| 

سيِّد من سادة المنابر، وأمير في فن البلاغة وضروب الفصاحة، وخطيب بارع نهل من أدب الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن حزم وخليل السكاكيني، حتى انه سمّى ابنه البكر «سري» تشبهاً بـ«أبي سري» أي خليل السكاكيني. وهو فوق ذلك كله تاريخ ناطق، وذاكرة تمشي، وسجل نابض بالوقائع.
كان علامة وضاءة بين المفكرين المناضلين أمثال شكيب أرسلان وعبد العزيز الثعالبي ومحمد عزة دروزة ومحمد علي الطاهر وجمال الدين الأفغاني وغيرهم، وكثيراً ما كان يوقع مقالاته باسم «ابن البادية» أو «ابن الصحراء» مع انه ابن مدينة، تأكيداً لعروبته وجذوره العربية الخالصة. إنه رجل نادر المثال، فقد التحمت حياته بمبادئه التحاماً عضوياً، فأخصبت نضالاً وعطاء في جميع الميادين.

******

شهد زلزال نابلس في 12/7/1927، وشهد قبل ذلك وبعده زلازل كثيرة منها موت والده في سنة 1924. وعاش الجميع بعد وفاة الوالد على بيع ما تركه لهم من أراضٍ هنا وهناك. ولهذا السبب لم يتمكن من إكمال دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، واضطر شقيقه عادل الذي كان يستعد لنيل الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس إلى قطع دراسته فيها. ومع ذلك، قلما عرفت فلسطين شاباً مفعماً بالحماسة مثل أكرم زعيتر، فكان يناضل في جبهات كثيرة؛ في الصحافة والتظاهرات والجمعيات والأحزاب والوفود حتى لتحسبه واحداً في أمكنة شتى. وكان له شأن في تأسيس «جمعية الشبان المسلمين» في أيلول 1928، وهذه الجمعية لا علاقة لها بجمعية الاخوان المسلمين، بل انبثقت من مؤتمر الأندية الإسلامية الذي عقد في يافا في نيسان 1928، وكان من أركان هذه الجمعية محمد عزة دروزة وعارف البديري وراضي عبد الهادي ونهاد القاسم وراغب الإمام وهاني أبو مصلح وأحمد سامح الخالدي وعجاج نويهض ومحمد علي الجعبري. وكذلك كان أحد مؤسسي حزب الاستقلال العربي في سنة 1932 إلى جانب عوني عبد الهادي ورشيد الحاج ابراهيم ومعين الماضي ومحمد عزة دروزة وصبحي الخضراء وسليم سلامة وفهمي العبوشي وعجاج نويهض وحمدي الحسيني وممدوح السخن وعز الدين القسام.
شارك أكرم زعيتر في معظم المؤتمرات الوطنية والقومية في المشرق العربي، ولا سيما في سوريا، وكان يعتبر نفسه، مثل معظم أبناء جيله، سورياً، وأن فلسطين العربية هي سوريا الجنوبية. وبهذه الرؤية حضر المؤتمر التأسيسي لعصبة العمل القومي في سنة 1933، فنزل في فندق خوّام في دمشق (الشر ق في ما بعد)، وزاره فور وصوله شكري القوتلي الذي كان تعرف إليه في مزرعة اشتراها القوتلي في بيسان لإنقاذها من الوكالة اليهودية. وفي اليوم التالي، بينما كان يستعد مع واصف كمال للسفر إلى لبنان لحضور المؤتمر جاءه من أعطاه رسالة مقفلة، وطلب منه عدم فتحها قبل الوصول إلى بلدة صوفر. وما إن أقبل على صوفر حتى فتح الرسالة، فإذا هي خريطة تدل على مكان عقد المؤتمر في بلدة قرنايل اللبنانية. وفي ختام المؤتمر كان الوحيد الذي قبلت عصبة العمل القومي عضويته فيها على الرغم من انتسابه إلى حزب الاستقلال العربي. وفضلاً عن ذلك، كان أكرم زعيتر واحداً من مؤسسي «الجوال القومي» في العراق في سنة 1935 مع درويش المقدادي ومتى عقراوي وصائب شوكة وأمين رويحة، وكان أيضاً أحد مؤسسي «نادي المثنى بن حارثة الشيباني» في بغداد.

