| 

«شلومو ساند» مؤلف كتاب «اختراع الشعب اليهودي»، هو الذي كان ذات يوم «جندياً يحلم بالزنابق البيضاء» بطل قصيدة محمود درويش، والذي تحول من «آلة تنفث نارا وردى» إلى شخص «يحلم بالزنابق البيضاء»، إلى بروفيسور يتولى مهمة «تفكيك الميثات والأساطير التاريخية التي خُلِقَت لإضفاء الشرعية على العملية الاستيطانية التي نشأ فيها المجتمع والثقافة الإسرائيليين». وكتابه «اختراع الشعب اليهودي» عمل أكاديمي رفيع، قام فيه الباحث بمساءلة الماضي وأعاد النظر في «المسلمات الصهيونية»، التي حوَّلت تاريخ الجماعات اليهودية إلى سيرة شعب إثني، وقام بتفكيكها محاولا تقويض هذا النموذج الفكري الذي شكل أساس التاريخ القومي، ثم أعاد بناء تاريخ اليهود وأدمجه في القصة العامة للبشرية. ويقول الباحث: «لم يكن في الماضي شعب يهودي واحد ينتمي الى أصول بيولوجية متجانسة، ولا يوجد اليوم أمة يهودية»، اليهودية كانت على الدوام مثل المسيحية والإسلام، حضارة دينية مهمة وليست ثقافة شعبية قومية.
يغوص ساند في العالم المتخيل الذي قدمته «نصوص التناخ» (الكتاب اليهودي المقدس)، وقام «وكلاء الذاكرة وكهنتها» من علماء آثار ومؤرخين وانثروبولوجيين ببذل قصارى جهودهم لمواءمته مع الحاضر، والزعم بأن يهود إسرائيل هم أبناء «مملكة داود». ويتولى كشف التناقض في تلك الفرضيات بالاستناد إلى «الهستوريوغرافيات» المسماة ما بعد صهيونية، وإنجازات علوم الآثار الإسرائيلية الجديدة، وأبحاث تاريخية قديمة منسية، بالإضافة إلى نظريات عصرية في بحث الأمة والقومية، ليقدم كتابا هو الأكثر إثارة وأهمية كونه يفند الرواية الرسمية الإسرائيلية ويبطل مفاعيلها بمعايير علمية.
يكتسب بحث ساند اهمية استثنائية في مرحلة الصراع الراهن على «يهودية الدولة»، حيث تبذل المؤسسة الإسرائيلية قصارى جهدها لانتزاع اعتراف فلسطيني بـ«يهودية الدولة». وفي هذا السياق، ما فتئت هذه المؤسسة بالدخول في حمى استبدال القانون الدولي والشرعية الدولية بنصوص دينية أسطورية توراتية تمنح «أرض الميعاد» إلى «شعب الله المختار»، وتستخدم النصوص الدينية في كل ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. والاعتراف المطلوب يعني إقرارا فلسطينيا بالأسس الاثنية المركزية المتخيلة للدولة «اليهودية»، وبميثة السيادة اليهودية التاريخية المزعومة على أرض فلسطين، وتحصيل حاصل التسليم بما ترتب على ذلك من وضع كولونيالي إسرائيلي بالنسخة الحصرية اليهودية. ويعني اعتراف الشعب الفلسطيني بـ«يهودية الدولة» التصديق على تصفية حقوقه الوطنية التاريخية والراهنة والتسليم بالانتصار النهائي للصهيونية ومشروعها الكولونيالي، ولا سيما أن «اختراع الشعب اليهودي» ارتبط باحتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب عبر عملية تطهير عرقي مأساوية، واستبدال ثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ، واعتبار كل ذلك بمثابة «عمل مقدس أمر به الله».
«يهودية الدولة» لا يوجد ما يسندها الآن غير غطرسة القوة، والدوائر الصهيونية والغربية التي تنطلق من مصالح كولونيالية. حدث ذلك، بعد أن سحبت الأبحاث التاريخية والمكتشفات الأثرية والنظريات العصرية والأكاديميون الأمناء على العلم أمثال ساند، «براءة اختراع الشعب اليهودي»، وفككوا أسس الكيان الاثني المغلق ودولة الشعب العرقي. ويحدث هذا بعد زوال المساحيق التي حاولت تغطية الوجه الكولونيالي البشع لإسرائيل. غير أن التطور الأهم هو استمرار عملية ذوبان أحفاد اليهود مع «الأغيار»، وذلك بفعل تأثير الثقافات الكونية الحديثة. فقد تزايد الزواج المختلط، بحيث أن 6 من الشبان اليهود من أصل 10 يتزوجون غير اليهود، إلى جانب التراجع المستمر في التأييد والاهتمام بإسرائيل في صفوف أبناء العائلات اليهودية في العالم الذين تصل أعمارهم إلى 35 عاما.
 

