| 

إذا كان التخطيط الهيكلي أداة من أدوات الهوية وتحقيق التنمية لأي تجمع سكاني في العالم، فهنا يُسجل أن السلطة الوطنية الفلسطينية أخفقت في تحقيق هذين الهدفين في أهم المدن الفلسطينية، وهي القدس، التي باتت أحد عناوين الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. قد يستغرب المرء عندما يعرف أن الأسئلة البدهية البسيطة عن التخطيط في القدس والرؤية الفلسطينية لذلك، لا تجد لها جوابا لدى المسؤولين الفلسطينيين. والأسئلة البسيطة المباشرة اعتبرها بعض المسؤولين «مشاكسة»، وتأتي من باب المناكفة، فعلى سبيل المثال: هل نقوم بتخطيط هيكلي في القدس لتثبيت السكان الفلسطينيين والسيطرة على الحيز العام؟ ويأتي الجواب على شكل لدينا رؤية وخطط..!!
هل يمكن إطلاعنا على هذه الرؤية؟ هنا يسود الصمت كجواب افتراضي، هل هناك خطة خاصة بالقدس؟! الجواب: الرئيس محمود عباس أمر بإعداد خطة استراتيجية للقدس قبل أربع سنوات عمل عليها عشرون خبيرا، والتخطيط كان أهم مكوناتها، وهنا يأتي السؤال اللاحق: هل هذه الخطة قيد التنفيذ؟ والجواب: لا أعرف... لا أعتقد ذلك.
يختصر الوكيل المساعد في وزارة الحكم المحلي للشؤون الهندسية توفيق البديري، كثيراً من الأسئلة عندما يقول: الفكرة هي أن يكون هناك تخطيط جاهز للقدس فيما لو حصل أي حل سياسي مع الاحتلال الإسرائيلي، لكن للأسف ليس لدينا مثل هذا التخطيط. ويضيف: على صعيد التخطيط لم نفعل الكثير، وكل ما تم تقديمه هو دعم إنساني وإغاثي فقط.

قيود «أوسلو»

المهندس المعماري والمختص بتخطيط المدن الدكتور جمال عمرو يرى أن «المُخطط الفلسطيني قد تم تكبيل يديه بموجب اتفاقية أوسلو عام 1993، بحيث لا يستطيع التخطيط في جزأين مهمين على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هما القدس ومناطق (ج) بحسب تصنيف اتفاقية أوسلو لهذه الأراضي». ويُجمع أكثر من خبير على أن الأمر ليس منوطاً بقيود أوسلو الثقيلة على يد مهندس التخطيط الفلسطيني، بل إن الأسوأ هو عدم وجود إرادة سياسية فلسطينية لتغيير هذا الواقع ومحاولة السيطرة على الحيز العام في القدس الذي تقوم دولة الاحتلال بتهويده يوميا بشكل منظم ومخطط. والمفارقة التي ذكرها أحد خبراء التخطيط هي: في حين أن السلطة الفلسطينية تصر على عدم التدخل في القدس الشرقية بسبب «أوسلو»، تصر إسرائيل على التدخل الكامل. ويصف عمرو عدم السماح بالتخطيط في القدس ومناطق «ج» انصياعا لاتفاقية أوسلو بالوضع المعيب، ويقول: الجهة الوحيدة التي تلتزم بشروط أوسلو هي الجانب الفلسطيني، فقد حلّت اللجنة الرباعية نفسها تقريبا، وإسرائيل تحللت من الاتفاق بخطوات عملية على الأرض، والسلطة ما زالت متمسكة به.
عندما احتلت إسرائيل القـــــدس عام 1967 عمـــــلت بمــــوجب التخطيط الهيكلي الذي كانت دولة الأردن قد أعدته للمــــدينة، وعندما أحكمت إسرائيل سيطرتها على المدينة بأكملها بدأت العمل بموجب مخطط معد مسبقا للمدينة قبل احتلالها، وظل هذا المخطط ساري المفعول حتى عام 2000! ويقول البديري: في عام 2000 قامت إسرائيل بعمل مخطط هيكلي للقدس تحت عنوان (2020)، وهو غير مصادق عليه حتى الآن، لكن السلطات الإسرائيلية تتعامل معه كأساس لإصدار التراخيص».

