| 

يصل التشابه بين الحالة الفلسطينيّة عامّة، والحالة الفلسطينيّة في الداخل، إلى درجة من التطابق التاريخيّ المثير. ثمّة ثلاث مسائل تعصف بالحركة الوطنيّة الفلسطينيّة: الانقسام السياسيّ الذي عزّزته الجغرافيا على نحوٍ يفوق ما فعلته الأيديولوجيا (قطاع غزّة والضفّة الغربيّة)، وغياب برنامج وطنيّ مشترك (ولا أقول «مشترك» ابتغاءَ نفي التعدّد، بل للتأكيد أن مرحلة التحرّر الوطنيّ تنطوي على برنامج مشترك يُبنى على التعدّد)، وغياب البرنامج الوطنيّ المشترك يعني غيابَ استراتيجيّة نضال مشتركة في حدّها الأدنى، والأهمّ من ذلك، غياب رؤية وطنيّة جامعة (لا مشتركة بالضرورة). وأخيرًا هنالك حالة العطب التي تعصف، منذ أكثر من عقدين، بالمؤسّسة الوطنيّة التي احتضنت الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وقادت نضالها، وهي منظمة التحرير الفلسطينيّة.
أمّا في الواقع الفلسطينيّ داخل الخط الأخضر، فحالة الانقسام والتمزّق في العمل الجماعيّ وصلت إلى ذروتها في السنوات الأخيرة، وليس هنا المجال لسرد مؤشّرات موضوعيّة لهذا التشرذم البعيد عن مفهوم الاختلاف السياسيّ. وهنالك غياب لبرنامج وطنيّ سياسيّ جماعيّ واضح للجماهير الفلسطينيّة لا ينفي التعدّد، وغياب هذا البرنامج ليس نابعًا من رؤى مختلفة لأدوات العمل السياسيّ فحسب، وإنّما للاختلاف الجوهريّ على مستقبل المجموعة الفلسطينيّة والرؤى المتباينة للواقع الذي تعيش فيه (العلاقة مع الدولة، المواطَنة، حضور وغياب الدولة، الهُويّة وغيرها). وأخيرًا حالة العطب التي تعصف بالمؤسّسة الوطنيّة المَنوط بها إدارة الحوار السياسيّ حول هذه الرؤى والأدوات، وتعديل حالة التمزّق بإبقائه في إطار الخلاف المشروع، أي لجنة المتابعة العليا للجماهير العربيّة.

القطيعة مع المحيط

عاش الفلسطينيون في إسرائيل بُعيد النكبة في قطيعة مع المحيط العربي والشعب الفلسطيني. قطعت النكبة الصيرورة المدنية التي كانت في فلسطين في الحواضر الفلسطينية، وكان المجتمع الفلسطيني الذي بقي داخل الخط الأخضر هامش هذه الحواضر، مجتمعاً قروياً وريفياً يفتقر إلى نخب مدينية حقيقية، وبقيت بقايا نخب سياسية وثقافية مقطوعة عن محيطها الثقافي والسياسي داخل فلسطين من جهة، وعن محيطها العربي الواسع من جهة أخرى. مع قيام دولة إسرائيل وتحديد الخط الأخضر إثر الحرب، تحولت الأغلبية الفلسطينية في فلسطين إلى أقلية في وطنها. وعولجت مكانة الأقلية العربية في الدولة اليهودية منذ قيامها وحتى اليوم بمستويات عدة. اتخذت إسرائيل وعلى مدى سنوات عديدة خطوات للسيطرة والرقابة عليهم، انطلاقاً من تخوفاتها الأمنية، ولم تضمهم إلى إطار «الأمة» لكونهم ليسوا يهود.
الفلسطينيون في إسرائيل غائبون (أو مغيّبون) عن الوعي والإدراك عند غالبية المجموعات المحيطة بهم كما البعيدة عنهم. وينبع هذا الأمر من الوضعية الخاصة بهم، إذ يعيشون في دولة فُرضت عليهم ولا تمثلهم. ويظهر مثال صارخ لنظرة المجموعة اليهودية المسيطرة على الفلسطينيين في إسرائيل، في المفاضلة بين «بيت» و«بيت قومي» التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريئيل شارون بين «حقوق على البلاد» (وهي يهوديّة) وبين «حقوق في البلاد» وهي «للقاطنين فيها». كما تذكر بمفاضلة رئيس المحكمة العليا أهرون باراك، عندما قال: هذا البيت يهوديّ، تمنح مفاتيحه لليهود من خلال قانون العودة، لكن كلّ من يعيش داخل البيت يستحق حقوقًا متساوية.
شكل إعلان المبادئ الموقعة بين الفلسطينيين وإسرائيل (اتفاق أوسلو) والاعتراف بمنظمة التحرير ومفاوضتها، نقطة انطلاق وبداية لمسار يفترض أن يؤدي إلى حل ما القضية الفلسطينية. وبقيت في هذا المسار حلقة ناقصة وهي قضية مكانة العرب، أي الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل ووضعيتهم السياسية. وتعتبر دوائر السلطة الإسرائيلية هذا الموضوع قضية داخلية وعليه فهي لا تفاوض حولها أياً من الأطراف. كما أن منظمة التحرير الفلسطينية بدورها لا تطرح هذا الموضوع على جدول المفاوضات مع الإسرائيليين. من هنا نشأ وضع غريب نوعاً ما، إذ في حين تبذل الجهود لمحاولة إيجاد حل شامل للقضايا المتعلقة بين إسرائيل والفلسطينيين، بقيت مشكلة الأقلية الفلسطينية في إسرائيل على الهامش وفي الكثير من الأحيان غائبة. إن ازدياد قوة اليمين ووصوله إلى دفة الحكم في إسرائيل وما رافق ذلك من جمود في العملية السياسية صعّد التوتر الكامن في وجود أقلية فلسطينية في دولة إسرائيل وعزز الحاجة إلى الحل، وبرز هذا التوتر بحدة في السنوات الأخيرة، وخصوصاً في الفترة الأخيرة على ضوء نشر وثائق أو نصوص تأسيسية، وأهمها وثيقتا «حيفا» و«التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل»، التي تدعو إلى تغيير جذري في مكانة الفلسطينيين في إسرائيل والى تغيير مبنى النظام وحتى مضامين المواطنة في إسرائيل. فمنذ قطعت النكبة التواصل مع العالم العربي، وبقي الفلسطينيون داخل الخط الأخضر وفرضت عليهم «المواطنة» الإسرائيلية، لم يُسأل الفلسطيني عن موقفه من هذه «المواطنة»، ولكن كانت هذه «المواطنة» ضماناً لبقاء الفلسطيني في أرضه، خصوصاً بعد سن قانون الجنسية الإسرائيلي الذي حاول أن يمنع حق العودة قانونياً، ومن ثم قامت القوات الإسرائيلية بمنعها عنوة عبر قتل آلاف الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى فلسطين بعد وقف إطلاق النار وقتلتهم القوات الإسرائيلية كعقاب رادع للآخرين.