التاريخ الأسطوري


كانت اليهودية بالنسبة إلى معظم المثقفين والباحثين الألمان بحسب كتاب «تاريخ الايزرائيلتيم»، وهو أول كتاب يبحث في تاريخ اليهود، «طائفة دينية ولم تكن قطعا شعبا مشردا أو قومية»، ولم يترجم هذا الكتاب إلى العبرية. ثم صدر كتاب «تاريخ اليهود في العصور القديمة» لهانيرنخ غريتس الذي شكل خريطة طريق لزعماء المستوطنين في فلسطين. وكان أول جهد لاختراع الشعب اليهودي، حين حوّل اليهودية من حضارة دينية إلى شعب عرقي «اقتلع من وطنه»، إلى اختراع «ميثولوجيا قومية»، كان «التناخ» منبعها. يتوقف غريتس عند مسألة فصل تاريخ «شعب إسرائيل» عن بيئته وعن الشعوب الأخرى بجدار حديدي في كل الأزمان والعصور. وقد أبدى تأييده الكامل «لاختراع اليهودية المخصوصة وإرساء حدودها الصارمة». أما الباحث الألماني «يتسحاك باعر» في كتابه «منفى» عام 1935، فيقرر بشكل جازم أن «الكتب الدينية تتحدث عن الاصطفاء التدريجي لشعب الله وتؤكد حقه في أرض الميعاد وتثبت مكانته في تاريخ الشعوب». ويقول «أعد الله لكل أمة حصة من الأرض، وحصة شعب إسرائيل هي أرض إسرائيل وهي مكانه الطبيعي»، مضيفا «النفي يعني الاقتلاع من المكان الطبيعي، وأي شيء يقتلع من مكانه الطبيعي يفقد موطنه الطبيعي إلى أن يعود.» بدوره، وضع المؤرخ «بن زيون دينور» اللبنات الأبرز في بناء القومية اليهودية عبر كتابه «تاريخ إسرائيل» الذي تحول إلى رواية مهيمنة، وأصبح مهندسا مركزيا لكل دراسات الماضي.
في السنوات الأولى لقيام إسرائيل، أضحى «التناخ» أيقونة مركزية في تصميم «الوطنية المتجددة» وهندستها، وكتابا قوميا مرموقا يدرس في حصص تعليم مستقلة، باعتباره نقطة انطلاق إثنية تخلق القناعة الذاتية بحق التواجد والاستيطان والسيادة على البلاد. نقل «التناخ» من رف الكتب اللاهوتية الى رف الكتب التاريخية، ورقي إلى مرتبة «ميثو تاريخ» لا يجوز الاستئناف عليه لأنه يشكل حقيقة مفروغا منها! وهكذا تحول الكتاب المقدس إلى كتاب دنيوي علماني يقرأه الصغار ليعرفوا من هم آباؤهم القدماء ولينطلقوا به جنودا إلى «حروب الاستيطان والتحرير». لقد رسم البروفيسور أهرون خريطة جغرافية للأماكن التي صالت وجالت فيها الشخصيات المركزية لـ«التناخ»: ترحال إبراهيم، رحلات يعقوب، خروج مصر، انشقاق البحر الأحمر، تسلل الجواسيس إلى أرض كنعان، تقاذف تابوت العهد، وتحركات جيوش داود، طرق تجارة مملكة سليمان، ودمج ذلك مع المكتشفات غير التناخية لتنسج تواصلا كرونولوجيا بصريا مدهشا. وأرغم موظفو الدولة على عبرنة أسمائهم، وأسميت كل مستوطنة جديدة باسم عبري قديم، بهدف محو الاسم العربي المحلي إلى الأبد.
مقابل ذلك، وخلافا للمؤلفين المناصرين الذين اخترعوا وفخموا الهوية الرسمية المشتركة بإعادة نسخ وتدبيج قصص وروايات، فإن ما توصل إليه القسم الأعظم من علماء الآثار وباحثي «التناخ» الجدد، أكد أنه لم تكن هناك على الاطلاق مملكة موحدة وعظيمة. ولم يكن لدى الملك سليمان قصور فخمة وفسيحة ليسكن فيها مع 700 من أزواجه و300 من جواريه. بسبب هؤلاء أخذت الميثات تتآكل وتتداعى وتخلق هوة سحيقة بينها وبين التاريخ الحقيقي. فلم تكن هناك مملكة عظيمة موحدة، وحقيقة الأمر أن الكيان السياسي اليهودي الذي قام في «يهودا» في القرن العاشر قبل الميلاد هو مملكة قبلية، كيان صغير وسلالة سميت آل داود. بل كيانان سياسيان منفصلان ومتنازعان. مكتشفات الآثار وحفريات القدس حول المسجد الأقصى عقب عام 1967 جاءت لتشكك في حقيقة وجود تلك المملكة العظيمة، وأربكت الخيال الماضوي الفخور. كما أن الخروج من مصر (المملكة الفرعونية) التي كانت تسيطر على كامل المنطقة، يطرح سؤالا: كيف تمرد بنو إسرائيل (العبيد) في المملكة وغادروها بالقوة واحتلوا جزءا من المملكة (أرض كنعان) بهذه البساطة. هذا النص اللاهوتي لا يوجد ما يسنده من مكتشفات علم الآثار الحديث.

