| 

تعد مدينة القدس بكل ما فيها آثارًا تاريخية للمسلمين والمسيحيين والإنسانية، وتضم إلى جانب المساجد والكنائس والأديرة مدارس ومنازل وقبابا وأسبلة. والقدس هي أكثر الأماكن قدسية عند المسيحيين، ولهم فيها كنيسة القيامة التي بنيت في القرن الرابع الميلادي.

المسجد الأقصى

ظل المسجد الأقصى على مدى قرون طويلة مركزاً هاماً لتدريس العلوم ومعارف الحضارة الإسلامية، ومركزاً للاحتفالات الدينية الكبرى، ومكانا لإعلان المراسيم السلطانية وبراءات تعيين كبار الموظفين.
كان اسم المسجد الأقصى قديماً يطلق على الحرم القدسي وما فيه من منشآت، أهمها قبة الصخرة التي بناها عبد الملك بن مروان عام 691 مع المسجد الأقصى، والتي تعد واحدة من أروع الآثار الإسلامية، ثم أتم الخليفة الوليد بن عبد الملك البناء خلال فترة حكمه التي امتدت من عام 705 إلى 714. ويختلف بناء المسجد الحالي عن بناء الأمويين، حيث بني المسجد عدة مرات في أعقاب زلازل تعرض لها على مدى القرون الماضية، بدءًا من الزلزال الذي تعرض له أواخر حكم الأمويين عام 747 ومروراً بالزلزال الذي حدث في عهد الفاطميين عام 1033.
يبلغ طول المسجد الأقصى من الداخل 80م وعرضه 55م، ويضم سبعة أروقة؛ رواق أوسط وثلاثة أروقة من جهة الشرق وثلاثة من جهة الغرب، وترتفع هذه الأروقة على 53 عموداً من الرخام و49 سارية من الحجارة. وفي صدر المسجد قبة، كما أن له أحد عشر باباً، سبعة منها في الشمال وباب في الشرق واثنان في الغرب وواحد في الجنوب.
في ساحة الأقصى الشريف 25 بئراً للمياه العذبة، 8 منها في صحن الصخرة و17 في فناء الأقصى، كما هناك بركة للوضوء. أما أسبلة شرب المياه، فأهمها سبيل قايتباي المسقف بقبة حجرية رائعة لفتت أنظار الرحالة العرب والأجانب الذين زاروا المسجد، إلى جانب سبيل البديري وسبيل قاسم باشا. وللمسجد الأقصى أربع مآذن، والعديد من القباب والمساطب التي كانت مخصصة لأهل العلم والمتصوفة والغرباء، ومن أشهر هذه القباب قبة السلسلة وقبة المعراج وقبة النبي.
أما الأروقة، فأهمها الرواق المحاذي لباب شرف الأنبياء، والرواق الممتد من باب السلسلة إلى باب المغاربة. كما فيه مزولتان شمسيتان لمعرفة الوقت.

مسجد قبة الصخرة

الهيئة الحالية لمسجد قبة الصخرة اكتملت في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وهو بذلك يعد من أجمل المباني الأثرية، وقد استوعبت في تصميمه وزخرفته الفنون التشكيلية الإسلامية والتراث الإنساني الفني. وبسبب تميز بناء المسجد وجماله فإنه الأكثر انتشاراً وتداولاً في موضوع القدس، حتى صار يرمز إلى القدس أكثر من المسجد الأقصى، ولم يعد كثير من الناس يميزون بين المسجدين.

المصلى المرواني

يقع المصلى المرواني في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، وكان يطلق عليه قديماً التسوية الشرقية من المسجد الأقصى. ويتكون المصلى المرواني من 16 رواقاً، وتبلغ مساحته 2775 متراً مربعاً، وخصص زمن عبد الملك بن مروان كمدرسة فقهية ومن هنا اكتسب اسم المصلى المرواني. وفي أثناء الاحتلال الصليبي لبيت المقدس استعمله الصليبيون اسطبلا للخيول ومخزناً للذخيرة وأطلقوا عليه اسم إسطبلات سليمان، وأعاد صلاح الدين الأيوبي فتحه للصلاة بعد تحرير بيت المقدس. وبالنسبة إلى السقف الحالي للمصلى، فإنه يعود إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، أما الأعمدة والأقواس الموجودة في المصلى فإنها تعود إلى عهد عبد الملك بن مروان، وأعيد افتتاحه للجمهور بعد عمليات ترميم عام 1996.

