| 

يمكن القول إن النشاط المناهض للصهيونية الذي قامت به جماعات أو أفراد بعد إقامة إسرائيل سنة 1948 في أوساط المجتمع اليهودي تمحور حول «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» (راكاح) الذي كان سليل الحزب الشيوعي الفلسطيني وعصبة التحرّر الوطني قبل النكبة. وتأثر هذا النشاط أكثر من أي شيء آخر بمواقف الحزب الأيديولوجية التي كانت بدورها متأثرة إلى درجة شبه مطلقة بمواقف الاتحاد السوفياتي. ووفقاً لما يقوله أحد قادة هذا الحزب عصام مخول، والذي يأخذ في الآونة الأخيرة أكثر فأكثر دور «المنظّر» المناوب له، فقد عرضت كل من الإمبريالية البريطانية والحركة الصهيونية الصراع في فلسطين على أنه صراع بين اليهود والعرب، بينما عرضه الشيوعيون على أنه صراع مع الإمبريالية وعميلتها الصهيونية، وأن القضية الفلسطينية هي معركة تحرر وطني، وأنه في سبيل منع تحرّر فلسطين لجأت الإمبريالية البريطانية إلى «سياسة فرّق تسد»، وجندت عملاءها في قيادة الحركة الصهيونية وفي قيادة الحركة الوطنية العربية لخدمة أهدافها، وفجرت من خلالهم الاحتراب الدموي بين اليهود والعرب كي تثبّت وجودها وتحوّل الامبريالية من المشكلة إلى الحل، ومن المستعمر (بكسر الميم)، إلى المخرج من الأزمة والطرف «الضروري» لوقف الصدام القومي. وكانت الإمبريالية تهدف إلى عرقلة استقلال البلاد وتحررها من هيمنتها بشكل منهجي. وبرأيه، فإن المفهوم الأممي العمالي للنضال العربي - اليهودي المشترك الذي صاغه الشيوعيون في مواجهة الإمبريالية والصهيونية هو الرد على هذه السياسة، وهو الجواب على هذه المفاهيم المضللة وهو نقيضها الكفاحي.
يشير مخول إلى أن رفيقه في الحزب المؤرخ إميل توما يضيف بعدا إضافيا حين يلفت إلى أن «الحزب الشيوعي الفلسطيني» الذي كان يقوم على العضوية اليهودية بالأساس في حينه، دعا انطلاقا من مبادئه الثورية الأممية، إلى النضال ضد الإمبريالية والصهيونية، وأيد النضال القومي العربي بقدر انصباب هذا النضال ضد الإمبريالية البريطانية، وبمدى ما تقف حركتُهُ الوطنيةُ في مواجهة مع الإمبريالية، وبقدر ما تعادي برامجها وتناضل ضد الانتداب البريطاني... ودعا الجماهير اليهودية إلى تأييد هذا الكفاح باعتباره يعبر عن مصالحها الحقيقية». ويعتبر الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وفقاً لما يؤكده وولف إيرليخ، أحد مفكري الحزب، أن نشاط الصهيونية يشكل جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجيا العالمية للامبريالية. وبموجب منظوره، قد تكون للصهيونية مصالحها الخاصة والمنفصلة عن المشروع الإمبريالي، لكنها غير قادرة على تحقيق مشروعها إلا في إطار وفي سياق المشروع الإمبريالي في المنطقة وكجزء منه. ويؤكد إيرليخ انه منذ «وعد بلفور» تحوّل الاستيطان الصهيوني في فلسطين إلى أداة أساسية في يد سلطات الانتداب البريطاني في صراعها مع حركة تحرر الشعب الفلسطيني، وأداة لإثارة الكراهية والأحقاد القومية ولتنفيذ سياسة التفرقة، وبذلك يكون الحكم البريطاني قد استغل لأهدافه كلا من الرجعية اليهودية والرجعية العربية، وإن كان سنده وعميله الأساسي هو الرجعية الصهيونية التي قادت التجمع الاستيطاني في فلسطين.