 

 

اختراع المنفى


«أُجلي الشعب اليهودي عن بلاده بالقوة، حافظ على عهده لها وهو في بلاد مهاجره بأسرها ولم ينقطع عن الصلاة والتعلق بأمل العودة إلى بلاده. وبدافع هذه الصلة التاريخية التقليدية أقدم اليهود في كل عصر على العودة إلى وطنهم القديم والاستيطان فيه». ورد هذا النص في إعلان إقامة دولة إسرائيل. وتشكل ميثة الاقتلاع والنفي في سنة 70 ميلادية عنصرا مهما في رواية أصحاب المشروع الاستيطاني. فالرومان لم يقوموا قط بنفي السكان الخاضعين لهم، وكذلك الاشوريين والبابليون، لأسباب عملية واقتصادية. الاقتلاع اقتصر على نخب المحاربين والأمراء. لا يوجد في التوثيق الروماني الغني ولو إشارة واحدة إلى حدوث أية عملية نفي من أرض «يهودا» كما يقول ساند. كما أن تحول البلاد بكاملها إلى الدمار والخراب مبالغة. النفي الوحيد الذي حدث هو نفي النخب اليهودية إلى بابل التي استقرت فيها جالية يهودية لم تسع قط نحو العودة إلى الديار المقدسة، شأنها شأن اليهود الذين لم يسعوا في كل أجيالهم للعودة والتشبث بوطنهم القديم. ويمكن التدليل على ذلك بهجرة اليهود الذين تعرضوا لمذابح في أوروبا الشرقية إلى الغرب وليس إلى أرض الميعاد. وثمة حقيقة معروفة مفادها أن طوائف وجاليات يهودية عاشت قبل وقت طويل من خراب الهيكل خارج «أرض يهودا». كان منشأ الجاليات اليهودية التي أخذت تتعاظم في آسيا وشمال افريقيا وحول حوض المتوسط من غير هجرات قسرية. ووجدت في مصر مراكز يهودية، وبلغ عدد اليهود فيها مليون نسمة، وظهرت جاليات يهودية في أنطاكيا ودمشق وأثينا وفي سائر انحاء الامبراطورية الرومانية. سبب انتشار اليهودية يعود إلى الفرص الاقتصادية التي ظهرت في بلدان مزدهرة وحركة التهويد التي بلغت ذروتها في القرن الأول للميلاد، والتي جاءت خلافا للاعتقاد القائل بأن اليهودية لم تكن أبدا ديانة تهويدية. إن انتشار اليهودية في العالم القديم يرجع إلى حركة التهود الواسعة مع انهيار العالم الوثني، وإلى اللقاء التاريخي المثير بين اليهودية والثقافة الهيلينية التي حقنت اليهودية بعنصر حيوي من العالمية المناوئة للقبلية، وقد تهودت «مملكة حديب» شمال الهلال الخصيب في القرن الأول للميلاد، غير أن الانتصار النهائي للمسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي كبح التهويد وتم الدخول في عملية العد العكسي اليهودي في مراكز الثقافة الرئيسية. وساهم «تمرد باركوخفا» اليهودي أيضا في تقلص اليهودية. وفي الوقت نفسه، تعاظمت عملية تنصر أجزاء واسعة من البلاد تنصرا قسريا.