مسجد عمر بن الخطاب

يقع مسجد عمر بن الخطاب في داخل البلدة القديمة في مدينة القدس، وتحديدا في حارة النصارى في الجهة الجنوبية من كنيسة القيامة. وتعود قصة بناء المسجد الى عهد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب حين زار مدينة القدس، ورفض أن يصلي داخل الكنيسة خشية أن يتنازع المسلمون والنصارى على ملكيتها، فأقام الصلاة بالقرب منها.

الأماكن المقدسة المسيحية

كنيسة القيامة
تعتبر كنيسة القيامة التي بنتها الملكة هيلانة عام 325 من أهم الأماكن المقدسة للديانة المسيحية في مدينة القدس. وكان العمل في بنائها استغرق 11 عاما إذ بدأ عام ثلاثمئة وخمسة وعشرين وانتهى عام ثلاثمئة وستة وثلاثين للميلاد. ويتردد أن هيلانة عثرت في أثناء زيارتها إلى بيت المقدس على ما اعتقدت أنه خشبة الصليب الذي عُلق عليه السيد المسيح، وأرادت بناء كنيسة في المكان، فلبى الإمبراطور رغبة والدته، ولم يوفر مالا ولا حرفيين أو خبراء في سبيل بناء كنيسة لائقة، وأشرف على البناء مباشرة مهندس سوري اسمه زينو بيوس، ورجل دين من شيوخ الكنيسة اسمه يوستاثيوس.
تم تكريس كنيسة القيامة سنة ثلاثمئة وست وثلاثين، وتوجه الأساقفة الذين كانوا يحضرون مجمعا محليا في صور إلى بيت المقدس للمشاركة في حفل التكريس الذي أعلنت فيه قدسية كنسية القيامة أو الضريح المقدس. وبني فوق الضريح المقدس بناء مدور، وبنيت ما بين الباب والمبنى الدور باسيليكا كبيرة ،وخمسة أروقة بين الأعمدة مع جناح مدور بارز في ساحة متسعة، فبقي موضع الصليب منعزلا على حدة باعتباره مزارا قائما بذاته.
تميز البناء بجلال التصميم ووفرة الزينة، وأدخلت عليه تحسينات باستمرار منها التزيينات التي قامت بها الإمبراطورة يودقيا في منتصف القرن الخامس للميلاد.
تمتعت كنيسة القيامة ـ ولا تزال ـ بأهمية استثنائية، وقد وصفها الرحالة المسلمون الذين زاروا بيت المقدس، ومنهم ناصر خسروا الذي يقول: للنصارى في بيت المقدس كنيسة لها عندهم مكانة عظيمة ويحج إليها كل سنة كثير من بلاد الروم.
في كنيسة القيامة دير للرهبان الفرنسيسكان الذين يخدمون في الكنيسة، وهم ينتسبون إلى القديس فرنسيس الأسيزي الذي جاء إلى القدس سنة ألف ومئتين وتسع عشرة، ووافق البابا اكلمنطس السادس ببراءة بابوية سنة ألف وثلاثمئة واثنتين وأربعين على وجود الفرنسيين في الكنيسة على أن يكونوا حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الكاثوليكي، وقد قاموا بترميم الكنيسة مرتين آخرهما سنة ألف وسبعمئة وتسع عشرة، وأقاموا فيها بناء جديدا سنة ألف وتسعمئة وسبع وستين. وللرهبان الفرنسيسكان حصة وافرة في كنيسة القيامة، في كل يوم يقيمون الصلاة إلى جانب طواف يومي في مختلف ربوعها.
إلى جانب هذا الدير الكاثوليكي، هناك الأديار الأرثوذكسية وأولها دير الروم الأرثوذكس، وأسس بطريرك القدس اليوناني جرمانوس أخوية القبر المقدس، في العهد العثماني لفلسطين، ويعد أعضاء هذه الأخوية حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الأرثوذكسي. وللرهبان الذين يخدمون في الكنيسة مساكن في القيامة عينها، وعند ساحة القيامة شرقا يقوم دير القديس إبراهيم الذي اشتروه سنة ألف وستمئة وستين من الأحباش. ومنذ أيام البطريك جرمانوس، عمل الروم الأرثوذكس اليونان على التوسيع في كنيسة القيامة، وبعد احتراقها سنة ألف وثمانمئة وثمان، توصلوا إلى الانفراد بترميم أكبر قسم منها بموجب مخططاتهم، ولهم اليوم