في آخر إجمال لموقف الحزب الشيوعي إزاء الصهيونية القائم على أساس مناهضتها جملة وتفصيلاً، يرى مخول في مقالة جديدة له أن الحركة الصهيونية «استولت تاريخيا واستحوذت نهائيا على حق تقرير المصير للشعب اليهودي في فلسطين، وعملت على فرض تماهٍ بين الصهيونية وبين هذا الحق. وهي في الوقت نفسه احتجزت حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وتستميت في مصادرته نهائيا. وأصبح اليوم واضحا، بما في ذلك لقطاعات لا يستهان بها من الإسرائيليين، أن تحرير حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني من القبضة الصهيونية يشكل الأساس والمقدمة الأولى لتحرير مصير الشعب اليهودي في إسرائيل نفسه من القبضة الأيديولوجية والسياسية الصهيونية الخانقة». وهو يضيف: إن الحزب الشيوعي، يقف بجدارة ضد الأيديولوجية والممارسة الصهيونية، واستنادا إلى ذلك تحرض القيادة الصهيونية الجماهير اليهودية على الحزب، لأنها تريد أن تقول إن الصهيونية تعني الوطنية، وتعني الاهتمام بالشعب اليهودي، والاهتمام بالعاملين اليهود. بينما يقول الحزب الشيوعي العكس تماما. «فالسياسة الصهيونية الحاكمة تهدّد بالخطر الشعب اليهودي هنا، وليس فقط الشعب العربي الفلسطيني. ومن شأنها أن تجلب الكارثة علينا جميعا، على اليهود وعلى العرب، لأنها تمنع السلام والأمن وتمس بالعاملين اليهود وليس فقط بالعاملين العرب». و«في نهاية الأمر فإن الذي يقرر هو القاعدة الأيديولوجية والنهج الطبقي، وهنا توجد أهمية كبرى لنقطة الانطلاق. فالشيوعيون هم أكثر المدافعين عن المصالح القومية للشعوب. لكن نقطة انطلاقنا هي أممية، طبقية. ولذا فإننا نرى جميع أبناء الطبقة العاملة، وكل التقدميين أبناء كل الشعوب إخوة لنا، بينما نرى في المستغلين والمضطهدين (بكسر الغين والهاء) أعداءنا» (نقلاً عن تقرير مئير فلنر، الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي الإسرائيلي المقدّم إلى المؤتمر التاسع عشر).
تسبب تأثر مواقف الحزب الشيوعي الإسرائيلي بمواقف الاتحاد السوفياتي في تأسيس «المنظمة الاشتراكية في إسرائيل» في سنة 1962، من جانب أربعة أشخاص تم فصلهم من الحزب بسبب توجيه انتقادات حادة إلى تلك المواقف. وقد عرفت لاحقاً باسم صحيفتها «ماتسبين» وهو المرادف العبري لكلمة «بوصلة». وكانت منظمة راديكالية اعتبرت الصهيونية مشروعا كولونياليا، كما أنها سعت وناضلت في سبيل حياة مشتركة للعرب واليهود على أساس المساواة الكاملة بينهما. وأيدّت «ماتسبين» الحقوق القومية والإنسانية للفلسطينيين ونادت بحل جميع المشاكل الإقليمية سواء كانت قومية أم اجتماعية وذلك عن طريق النضال من أجل إسقاط جميع الأنظمة في المنطقة وإقامة مشرق عربي موحّد واشتراكي. واعتبرت أن الأنظمة القمعية البيروقراطية في الاتحاد السوفياتي وبقية دول المعسكر الشرقي إلى جانب الأنظمة الرأسمالية تشكل عدوا للثورة الاشتراكية.
ويضيق المجال لعرض جميع المبادئ الأساسية لهذه المنظمة، ومع ذلك لا بُد من التنويه بالمبادئ التالية كما وردت في البيان التأسيسي:
1 - إن حقل النشاط الرئيسي لـ«ماتسبين» هو النضال ضد النظام القائم في إسرائيل، وهذا النضال يعبر عن المصلحة التاريخية للطبقة العاملة وبقية العاملين والمستغلين في إسرائيل؛
2 - إن مبادئنا الاشتراكية تضعنا في موقف متعارض غير متهادن مع الصهيونية. ونعتبر الصهيونية مشروعا استيطانيا كولونياليا يجري تنفيذه على حساب الجماهير العربية (وفي طليعتها الشعب العربي الفلسطيني) تحت رعاية الاستعمار وبالشراكة معه، كما أن الصهيونية تتنافى ومصالح جماهير العاملين المستغَلة في إسرائيل بوضعها هذه الجماهير في تناقض تاريخي مع جماهير المشرق العربي بأسره. إن دولة إسرائيل في شكلها الراهن الصهيوني ليست وليدة المشروع الصهيوني فحسب، وإنما أيضاً أداة لمواصلته وتوسيعه. وتؤيد «ماتسبين» تأييدا تضامنيا نضال أبناء الشعب العربي الفلسطيني ضد اضطهادهم وسلب حقوقهم الإنسانية والقومية على أيدي الصهيونية؛
3 - إن حل القضايا القومية والاجتماعية للمنطقة (بما فيها القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي) يمكن أن يتأتى فقط عن طريق ثورة اشتراكية للمنطقة تسقط كل الأنظمة القائمة فيها وتقيم بدلا منها وحدة سياسية للمنطقة تحت حكم العاملين. في هذا الشرق العربي الموحد والمحرر يُمنح حق تقرير المصير (بما في ذلك حق إقامة دولة منفصلة) لكل قومية غير عربية تعيش في المنطقة بما فيها الأمة اليهودية الإسرائيلية. كجزء من النضال من أجل هذه الثورة تقوم «ماتسبين» بالنضال من أجل إسقاط النظام الصهيوني وإلغاء كل المؤسسات والقوانين واللوائح والتقاليد التي يرتكز عليها، وتتطلع «ماتسبين» إلى حياة مشتركة بين العرب واليهود تقوم على المساواة التامة، والى اندماج شعبَي البلاد - أي الشعب اليهودي الإسرائيلي والشعب العربي الفلسطيني - في وحدة اشتراكية للمنطقة على أساس حرية الخيار. وتعمل على تطوير الوعي الأممي لدى أبناء الشعبين كي يصبح هذا الاندماج ممكنا؛
4 - بناء على هذه الأهداف، فإن «ماتسبين» تؤيد بلورة استراتيجيا مشتركة وتوحيد نشاط كل القوى الاشتراكية الثورية في المنطقة.