******

لمع اسم أكرم زعيتر في التظاهرات التي اندلعت في المناطق الفلسطينية سنة 1931 بعد إعدام الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير. وراح يناضل ضد بيع أراضي وادي الحوارث التي باعتها عائلة تيان اللبنانية من الوكالة اليهودية. وفي سياق نضاله القومي ربطته صداقات وثيقة بعبد الرزاق الدندشي ونجيب الريس وأديب خير وعرفان الجلاد وأبي الهدى اليافي وأحمد الشراباتي وشكري القوتلي وخير الدين الزركلي وكامل القصاب وبدوي الجبل وعبد الكريم العائدي وياسين الهاشمي والأخطل الصغير وعز الدين القسام. وكان في عداد الوفد الذي استقبل جثمان الملك فيصل الأول حين وصوله إلى حيفا في 14/9/1933، وشارك في تأبينه في مقهى لونا بارك في دمشق في 17/10/1933، ومثّل حزب الاستقلال في التأبين الذي أقيم في بغداد في 24/10/1933. وبعد حفل التأبين قرر البقاء في العراق فعمل مدرساً في مدارسه، وواجه الهجوم تلو الهجوم ممن كانوا يعتبرونه دخيلاً على العراق، وعانى مع درويش المقدادي وعادل أرسلان ورستم حيدر وفريد زين الدين «شعوبية» بعض العراقيين أمثال مزاحم الباجه جي، فعاد إلى نابلس في 4/7/1934، وأرسل استقالته من نابلس.

******

في أثناء ثورة 1936 تولى أمانة سر اللجنة الوطنية في نابلس، فاعتقل في سجن عوجا الحفير ثم في معتقل الصرفند، فكان أول من اعتقل وآخر من أفرج عنه، فلجأ إلى دمشق معقل الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك، وحضر مؤتمر بلودان، ثم انتقل إلى العراق بعد مضايقة السلطات الفرنسية له، وبقي في بغداد حتى سنة 1941، فشارك في حركة رشيد عالي الكيلاني إلى جانب واصف كمال وممدوح السخن وكاظم الصلح والحاج أمين الحسيني، واضطر إلى مغادرة بغداد غداة فشل حركة الكيلاني إلى سوريا، ثم إلى اسطنبول، وتشرد في المنافي كثيراً، حتى إذا نالت سوريا استقلالها في سنة 1946 عاد إليها فوراً، وعين مستشاراً لوفدها لدى جامعة الدول العربية.
حين وقع الانفصال في سنة 1961 وفرطت الوحدة السورية ـ المصرية أصيب بخيبة كبيرة، ومال إلى التعامل مع الأمر الواقع في الأردن، فعين سفيراً في الأمم المتحدة سنة 1962، ثم سفيراً في سوريا سنة 1963، فوزيراً للخارجية سنة 1966. وكان من نصيبه أن يصبح سفيراً في لبنان بين 1971 و1975.

******

أكرم زعيتر من «جبل النار»، وهو اسم مدينته نابلس، أو «دمشق الصغرى» كما هي حقاً في التاريخ. وقد تعرض للنيران الحارقة مرتين: الأولى في فندق شيبرد في القاهرة، والثانية في منزله بالقرب من الأونيسكو في بيروت إبان الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982. وقد احترقت مكتبته التي كثيراً ما كان يقول عنها: «واحتي في بيداء الحياة». غير ان المصادفة انقذت الرسائل التي بعث بها إليه الملك فيصل الأول وشكيب أرسلان وساطع الحصري وفوزي القاوقجي وجمال عبد الناصر وسلطان الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر وعوني عبد الهادي وغيرهم. وهذه الرسائل ما برحت قابعة في مغلفاتها، فمن يفك الحلكة عنها وينشرها على الناس كما كان يفعل أكرم زعيتر خلال حياته؟