أكبر حصة فيها، ومنها محور الكنيسة المعروف بنصف الدنيا، وفي كل يوم يقيمون الصلاة هناك. وللأرمن الأرثوذكس بعض المساكن في كنيسة القيامة، ولهم الحصة الثالثة فيها، ومنها قسم الرواق الذي يشرف على القبر المقدس وكنيسة القديسة هيلانة، وقد بدأوا التوسع في الكنيسة منذ القرن السابع عشر الميلادي، وفي كل يوم يقيمون الصلاة هناك. أما الأقباط الأرثوذكس، فلهم مكانة ثانوية في الكنيسة، يؤدون صلواتهم في معبد صغير بنوه ملاصقا للقبر المقدس، سنة ألف وخمسمئة وأربعين، ثم جدد بعد حريق سنة ألف وثمانمئة وثمان، فيما يقيم السريان الأرثوذكس الصلاة كل أحد في معبد للأرمن في جهة القبر المقدس الغربية.
ويُعد القبر المقدس كثاني أشهر الأماكن المسيحية في القدس، يضاف إلى ذلك عدة كنائس لكل منها ذكرى دينية مثل كنيسة السيدة العذراء في جبل الزيتون، وكنيسة مار يوحنا خارج كنيسة القيامة، وكنيسة الملاك ميخائيل الملاصقة للقبر المقدس. أما الأديرة، فأشهرها دير السلطان، ودير مار أنطونيوس شمال شرقي كنيسة القيامة، ودير مار جرجس في حارة الموارنة. وبالنسبة إلى المدارس المسيحية المهمة، توجد المدرسة القبطية في القدس، ثم كلية الشهيدة دميانة للبنات التي تقدم خدماتها التعليمية حتى المرحلة الثانوية.
كنيسة ستنا مريم
تقع هذه الكنيسة في وادي قدرون، في مكان متوسط بين سلوان وجبل الزيتون وباب الأسباط وتحتوي الكنيسة على قبور مريم البتول ووالديها، وكذلك قبر يوسف النجار. وقد بنيت بين عامي 450 و457.
كنيسة القديسة حنة الصلاحية
تقع الكنيسة شمالي الحرم القدسي قرب باب الأسباط، حيث أتى السيد المسيح في هذا الموقع بإحدى معجزاته، وقد احترقت الكنيسة إبان الغزو الفارسي عام 614، فأعاد الصليبيون بناءها وتم تحويلها في عهد صلاح الدين الأيوبي، إلى مدرسة للفقهاء الشافعيين، ثم استلمها الفرنسيون من السلطان عبد الحميد العثماني عام 1855، فأنشأوا فيها مدرسة.
كنيسة العلية (دير صهيون)
يقع هذا الدير على قمة جبل صهيون، بالقرب من باب الخليل، ويعتقد بعض المسيحيين أن السيد المسيح تناول واتباعه في الدير عشاءهم الأخير.
كنيسة الصعود
بنيت على جبل الزيتون، في المكان الذي يعتقد أن السيد المسيح صعد منه إلى السماء.
أماكن مسيحية أخرى
كنيسة نياحة العذراء (في جبل صهيون)، دير أبونا إبراهيم (بالقرب من ساحة القيامة من الجهة الجنوبية)، دير مار يوحنا المعمدان (وهو كنيسة بيزنطية في داخل السور)، دير العذراء (جنوب كنيسة القيامة)، دير قسطنطين (يقع داخل السور، جنوب بطريكية الروم في حارة النصارى)، دير الثبات (مجاور لخان الأقباط)، حبس المسيح (في طريق الآلام)، دير ماركرا لامبوش (يقع شرق الصلاحية)، دير السيدة (على مقربة من الخانقاه الإسلامية)، دير العدس (في حارة السعدية قرب حبس المسيح)، دير مار جرجس (بجوار دير اللاتين)، دير الأرمن، دير مارفحائيل (شمال بطريك الروم)، دير مار ديمتري (يقع في حارة النصارى)، دير مار نقولا، دير مارتا بجانب الكازانوفا، دير اليعازر في العيزرية، دير أبي ثور (يقع في محلة الثوري)، دير القديس انوفريوس (يقع في وادي الربابة، بين جبل صهيون، وجبل أبي طور)، دير القطمون (يقع في القطمون)، دير الجليل (يقع فوق جبل الطور)، دير مار الياس (يقع على طريق القدس بيت لحم)، دير المصلبة، دير مار سابا (بين بيت لحم و ومار سابا)، دير مار سابا (قرب قرية سلوان)، دير المخلص (دير اللاتين)، المسكوبية (قرب باب الخليل).

