مدوية للجيوش العربية، ظهرت أقسى علامات هذا الاحتلال في الضفة الغربية بإفراغ مساحات واسعة على ضفاف نهر الأردن الغربية من سكانها، بعد إخلاء تجمعات سكانية ناشئة وتسويتها بالأرض.
كان ذلك نسخة جديدة من صورة الهدم التي رسمت خلال حرب النكبة عام 1948. لقد أقدمت القوات الإسرائيلية على إبادة الجغرافيا؛ إبادة القرى والخرب والتجمعات الزراعية والمضارب الرعوية، على امتداد منطقة الغور شرق الضفة الغربية. على مدى أسبوع، أمكن استطلاع جزء كبير من الشريط الشرقي، غرب الأرض المحرمة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتمنع الفلسطينيين من دخولها، منذ عام «النكسة»، وحتى اليوم، وما زالت بعض أطلال الخرب والقرى ظاهرة للعيان بعد أكثر من أربعة عقود على هدمها. لم توثق هذه الجريمة على نطاق واسع بعد 45 عاما من تلك «النكسة»، وذلك لعدة أسباب أهمها: قفز قضايا كثيرة على هذه القضية، فالغور بحد ذاته كان بعيدا جدا عن أعين وسائل الإعلام، حتى الحصار الكبير الذي بدأ عشية انتفاضة الأقصى قبل عشر سنوات وما زال حتى الآن، رغم تخفيفه نسبياً. وفرض الاحتلال سياسة الأمر الواقع الذي اعتمد على تحويل هذه المناطق إلى مناطق استغلال كامل للكيبوتسات الزراعية اليهودية بالكامل دون السماح لأي فلسطيني بالعودة إليها واستغلالها. في كل يوم تظهر آليات إسرائيلية وفرق خاصة تعمل على تسوية الأراضي المحرمة وتطهير الألغام منها. وشهراً بعد شهر تمتد رقعة الأراضي الزراعية التابعة للمستوطنات اليهودية في تلك المنطقة. ولأن المنطقة الغورية التي تمتد من أطراف نهر الأردن، هي منطقة دخول وخروج وتنقل للعابرين بين الضفتين، فإن إسرائيل أدركت تماما منذ الأيام الأولى لاحتلالها الضفة الغربية، أن أي وجود فلسطيني في هذه المنطقة سيشكل حلقة وجود قوية تربط بين الغور وبقية أجزاء الضفة الغربية من جهة، ومن جهة أخرى تشكل منفذا آمنا للتنقل عبر الضفتين.