إشكالية تعريف حدود القدس

التقسيم الإسرائيلي الذي تخضع له مدينة القدس ومحيطها يعتبر مربكا لخبراء التخطيط وصناع القرار في السلطة الفلسطينية على حد سواء، ويزيد من تعقيد الأمور. وعلى سبيل المثال، يرى البديري أن «القدس تشمل أكثر من إطار مثل: البلدة القديمة، الأحياء القريبة، والقدس كمحافظة.. وفي حين كان العمل في الإطارين الأول والثاني ضعيفا من قبل المخطط الفلسطيني نتيجة تدخل الاحتلال الإسرائيلي ومنعه لها من العمل، إلا ان هناك ما تم عمله في إطار المحافظة بحسب الإمكانات المتوفرة للسلطة الفلسطينية». ويقول: عملت السلطة على التخطيط في البلدات والقرى المحيطة بالقدس مثل شعفاط، وأبو ديس، والعيزرية، والمناطق المصنفة «ب»، لكن النطاق الأهم للعمل هو داخل أسوار القدس والأحياء المحيطة، والتي لم تسمح إسرائيل لنا بالعمل داخله.
عبر سنوات احتلال القدس تبلور لدى المواطن الفلسطيني نهجان للتعامل مع التخطيط وبلدية الاحتلال الإسرائيلي، الأول نهج يرفض التعامل مع بلدية الاحتلال في القدس، معتبرا إياها غير شرعية، وهناك مؤسسات تبنت هذا النهج. أما النهج الثاني، فيمثله الأفراد الذين دخلوا تحت نظام البلدية ومخططاتها ليحلوا مشاكلهم المتعلقة بالترخيص وإخطارات الهدم. ويضيف البديري أن الفئة الأولى لم تحقق شيئا يذكر، بينما الثانية لا يزال تقدمها محدودا. وفي سؤال عن أي النهجين تبنت السلطة الفلسطينية، أجاب: السلطة لا تعترف ببلدية القدس، ومع ذلك لم تعترض على المؤسسات والأفراد الذين تعاملوا معها بهدف تحسين شروط حياتهم، وفي ذات الوقت تقوم بالتشبيك مع المؤسسات الفلسطينية الموجودة بدون الإعلان عن ذلك.

ماذا أنجز الفلسطينيون؟

يبقى هذا السؤال هو الأصعب، وفي حين يقر المسؤولون الفلسطينيون بأن السلطة الفلسطينية قدمت «دعما إغاثيا للمدينة ومواطنيها»، وتمتلك الكثير «من الخطط والرؤى التي لم تغادر أدراج المكاتب»، تأخذ الإجابة منحى آخر لكنه منحى الذكريات وليس الواقع لدى جمال عمرو، الذي يؤكد أنه «بموت فيصل الحسيني ماتت أي إرادة سياسية فلسطينية لإنقاذ القدس من التهويد». ويروي عمرو كيف استطاع «بيت الشرق» الذي كان يترأسه الراحل الحسيني خلق واقع سكاني على الأرض، يشكل الآن صداعا مزمنا للاحتلال الإسرائيلي. ويقول: عام 1992 أعلن «بيت الشرق» عن انتفاضة بناء صامتة بين السكان، حيث روجت شائعة بينهم بأن بلدية الاحتلال سمحت للفلسطينيين ببناء بيوت مساحتها 40 مترا مربعا، وأن فترة السماح ستمتد لشهرين فقط. وكانت الخطة كالتالي على كل مواطن أن يبني «40 مترا مربعا» وفي حال هدمت قوات الاحتلال بيته سيتم تعويضه بألفي دولار، وخيمة!
«انتفاضة البناء» الصامتة التي أطلقها الحسيني عام 1992، حصيلتها اليوم بلغت 24 ألف بيت، في مناطق رأس خميس، سلوان، والعيسوية، هذه المناطق على النقيض من بقية أنحاء القدس تضاعف الوجود الفلسطيني فيها ثلاث مرات على الأقل في غضون العقدين الماضيين.
ويستطرد عمرو: في رأس خميس وحدها يسكن 20 ألف مواطن فلسطيني، في أحياء سكنية مكتظة للغاية.
تقع رأس خميس شمال شرق القدس، وهي محاصرة ما بين منطقة «عناتا» التابعة للسلطة والجامعة العبرية، ويهدد سكانها في حال هدم الاحتلال أي من بيوتهم سيكون فاتحة لإشعال انتفاضة نار ودم في القدس، ملخصين موقفهم بجملة واحدة: لن نقف مكتوفي الأيدي نراقب مستوطني «بسجات زئيف» يعيشون في أمان وجرافات الاحتلال تهدم بيوتنا نحن أصحاب المدينة الأصليين.
رأس خميس والعيسوية وسلوان باتت شوكة حقيقة في عين سلطة الاحتلال، وخلقت واقعا على الأرض سيكون من الصعب على أي حكومة احتلال أن تجد له حلاً. ورغم الازدحام الشديد في هذه المناطق والبناء «غير المرخص»، والذي جاء كردة فعل على القمع الإسرائيلي، إلا ان فلسطينيي القدس يتهافتون على شراء الشقق في هذه المناطق التي يستطيع جاران يسكن كل منهما في الطابق السابع في عمارتين متجاورتين أن يتصافحا باليد من نوافذ بيتيهما بسبب الازدحام الشديد وعشوائية البناء! وعلى سبيل المثال، في حين يراوح ثمن الشقة في رأس خميس بين 40 و50 ألف دولار، يبلغ سعر الشقة في أماكن أخرى في القدس نحو نصف مليون دولار.

كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الحيز العام؟

إذا عرفنا أن آخر مشاريع إسكانية نفذها الفلسطينيون في القدس بحسب مخططات حضرية كانت قبل 18 عاما، عبر بناء إسكانات لقطاعات المعلمين والمهندسين والأطباء والموظفين، ومنذ ذلك الحين لم تُسجل المدينة أي عملية بناء إسكان جديد، ندرك جيدا مقدار التهميش والإهمال الذي تعاني منه المدينة. وعند سؤال مسؤول في وزارة الحكم المحلي عن سبب ذلك، يجيب: البناء في القدس يحتاج إلى جهد ورؤية ومال. لكن هل باتت السلطة الفلسطينية تفتقد لتلك العناصر الثلاثة لتبرر إهمالها للقدس؟
يقول عمرو: هناك جزء من الفلسطينيين في القدس يمتلكون الأرض، لكنهم لا يملكون السيولة اللازمة للبناء عليها، وبالتالي لا يتم الاستثمار في الأرض ولا في الإنسان. ويرى البديري أنه «بالرغم من أن العمل في القدس صعب جدا، لكن يبقى هناك مجال للعمل حتى في ظل وجود البلدية الإسرائيلية في القدس، وذلك عبر صياغة رؤية واضحة نضمن فيها أن لا نأخذ أعباء الاحتلال ونعزز الصمود الفلسطيني في الوقت ذاته». ويضيف: يمكن العمل على مستوى القطاعات، مثل السكن والتعليم، رغم الإعاقات المتوقعة من قبل سلطات الاحتلال.
لكن عمرو يؤكد أنه «في حال توفرت الإرادة السياسية للعمل في القدس، سينجح الفلسطينيون في السيطرة على جزء من الحيز العام للمدينة، وهناك ألف طريقة للقيام بذلك». ويتابع: يمكن أن تقوم السلطة بالعمل من خلال المؤسسات الفلسطينية المسجلة في القدس، فالمجلس الفلسطيني للإسكان لو توفر له الدعم المناسب سيقوم بمهمة وزارة إسكان فلسطينية في المدينة. ومن المقترحات العملية التي يعرضها عمرو: إعطاء المواطن المقدسي منحة لاستصدار الرخصة، وذلك عبر قرض دوّار طويل الأجل، وإنشاء جمعيات تعاونية تعطي قروضا طويلة الأجل للبناء وشراء البيوت مع توفير صندوق يقدم الدعم الفلسطيني والعربي لهذه الجمعيات.
الكثير من المقترحاتن القليل جدا من العمل في القدس، ليبقى سباق السيطرة على الحيز العام غير متكافئ بين السلطة الفلسطينية التي لا تمتلك الرؤية والإرادة السياسية للحفاظ على ما تبقى من الحيز العام، وبين سلطات الاحتلال التي تمتلك خططا وأموالا ورؤية ثاقبة لتهويد المدينة والسيطرة على الحيز العام فيها حتى آخر متر مربع فيها.

* صحافية فلسطينية مقيمة في رام الله.