حائط البراق

من تسمياته الحائط الغربي بحسب التسمية اليهودية. وهو الحائط الذي يحد الحرم القدسي من الجهة الغربية، أي يشكل قسما من الحائط الغربي للحرم المحيط بالمسجد الأقصى، ويمتد بين باب المغاربة جنوبا، والمدرسة التنكزية شمالا، طوله نحو 50م، وارتفاعه يقل عن 20م. ويعتبر من أشهر معالم مدينة القدس، ولهذا الحائط مكانة كبيرة عند أتباع الديانتين الإسلامية واليهودية. إذ يُذكر في بعض المصادر الإسلامية على أنه الحائط الذي قام النبي محمد بربط البراق إليه في ليلة الإسراء والمعراج. ومنها جاءت تسمية الحائط بـ«البراق» نسبة إلى الدابة التي يؤمن المسلمون بأن النبي محمد ركبها عند إسرائه ليلا من مكة إلى المسجد الأقصى، حيث ربط البراق في حلقة على هذا الحائط، ودخل إلى المسجد حيث صلى بالأنبياء ثم عُرج به إلى السماوات العلى. كما أن هذا الحائط هو أحد جدران المسجد الأقصى الذي يمثل أولى القبلتين وثالث أقدس المساجد عند المسلمين بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة. ومنذ الفتح الإسلامي لبيت المقدس، إبان خلافة عمر بن الخطاب، تحولت إدارة الحرم القدسي وما حوله (بما فيها حائط البراق) للمسلمين بما فيها ذلك فترات الاحتلال الصليبي.
أما في أيام الدولة العثمانية، فقد سمحت السلطات العثمانية لليهود المقدسيين أداء بعض الطقوس الدينية قبالة الحائط ولكنها حظرتهم من حط المقاعد قبال الحائط أو أية مبادرة أخرى لجعل المكان مصلى يهوديا دائما. وفي 1887 قام أدموند دي روتشيلد، من يهود فرنسا، بمحاولة فاشلة لشراء الحائط وجعله ملكا يهوديا. هذه المحاولة عارضها الحاخامات المقدسيون خشية من هز العلاقات بين اليهود والسلطات الإسلامية.
في 12/11/1911 قام متولي الأوقاف أبو مدين الغوث بالاحتجاج حين قام أفراد من الطائفة اليهودية، الذين جرت عادتهم بزيارة الحائط وقوفًا، بجلب كراسي للجلوس عليها أثناء الزيارة. وطلب متولي الأوقاف ايقاف هذه الحالة تجنباً لادعاء اليهود في المستقبل بملكية المكان. وبناءً على ذلك أصدر مجلس إدارة لواء القدس تعليمات تنظم زيارة اليهود للحائط، وتمنع جلب أي مقاعد أو ستائر عند الحائط. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واعتماداً على وعد بلفور الذي يعد بإقامة «وطن قومي» لليهود في فلسطين، أخذ اليهود يسعون إلى اكتساب حقوق واسعة لهم في هذا المكان عن طريق تغيير الحالة الراهنة التي كان عليها الحائط قبل الحرب.
في كانون الثاني 1914 قام الأديب اليهودي دافيد يالين بمبادرة أخرى لشراء الحائط. وفي رسالة للسفير الأميركي لدى إسطنبول قال يالين: نأمل أن تفعل كل ما بوسعك لتحرير أقدس الأماكن من بين جميع الأماكن المقدسة في المدينة التي كانت من قبل أروع المدن. في هذه الرسالة قدر يالين ثمن الحائط بمليون فرنك فرنسي على الأقل. فشلت هذه المبادرة كما فشلت المحاولة التي سبقتها. وعندما وضع صك الانتداب على فلسطين الذي صدقته عصبة الأمم في 24/7/1922 تضمنت مواده الثماني والعشرون عددًا من المواد المتعلقة بالأماكن المقدسة كان أهمها المادة 14التي تنص ما يلي:
«تؤلف الدولة المنتدبة لجنة خاصة لدرس وتحقيق وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والحقوق والادعاءات المتعلقة بالطوائف الدينية المختلفة في فلسطين وتعرض طريقة اختيار هذه اللجنة وقوامها ووظائفها على مجلس عصبة الأمم لإقرارها ولا تعين اللجنة ولا تقوم بوظائفها من دون موافقة المجلس المذكور. لكن هذه اللجنة لم تعين.
في عام 1928 حاولوا استخدام خزانة ومصابيح وحصر وستائر للفصل بين الرجال والنساء، وأرسل مفتي فلسطين رسائل إلى حاكم القدس ينبهه إلى تلك المخالفات، وصدرت التعليمات من الإدارة المنتدبة في أكثر من موقف بمنع اليهود من جلب كراسي أو ستائر إلى الحائط. وعينت اللجنة سابقة الذكر في عام 1930 بعد أن أوصت لجنة التحقيق في أسباب انتفاضة البراق عام 1929 بسرعة تعيينها.
في سنة 1928 صدر كتاب أبيض من الحكومة البريطانية مؤيداً المحافظة على الحالة الراهنة داعياً اليهود والمسلمين إلى عقد اتفاق فيما بينهم لتحديد حقوقهم وواجباتهم في الأماكن المقدسة.
لكن الاتفاق لم يحدث، فطلبت الحكومة من الطرفين ابراز ما لديهما من مستندات لتتمكن من الفصل في الموضوع فقدم المجلس الإسلامي ما لديه من مستندات، لكن الجهة اليهودية المسؤولة لم تقدم أية مستندات واكتفت بإرسال بحث فقهي عن الموضوع.
في هذا الجو المتوتر صدرت قرارات المؤتمر الصهيوني السادس عشر الذي عقد في زيورخ من 28/7/ إلى 11/8/1929 والتي كان من أهمها المطالبة بفتح أبواب فلسطين على مصراعيها لليهود، وبذل الجهود لحمل الحكومة البريطانية على سحب كتابها الأبيض لعام 1928 الذي اعترف بحقوق المسلمين في الأماكن المقدسة. كما عقد فور انتهاء المؤتمر الصهيوني أول اجتماع للوكالة اليهودية التي جمعت الصهاينة واليهود. وتابعت لجنة الدفاع اليهودية عن المبكى نداءاتها المقلقة لإثارة يهود العالم إلى أن يعاد إليهم حائط المبكى.