في تصور لافت، أقحم «باعر» و«دينور» المنفى اليهودي إلى القرن السابع الميلادي، أي إلى فترة الفتح الإسلامي. خلافا لذلك فإن العرب- كما يقول ساند- لم يطردوا السكان الزراعيين بل قاموا بطرد الحكام البيزنطيين واهتموا بنشر الإسلام. وقد اعتنق الفلاحون اليهود الإسلام، وتشهد على ذلك الآثار المتبقية في اللغة وأسماء الأماكن والمهرجانات الشعبية. إن النفي المزعوم في القرن السابع استخدم كبديل من الرواية الدينية حول الاقتلاع، ولتوفير الشرعية الأخلاقية لاستيطان الشعب المنفي وإحلاله مكان السكان الأصليين. كان نسيان التهويد القسري والتهويد الطوعي شرطا لحصر اليهودية في عرق فريد منعزل ومنغلق ينتقل من الماضي إلى الحاضر بخفة المخترعين.

 

 

 

 

الزمن اليهودي المفقود


من المنطقي أن يكون أصل معظم اليهود في العالم غير مرتبط نهائيا بإسرائيل القديمة. قبل ظهور الإسلام، استوطن اليهود في تهامة وخيبر ويثرب في الحجاز. وعشية ظهور الإسلام، انتقلت اليهودية إلى القبائل القوية: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد تهودت مملكة حمير التي تخلت عن الوثنية وتبنت اليهودية وحكمت بين 120 - 150 سنة، وفيما بعد اعتنقت الإسلام. وينحدر يهود المغرب في غالبيتهم من البربر. أما يهود اسبانيا، فهم من أصول عربية وبربرية وأوروبية، ومن المحتمل أيضا أن يكون بعضهم من ذراري اليهودائيين. مملكة الخزر كانت العنصر الأهم في المكونات اليهودية واستمرت 200- 400 سنة، وهي ائتلاف من العشائر القوية من أصل تركي وبلغاري ومجري وسلافي امتزجوا مع السكوثيين واعتنقوا اليهودية بعد عصف الأدمغة الثلاثي بين مسلم ومسيحي ويهودي. وقد انهارت مملكة الخزر اثر الغزو المنغولي بقيادة جنكيز خان مطلع القرن الـ13، فاتجه الخزر إلى أكرانيا وبولندا وليتوانيا وبقي الخزر القاطنون في جبال القوقاز. ويمكن القول إن الغالبية العظمى من يهود شرق أوروبا كانت من مناطق سيطرة الامبراطورية الخزرية. الغريب في الأمر انه لم يصدر باللغة العبرية كتاب تاريخي واحد عن الخزر منذ العام 1951 وحتى 1997. كانت الأكاديمية الإسرائيلية صماء تجاه الخزر. والسبب هو الجزع العميق من المس بشرعية المشروع الصهيوني في حالة معرفة أن الجمهور اليهودي المستوطن ليس وريثا مباشرا لبني إسرائيل، والخوف من امتداد هذه اللاشرعية لتقوض بصورة تامة حق دولة إسرائيل؛ الدولة التي لولا وجود «التناخ» في يدها ونفي «الشعب اليهودي» في ذاكرتها، لما وجدت أي مسوغ لضم القدس العربية والتغلغل الاستيطاني في الضفة الغربية.