غياب التصور المستقبلي

تنعكس أزمة السياسة العربية داخل إسرائيل في غياب للتصور والرؤية الجماعية للمجموعة الفلسطينية في إسرائيل في شأن ومكانة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وذلك على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على التجربة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل كأقلية قومية في إسرائيل، وبعد مرور ثلاثة عقود على تأسيس لجنة المتابعة. إن غياب الرؤية الجماعية المشتركة لدور وبناء الهيئة السياسية العليا للجماهير الفلسطينية هو مؤشر على غياب التصور الجماعي لسلم أولويات أدوات النضال والأهداف الإستراتيجية للمجموعة الفلسطينية. كما أن غياب الإجماع السياسي حول وجهة لجنة المتابعة وجوهرها، الذي كان من المفروض أن يمثله شكل البناء، يدل على حالة التشرذم السياسي على مستوى الخطاب والسلوك السياسي للمجموعة الفلسطينية في إسرائيل، وعدم القدرة على ممارسة التعددية السياسية الحديثة.
لا تتجاوز لجنة المتابعة منذ قيامها حالة كونها لجنة تنسيق بين الحركات والأحزاب السياسيّة العربيّة البرلمانيّة وتلك التي خارج البرلمان، ومركّبات أخرى. ويشكّل الإجماع والتوافق بين مركّبات اللجنة الأساسَ التنظيميَّ في عمليّة اتّخاذ القرارات داخل اللجنة. الإجماع هو سرّ تماسك اللجنة ببنْيتها الحاليّة، وبغير ذلك معرّضة هي للتفكّك أو ـ في أقلّ تقدير ـ للشلل السياسيّ والتنظيميّ. وعلى الرغم من نجاح اللجنة في اتّخاذ القرارات بالإجماع أو التوافق، فإنّ مسألة غياب الآليّة التنظيميّة الواضحة لتنفيذ هذه القرارات تبقى إشكالاً آخرَ في عمل اللجنة. يضاف إلى ذلك عدم وضوح العلاقة التنظيميّة بينها وبين المواطن الفلسطينيّ.
يتعلق مستقبل الفلسطينيين في إسرائيل بداية في قدرتهم على وضع مشاكلهم، ومكانتهم وسؤال مستقبلهم في مركز الأحداث السياسية، كمجموعة لها مشروعها الوطني، وأيضا الاستفادة من تجارب المجموعات القومية الأخرى، إذ أنه يجب أن يتم توضيح مشروعهم المستقبلي وملامحه الأساسية. وفي مثل هذه الوضعية الخانقة، وسياسات العزل والاحتواء، ومبدأ العصا والجزرة التي تمارسها الدولة ضد أبناء الأقلية العربية، لا يمكن تجاهل أنماط العمل السياسي، والأهلي، المعمول بها لدى المجتمع العربي في إسرائيل. فعلى الرغم من النمو المستمر في عدد المؤسسات الأهلية الفاعلية، وتطوير العمل المهني، إلا أنها لم ترقَ بعدُ لبناء مجتمع مدني يتحدى النظام المهيمن في الدولة، ولم تبلور برنامج عمل واضح ومتفق علية لكي يطرح كبديل للوضعية القائمة، ويعود هذا، فيما يعود، للتشرذم القائم، والتنافس والضعف المالي لهذه الجمعيات، بالإضافة إلى السياسات والمضايقات الحكومية.