يرى عدد من الباحثين أن «ماتسبين» ولدت مرتين: الأولى، لدى تأسيسها في سنة 1962؛ والثانية، عقب حرب حزيران/ يونيو 1967 حيث جذبت كثيراً من الشباب الإسرائيليين الذين صدموا باحتلال المناطق العربية بعد تلك الحرب. كما أنها جذبت الكثير من أبناء الشبيبة اليهودية في الخارج الذين كانوا متأثرين بثورة الطلبة في 1968 والأفكار اليوتوبية لليسار الجديد. وعملياً انتهى نشاط حركة «ماتسبين» في سنة 1972 بالتزامن مع إعلان جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) الكشف عن أعضاء شبكة يهودية - عربية لأعمال التخريب والتجسس بينهم شابان يهوديان من العناصر اليسارية المتطرفة ومن ذوي العقائد الشيوعية الموالية للصين اللذين سبق لهما أن عملا في إطار هذه الحركة. وبحسب ما ورد على موقع جهاز «الشاباك» الإلكتروني، فإن «ما يميز هذه القضية عن غيرها - عدا إنشاء أول تنظيم تجسسي عقائدي عربي يهودي مشترك في إسرائيل - يتعلق بنشوء تنظيم سري للمدى البعيد يهدف إلى القيام بدور الطابور الخامس من خلال الإقدام على عمليات تخريبية في مواقع إستراتيجية في أوقات الطوارئ وبالتنسيق مع العدو. كما تميزت الشبكة بحجمها اللافت للنظر وبفترة عملها الطويلة». ومع ذلك، فإن كثيرين من ناشطي «ماتسبين» ما زال لهم حضور في الحلبتين السياسية والفكرية في إسرائيل، وفي مقدمهم ميخائيل فارشافسكي (ميكادو) الذي أشار في مقالة جديدة له إلى أن حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني مرهون بتفكيك الكولونيالية الإسرائيلية. وهو يرى أن هدف الحركة الوطنية الفلسطينية هو تفكيك بنى الهيمنة الكولونيالية على الإنسان والأرض، وهدف الشريك الإسرائيلي لهذه الحركة أصعب بكثير: تفكيك بناه الكولونيالية هو نفسه. ولا يدور الحديث فقط عن وقف العنف الكولونيالي واستخدام القوة من أجل السيطرة على البلاد وفرض السيادة على السكان الأصليين، وإنما يدور الحديث عن ثورة ذاتية من المفروض أن تغيّره تغييرًا كاملاً. كما أن تفكيك بنى الكولونيالية الإسرائيلية يعني من وجهة نظره التي تعبّر عن أفكار «ماتسبين» ما يلي: قبول عروبة محيطنا، والتوجّه من الغرب إلى الشرق، والاعتراف بأن عرب فلسطين هم أصحاب البيت، والاعتراف بمكانتنا كغزاة عنيفين. وهو يشدّد على أن تفكيك بنى الكولونيالية الإسرائيلية يتطلب درسا صعبا في التواضع، ويستطيع بصفته إسرائيليا أن يشهد أن هذا الأمر هو الأصعب تنفيذه، لكن لا يمكن أن تكون هناك شراكة كفاح حقيقية من دون هذا التغيير، ناهيك عن التعايش الفلسطيني - الإسرائيلي، بغضّ النظر عن مكان الحدود.