| 

هذا السؤال يدور في الذهن منذ فترة طويلة، وتحديدًا منذ العام 2003، عندما وافقت القيادة الفلسطينيّة على «خريطة الطريق» بعد ثلاث سنوات على اندلاع انتفاضة الأقصى، والتي تعتبر إعادة إنتاج لـ«اتفاق أوسلو»، وأشبه بـ«حل انتقالي» جديد مبني على الأمن الإسرائيلي كمرجعيّة، ما يعني أن الانتفاضـــة لم تحقق أهــــدافها؛ ولا أعتقد أن لدى أحد جوابًا شافيًا عنه، لأنه بحاجة إلى استعــــراض تاريـــــخي يُغطــــي الصـــراع منذ بدء الغـــزوة الصهيونيّة الأولى وحتى الآن، وما شهدته تلك الفترة الطويلة من تغييرات هائلة وعاصفة غيّرت وجه المنطقة والعالم مرات عديدة، وتداخلت فيها عوامل ومؤثرات كثيرة جـــدًا، محلـــيّة وعـــربيّة وإقليـــميّة ودوليّة.
هناك إجابات تبسيطــيّة عن هذا الســــؤال لا تــفي بالغرض، وهي:
الإجابة الأولى التي تُرجِع عدم انتصار الفلسطينيين إلى حجم الأعداء وتفوقهم، وإلى المؤامرات التي تعرّضت لها القضيّة الفلسطينيّة منذ نشأتها، النابعة من أهميّة موقع فلسطين الجغرافي والاستراتيجي كنقطة وصل بين البلدان العربيّة في آسيا وإفريقيا، في الوقت نفسه الذي ازدادت فيها أهميّة المنطقة بعد اكتشاف النفط، وبعد انتصار الثورة البلشفيّة وقيام الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى الصراع العالمي بين الرأسماليّة والشيوعيّة وحاجة كل معسكر منهما إلى السيطرة على هذه المنطقة الإستراتيجيّة.
الإجابة التبسيطيّة الثانيّة التي تُرجع عدم الانتصار إلى الخيانات والتنازلات الفلسطينيّة والعربيّة حين تأخرت القيادات العربيّة في نصرة فلسطين. وعندما قدمت الجيوش العربيّة إلى فلسطين تحت اسم «جيش الإنقاذ» فوصلت بعد خراب البصرة، وكانت قليلة العدد والعتاد، وتنهش الخلافات حكامها الذين لم يغادروا سياسة الرهان على بريطانيا صاحبة «وعد بلفور» والمسؤولة عن مأساة فلسطين.
الإجابة الثالثة التي ترى ما حصل متوقعاً وطبيعيّاً نظراً إلى الظروف والمعطيات التي شهدتها فلسطين والمنطقة عشيّة وغداة الحرب العالميّة الثانية. فما حققه الفلسطينيون مهم جدًا عند أصحاب هذه الإجابة، «وليس بالإمكان أبدع مما كان»، فالقضيّة الفلسطينيّة لا تزال حيّة على الرغم مما تعرّضت له من حروب وويلات ومجازر. والدليل على ذلك عند أصحاب هذه الإجابة أن مصير الفلسطينيين لم يكن مثل مصير الهنود الحمر الذين ضاعت قضيتهم وانتصر المستعمرون عليهم وأقاموا دولتهم على أرض بلادهم، بل تمّ حفر اسم فلسطين على الخريطة السياسيّة، وجاري العمل على وضعها على الخريطة الجغرافيّة، وانتقل مركز الصراع من الخارج إلى داخل فلسطين.
أعتقد، أن الإجابة الصحيحة عن سؤال «لماذا لم ينتصر الفلسطينيون؟» تقع في المسافة الواقعة ما بين الإجابات الثلاث، فكل واحدة منها تضمّنت جزءًا من الإجابة.

اختلال موازين القوى

لا يستطيع أحد أن يتجاهل الاختلال الفادح في ميزان القوى بين الشعب الفلسطيني الواقع تحت الانتداب وبين الحركة الصهيونيّة المتقدمة والمدعومة من بريطانيا وعدد الأعداء ومستوى المؤامرات التي جرى التخطيط لها من أجل إقامة إسرائيل كجسم غريب في المنطقة يكون أداة وقاعدة متقدمة للدول الاستعماريّة لاستخدامها من أجل ضمان سيطرتها على المنطقة العربيّة، من خلال إبقائها أسيرة التخلف والتبعيّة والفقر والتجزئة والاستبداد. لقد حرص العديد من القادة الصهيونيين منذ تأسيس إسرائيل وحتى الآن على التأكيد على أن الخدمات التي تقدمها إسرائيل للغرب أكبر من الدعم الذي تلقته منهم، وتحديدًا لبريطانيا عندما كانت الإمبراطوريّة التي لا تغيب عنها الشمس، وللولايات المتحدة الأميركيّة في مرحلة الثنائيّة القطبيّة والحرب الباردة، أو في مرحلة سيطرتها الأحاديّة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكيّة ووصولاً إلى بروز تعدديّة قطبيّة عالميّة.