الفلسطينيون مجموعة قومية

وبالطبع فإن للتيارات السياسية والأحزاب الفاعلة في المجتمع العربي، مسؤولية أيضا عن غياب المقدرة على استنباط آليات عمل ونضال من شأنها أن تغير هذا الواقع. السياسة ليست هدفا بحد ذاته، وعلى العمل السياسي أن يكون أداة من اجل تدعيم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقومية للمجموعة التي يتم العمل باسمها، ووجود شريحة من الناشطين (قياديين) ليس هدفا بحد ذاته، ويجب أن يقاس طبقا لقدرة هذه المجموعة على تدعيم ودفع مصالح المجموعة التي تمثلها وتعمل من أجلها إلى الأمام. وهذا الأمر صحيح بالنسبة للأقلية الفلسطينية في الداخل، اذ يجب على السياسة أن تكون أداة من اجل المضي قدما بمصالح الأقلية، من خلال العمل المباشر للتأثير السياسي أو من خلال الضغط الجماهيري الذي يتم التعبير عنه من خلال: الخطوات الاحتجاجية للأقلية، تجنيد الدعم في صفوف الأغلبية، تجنيد الدعم الدولي، بما في ذلك استعمال المواثيق الدولية التي تحمي حقوق الأقليات بشكل خاص وحقوق الإنسان بشكل عام.
إذا أخذنا في الاعتبار المحددات التـــــي تحكـــــم إمكانيات التغيير في المجتمعات المنقسمة ومراحل هذا التغيير، فلا بد من الإشارة إلى أن نجاح نضال الفلسطينيين في إســــــرائيل يتعلق بشرط واحد أساسي وبشرط مكمّل، ولا بديـــــــل من هذين الشرطين وهما: تنظيم الفلسطينيين في إسرائيــــــــــل كمجموعة قومية ذات أهداف موحدة، واستعمال الوسائل المدروسة من اجل تدعيم الأهداف الموضوعة (طبــــــعا من خلال المحافظة على التعددية والنقاش الداخلي المفتوح).
ويــــــعتبر تنظيم الجمهور المهمة الأساسية للقيادة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل، وفقط عندما تنتظم هذه الأقلية بشكل سياسي، وليس فقط على شكل الجمعيات والتنظيمات الطوعية، عندها فقط يمكن البدء بالسير على الدرب الطويل من أجل نجاح النضال والتقدم نحو الواقع الطبيعي لمجموعة أصلية في وطنها.
أما الشرط المكمل لنجاح نضال الفلسطينيين في إسرائيل مقابل مؤسسة الدولة والأغلبية اليهودية، فهو القدرة على إحداث التغييرات الجذرية في بنية المجتمع العربي الداخلية. ونقترح أن يتم الشروع باستعمال مصطلح «الثورة الهادئة» عند حديثنا عن مجموعة من التغييرات الداخلية في مجال المجتمع ومكانة المرأة والاقتصاد والتربية والحكم المحلي والثقافة وغيرها. والمقصود ثورة حقيقية وليس تغييرات طفيفة. ففي هذه المجالات وغيرها ما زال مستوى التنفيذ لا يليق بمجموعة دخلت أعتاب القرن الواحد والعشرين. وهذه التغييرات هي جزء من عملية ومسار التنظيم للأقلية الفلسطينية وشرط أساسي لنجاح المواجهة مع الأغلبية والدولة. فمثلا يصعب تخيل وضع ينجح فيه الفلسطينيون في نضالهم على خلفية الطريقة التي يديرون بها سلطاتهم المحلية، التي تمتاز إضافة للتمييز المؤسساتي، بسوء وفساد الإدارة الواضح في كثير من الأحيان.
وينسحب أداء وإنجازات الفلسطينيين في إسرائيل وإنجازاتهم في إطار الحكم المحلي على بقية مجالات الحياة، من دون استثناء. وما نطرحه هو انه بالإضافة إلى التمييز المؤسساتي هنالك عوامل وأسباب داخلية داخل المجتمع الفلسطيني تعمل على إفشال التغيير والوصول إلى الانجازات، وعلى الفلسطينيين في إسرائيل الكف عن الادعاء بأن المؤسسة وحدها هي التي تفشل التغييرات، وعليهم النظر إلى داخلهم بشجاعة لكي يستطيعوا معالجة العوامل التي تعيق تقدم مجتمعهم.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا وباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ـ مدار.