تهجير وحظر بناء

بدأ هدم وإبادة تلك القرى من الشمال، من قرية قاعون التي أقيمت قرب قرية بردلة المتاخمة للحدود، وطرد أهل القرية إلى القرى التالية، فيما هجر بعضهم إلى الأراضي الأردنية، وتقع معظم أراضي قاعون الآن خلف السياج الذي يفصل أراضي الضفة الغربية عن مناطق أراضي 1948. يقول سكان المنطقة، وبعضهم كانوا شهودا على تلك الفترة، إن قوات الاحتلال طردت السكان قبل أن تبدأ بعملية الهدم. وتظهر حتى اليوم بعض الجدران الأسمنتية في المنطقة وبقايا مصاطب لا تبعد كثيرا عن بعضها البعض. ويقول بعض سكان تلك القرية الذين انتقلوا بعد هدمها إلى قرية بردلة المجاورة، إن تلك الجدران كانت لمنازلهم.
منذ اليوم الأول لاحتلال الضفة الغربية، تمنع إسرائيل الفلسطينيين من إقامة قرى جديدة في ربع الضفة الغربية الذي يمثل في مجمله منطقة الغور، الممتدة من بردلة حتى أريحا، ويجري التوسع فقط داخل القرى والتجمعات القائمة على أرض الواقع قبل عام «النكسة». وبعد اتفاقيات أوسلو بدا الأمر أكثر صعوبة، فالبناء في مناطق (ج)، وهي المناطق التي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، أمر شبه مستحيل، وأي عملية بناء يقوم بها الفلسطينيون تواجه بالهدم الإسرائيلي. ويقول الفلسطينيون إن لا دولة فلسطينية كاملة السيادة من دون إفراغ الغور من الوجود الإسرائيلي والمستوطنات التي تسيطر على الأراضي الخصبة ومنابع المياه، فيما يقول الإسرائيليون إن أي اتفاق سلام مستقبلي يجب أن يضمن لهم حق التواجد في المنطقة، بذريعة حماية الحدود الشرقية! وبموجب القوانين العسكرية الإسرائيلية المتبعة في تقسيم الأراضي الفلسطينية، يمكن للفلسطينيين أن يقوموا بالبناء فوق 13% فقط من القدس الشرقية، وفوق 1% فقط من المنطقة (ج)، وعلاوة على هذا التضييق فقد رفضت سلطات الاحتلال أكثر من 94% من طلبات البناء التي قدمها الفلسطينيون خلال السنوات الماضية.
في الغور ذاته، تسعى قوات الاحتلال لهدم كل التجمعات الرعوية والزراعية المقامة على أراض مصنفة (ج) بحسب اتفاقات أوسلو بذريعة عدم الترخيص، ويقول سكان تلك التجمعات إن إسرائيل لا تصدر تراخيص بناء في كل المنطقة. وخلال الأعوام الماضية هدم الجيش الإسرائيلي معظم تلك التجمعات أكثر من مرة. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن ما بين 28% إلى 46% من منازل الفلسطينيين يمكن أن تكون عرضة لخطر الهدم. وتتواصل في الغور عمليات الهدم، فخلال العامين المنصرمين هدمت سلطات الاحتلال مئات المساكن التي يبنيها الفلسطينيون من الخيش وألواح القصدير (الزينكو).
يقول عارف دارغمة، وهو رئيس المجلس المحلي للمضارب الرعوية التي تنتشر في الثلث الشمالي من الغور، إن كل المساكن الهشة التي تنتشر على مساحة عشرات الكيلومترات معرضة للهدم في أي وقت من دون سابق إنذار. وتظهر مناطق واسعة من الغور من أقدام السفوح الغربية وحتى منطقة الحدود خالية تماما من الفلسطينيين، لكن المنطقة المحرمة التي كانت تشكل المجال الحيوي للقرى التي أبيدت خلال حرب العام 67، تنتقل يوما بعد يوم إلى الكيبوتسات الزراعية.
شمالا، كانت تقع خربة الساكوت، وهي واحدة من الخرب الزراعية التي نشأت في خمسينيات القرن الماضي، والآن يستغل أراضيها المستوطنون في زراعة المحاصيل القشية، فيما تحول نبع المياه إلى منطقة استجمام. وبلغت الكثافة السكانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في نهاية العام 2012 حوالى 724 فرد/ كم2 بواقع 475 فرداً/ كم2 في الضفة الغربية و4583 فرداً/ كم2 في قطاع غزة. أما في الأراضي المحتلة عام 1948، فبلغت الكثافة السكانية في نهاية العام 2012 حوالى 369 فردا/ كم2 من العرب واليهود. وإلى الجنوب من الساكوت، أمكن إحصاء أكثر من 30 تجمعا زراعيا، بعضها يتعرض سكانها للطرد ولهدم مساكنهم حتى الآن.
القرى التي أبيدت في عام 1967 هي: العجاجرة، غور الجفتلك، خربة العايد، غور الجفتلك، أم العبر، خزوق موسى، بير أبو عليوه، بير يونس، بير أبو المنذر، العلية، داير الأقرع، سد البلقاوي (خربة العنابسة)، خربة الجنيدية، الرقة، أم قطيفة، شويعر، تل أبو السوس، أم الجلود، الدير (تل العمدان)، تل الساكوت، خربة قاعون، خربة جباريس، خربة الحمة، خربة الفارسية (غزال، خلة خضر، احمير)، عين الحلوة (أم الجمال- واد الفاو)، خربة سمرة، خربة مكحول، الحديدية، خربة حمصة، المزوقح، حمامات المالح، خربة أم القبا (سكن موسمي) خربة موفية، ميحان السمن. وكان يسكن في تلك القرى بضع عشرات من العائلات، فيما كانت قرية العجاجرة في أغوار الجفتلك أكبرها.
بينت مؤشرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن حوالي 11.6 مليون نسمة عدد الفلسطينيين في العالم، منهم 4.4 ملايين نسمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ونحو و1.37 مليون نسمة في أراضي عام 1948، في نهاية العام 2012.
ويعيش حوالى 11.8 مليون نسمة في فلسطين التاريخية كما هو في نهاية العام 2012، والتي تبلغ مساحتها حوالى 27 ألف كم2، ويشكل اليهود 51% من مجموع السكان ويستغلون أكثر من 85% من المساحة الكلية للأراضي. بينما تبلغ نسبة الفلسطينيين 49% من مجموع السكان ويستغلون حوالي 15% فقط من مساحة الأرض، ما يقود إلى الاستنتاج بأن الفرد الفلسطيني يتمتع بأقل من خمس المساحة التي يستحوذ عليها الفرد الإسرائيلي من الأرض.
حتى اليوم، لم يستطع الفلسطينيون إعادة بناء أي من تلك الخرب والتجمعات الزراعية، وأي محاولة - حسب رئيس المجلس المحلي المضارب المالح عارف دراغمة - ستواجه برفض إسرائيلي وهدم لما قد يبنى. وقال دراغمة، إن هناك تفكيرا جديا في وضع هذه التجمعات على الخريطة، ولو نظريا، لكن ذلك لن يحصل بين ليلة وضحاها. مشيرا في الوقت نفسه، إلى فتور نسبي فلسطيني مزمن تجاه هذه القضية منذ عقود. وأضاف: لأن المناطق التي كانت تقع فيها تلك التجمعات تقع خلف السياج الأمني الحدودي، فإن الأمل في الوصول إليها ضعيف، إلا في حالة الوصول إلى تسوية سياسية مع الإسرائيليين.

صحافي فلسطيني مقيم في مدينة طوباس.