حسابات المصالح الاستراتيجية

صحيح أن الوظيفة التي تقوم بها إسرائيل تتغير بتغير الظروف والمعطيات المؤثرة في العالم، إلا أن إسرائيل تبقى الحليف المضمون والمستقر في منطقة الرمال المتحركة، التي لا شيء فيها ثابتاً، لا الشعوب ولا الحكام ولا البلدان، كما برهنت الأحداث والثورات في السنين الأخيرة. فعلى سبيل المثال، تغيّرت مكانة إسرائيل ووظيفتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث كانت القاعدة المتقدّمة للرأسماليّة لمنع انتشار الشيوعيّة، ولكن هذا التغيّر لم يؤثر كثيرًا بعد اختراع خطر «الإرهاب الإسلامي» التي ساهمت إسرائيل في إيجاده والعمل على إبقائه حيًا، ومن ثم «النووي الإيراني» الذي أرادت له إسرائيل أن يكون محور الصراع بديلاً من القضيّة الفلسطينيّة.
لا يعني ذلك أن مكانة إسرائيل لم تتغيّر، فقد تغيّرت بشكل ملموس؛ بدليل أنها قامت من أجل حماية المصالح والنفوذ الأميركي والغربي في المنطقة، وأصبحت بعد ذلك بحاجة إلى حماية بعد أن تعرّضت لصواريخ صدّام حسين من دون أن تحرك ساكنًا، وأصبح وجود القوات الأميركيّة في المنطقة ضروريًا لضمان تدفق النفط وحماية أمن إسرائيل، ولكن تبقى إسرائيل مهمة جدًا في حسابات المصالح الاستراتيجيّة، خصوصًا في وقت يتراجع فيه الدور الأميركي في المنطقة والعالم، وتتزايد أهميّة أدوار الدول الإقليميّة القويّة، مثل تركيا وإيران وإسرائيل، حتى تقوم بملء الفراغ وقطع الطريق على أطراف معاديّة أو غير منسجمة مع المصالح الأميركيّة والغربيّة.