أسباب «النزاع»

يعتبر اليهود الحائط الأثر الأخير الباقي من هيكل سليمان. وفي رأي أغلبية الحاخامات اليهود يكون الدخول إلى الحرم القدسي محظورا على اليهود منذ خراب الهيكل، فلذلك الحائط هو أقرب نقطة من مكان الهيكل التي يمكن لليهود الصلاة فيها حسب الشريعة اليهودية العصرية. وأطلق عليه العرب المقدسيون اسم «حائط المبكى» نسبة إلى الطقوس التي كان اليهود يؤدونها قبالة الحائط حدادًا على خراب هيكل سليمان.
أصبح الحائط مصلى يهوديا مشهورا في بداية القرن السادس عشر، وتعاظمت أهميته في نظر اليهود في القرن التاسع عشر حتى أصبح أهم المعالم اليهودية الدينية في رأي أكثريتهم. في نظر بعض اليهود خاصة الإسرائيليين منهم يعتبر الحائط رمزًا يهوديًا وطنيًا أيضًا.
وتزعم إسرائيل أن الحائط جزء من الهيكل، قيام اليهود بالبكاء والنواح عنده في العصور المتأخرة، على خلفية ادعاءات متفرقة منها أن الحائط المذكور، هو جزء من بقايا معبدهم القديم، وهو ما تدحضه المعطيات التاريخية ونتائج التنقيبات عن الآثار، فالموسوعة اليهودية تقول إن اليهود لم يصلّوا أمام هذا الحائط إلا في العهد العثماني. ويذهب عالم الآثار اليهودي فينكلشتاين - رئيس قسم الآثار في جامعة تل أبيب إلى القول: لا يوجد أي سند (يعني أي سند علمي) لما ورد في العهد القديم بشأن «حائط المبكى»، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك بتشكيكه بوجود الهيكل أصلا.
من جهة أخرى، ليس هناك أي أثر يثبت وجود الهيكل اليهودي أو ما يمكن أن يمت إليه بصلة، وأن علماء الآثار والمنقبين اليهود أنفسهم أو الذين استقدمهم اليهود وصلوا إلى صخرة الأساس في المكان ولم يعثروا على أي دليل مادي مهما كان صغيراً يؤكد صحة الروايات اليهودية.