 

 

 

 

تناقضات الدولة


أدت العلمنة في أوروبا إلى إطلاق عملية ذوبان يهودي في الأطر الاقتصادية والسياسية والثقافية، وانحاز معظم اليهود لقوميات بلدانهم. ففي الحرب العالمية الأولى هبوا للدفاع عن أوطانهم. وفي تلك الآونة، كانت الصهيونية تيارا هزيلا للغاية في صفوف الجاليات اليهودية. وفي بولندا وأكرانيا وروسيا تطورت حضارة يديش علمانية عصرية، لكن مذابح ثمانينيات القرن 19 ذات الملامح القومية زعزعت ملايين اليهود وحفزتهم على الهجرة إلى الغرب وأميركا، لكن 3% فقط هاجروا إلى فلسطين العثمانية. وقد ازدهرت اللا سامية المترافقة مع صعود الايديولوجيات الاثنية البيولوجية والاثنية الدينية في اوروبا، وساهمت في وقوع واحدة من أبشع جرائم الابادة الجماعية. وكفت اليهودية في نظر القومية اليهودية عن كونها عقيدة غنية ومتنوعة، لتحول اليهود إلى «شعب مغلق» لا ينتمي إطلاقا للأوطان التي يقيم اليهود فيها.
وبهذا المعنى شكلت الصهيونية الصورة السلبية المقلوبة لكراهية اليهود، وتبنت الوجه الأكثر انعزالية واستعلاء في التراث الديني اليهودي. وفي هذا السياق، أضحت فلسطين الوطن القومي لكل يهود العالم، وتأسست دولة إسرائيل من أجل «الشعب اليهودي». غير أن القسم الأكبر من اليهود رفض وما زال يرفض تجسيد «حقه» في تقرير المصير فيها. وأصبح عدد المغادرين لإسرائيل يفوق عدد القادمين. وبقي اليهود في أنحاء العالم لا يتحدثون ولا يقرأون ولا يكتبون اللغة العبرية. ولم تكن هناك قط ثقافة يهودية مشتركة لكل يهود العالم. وفي إسرائيل يتم الجمع بين الأسس والعناصر الدينية والعصرنة «الليبرالية والاثنية»، وشيئا فشيئا يصعب الفصل بينهما، بل ترجح الكفة للعناصر الدينية، فاليهودي هو من يولد لأم يهودية. وهناك أكثر من 300 ألف إسرائيلي لم يسجلوا كيهود. وفقا لذلك، يجوز وصف إسرائيل بإثنوقراطيا يهودية ذات ملامح ليبرالية.
وقد أضعف استمرار الاحتلال والتوسع الكولونيالي الاستيطاني منذ العام 1967 تبلور الوعي المدني الإسرائيلي وعزز من العنصرية ضد المواطنين الفلسطينيين، الذين يحرمون من حقوق الملكية العقارية، ومن حق العودة. والحزب الذي يرفض قانون «إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية» لن يتمكن من خوض الانتخابات. ويقابل مطلب دولة ثنائية القومية برفض مطلق. والملفت هو سياسة التعامي عن وضعية السيطرة والطبيعة الكولونيالية لإسرائيل في الخطاب الإسرائيلي والعالمي والعربي، والفلسطيني أيضا. وهذا يخدم الادعاءات الايديولوجية بالعودة إلى أرض الميعاد.
أخيرا، فلسفة شلومو ساند التي وردت في المقدمة تقول: «الطفل الذي يولد جراء عملية اغتصاب له الحق في العيش. لكن من الواجب منعه بكل الطرق من تتبع خطى والده. وعليه تعلم تاريخ ظروف ولادته وإصلاح الأضرار التي حدثت للعالم جراء قدومه».

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في رام الله.