خيانات وصراعات عربية

لا يمكن أيضًا تجاهل دور الخيانات والتنازلات والصراعات العربيّة، ورؤية مدى تأثيرها في حدوث أو استمرار ما يُعرَف بـ«نكبة فلسطين». فالدول العربيّة كانت تابعة للدول الاستعماريّة وتراهن على بريطانيا لوقف الهجرة اليهوديّة أو الحد منها، وأخذت تتنافس فيما بينها على استحواذ حصة من الكعكة الفلسطينيّة، ولم تدرك أهميّة تمكين الفلسطينيين وتدريبهم وتزويدهم بالسلاح حتى يكونوا في مستوى الجماعات الصهيونيّة المسلحة التي كانت أكثر تطورًا وعددًا، وتملك أسلحة أحدث ولها قيادة تعرف ما تريد ومصمّمة على تحقيقه. ولعل صفقة السلاح الفاسد التي سُلِّح بها الجيش المصري واتصالات الأمير عبد الله مع الانتداب البريطاني والقادة الصهيونيين التي انتهت بالتسليم بإقامة إسرائيل على مساحة أكبر بكثير من المساحة المخصصة لها في قرار التقسيم؛ خير شاهد على دور التنازلات والخيانات العربية في تهميش القضية الفلسطينية.
كما أن النهضة العربيّة التي قامت بعد نكبة فلسطين بدءًا بثورة 23 يوليو الناصريّة في العام 1952 لم تلتقط أنفاسها وتعرضت للعدوان الثلاثي في العام 1956 واستدرجت إلى الحرب اليمنية والوحدة مع سوريا قبل أوانها في العام 1958، ولم تستعدّ بما فيه الكفاية للحرب مع إسرائيل، التي باغتتها بحرب خاطفة ساحقة رسمت معالم جديدة للمنطقة منذ هزيمة العرب في حرب حزيران 1967 وحتى الآن. وتفاقم الوضع العربي سوءًا في ظل الصراع الذي قام بين الدول التقدميّة بزعامة عبد الناصر والدول الرجعيّة بزعامة السعوديّة التي كانت مجرد شواهد على الأوضاع والأسباب التي ساهمت في قيام إسرائيل وانتصارها على العرب مجتمعين.
إن أي محاكمة عادلة لوقائع الصراع العربي الصهيوني ونتائجه تظلم الفلسطينيين كثيرًا إذا تصورت أن بمقدورهم الانتصار على إسرائيل عسكريًا بمفردهم أو بمساعدة عربيّة محدودة. فالقضيّة الفلسطينيّة نشأت منذ البداية كقضيّة فلسطينيّة عربيّة دوليّة. كما أخطأت القيادة الفلسطينيّة عندما تصورت إمكانيّة التوصل إلى تسوية منفردة مع إسرائيل أسوة بما فعله أنور السادات والملك حسين، لأن أهم دوافع عقد معاهدتي السلام «كامب ديفيد» و«وادي عربة» الاستفراد بالفلسطينيين وفرض حل عليهم لتصفيّة قضيتهم بصورة تستجيب للأهداف والمصالح الإسرائيليّة.
كان المطلوب من الفلسطينيين الصمود على أرضهم، وإبقاء قضيتهم حيّة، وإحباط مخططات أعدائهم، وتقليل الأخطار والخسائر إلى حين نشوء وضع عربي ودولي يسمح بانتصارهم سلمًا أو حربًا، أي بالانتصار على إسرائيل عسكريًا، أو توليد ضغط كافٍ عليها يجبرها على التراجع والانسحاب.
أخطأت القيادة الفلسطينيّة عندما راهنت كليًا على العرب لتحرير فلسطين، كما أخطأت بعد ذلك عندما تصورت أن بمقدور الفلسطينيين الانتصار وحدهم على إسرائيل، وأخطأت مرة ثالثة عندما تصوّرت إمكانيّة التوصل إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، بعد التخلي عن أوراق القوة السياسيّة والقانونيّة والكفاحيّة التي تملكها عن طريق المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة انفراديّة من دون أسس ولا مرجعيّة ولا ضمانات، وبعيدًا عن القانون الدولي وقرارات الشرعيّة الدوليّة، وفي ظل وهم أنها يمكن أن تحقق أهدافها عن طريق التنازلات وإثبات حسن النيّة والجدارة وبناء المؤسسات والتأكيد على أن الفلسطينيين عامل أمن واستقرار في المنطقة.

تنازلات فلسطينية وتهميش القضية

استطاع النضال الفلسطيني الممتدّ من حوالى قرن، والتضحيات الكبيرة التي قدّمها الشعب الفلسطيني، وتصميمه على الوجود على أرض وطنه مع جميع الويلات والمجازر والحروب؛ أن يحافظ على الهويّة الوطنيّة والحقوق الفلسطينيّة، وإبقاء القضيّة حيّة على الرغم من التراجع الذي أحاط بها منذ توقيع «اتفاق أوسلو» وحتى الآن، وتحويل القضيّة من قضيّة لاجئين إلى قضيّة تحرّر وطني، وعلى بلورة كيان واحد ومؤسسة واحدة وقيادة واحدة.
ما قلّل من الانتصارات التي تحققت وأدى إلى كوارث مثل تعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وتقطيع الأوصال، والجدار، والحصار، وتهويد القدس وأسرلتها، والانقسام، وتهميش القضيّة الفلسطينيّة وشلل مؤسسات منظمة التحرير وتضخم دور السلطة على حسابها؛ أنّ القيادة الفلسطينيّة المتعاقبة ارتكبت سلسلة من الأخطاء وقدّمت تنازلات من دون مقابل يذكر، على أمل أن يكون ذلك نوعًا من «إنقاذ ما يمكن إنقاذه»، انتظارًا لنهوض المارد العربي تارة، والمارد الإسلامي تارة أخرى، والمارد الأممي تارة ثالثة.
على الرغم من حجم التحديات والأخطار والمؤامرات، وعلى أهميّة المكاسب، يجب عدم التقليل من تأثير الأخطاء، خصوصًا منذ توقيع «اتفاق أوسلو» الذي مثّل ضربة قويّة للقضيّة الفلسطينيّة وأداة تجسيدها منظمة التحرير، حيث فصل ما بين القضيّة والشعب والأرض، وقسّم القضيّة إلى قضايا، والشعب إلى شعوب، والأرض إلى أراضي (أ) و(ب) و(ج) والقدس وأراضي 1948، والحل على مراحل انتقاليّة ونهائيّة، وترافق مع اعتراف ذهبي فلسطيني بحق إسرائيل في الوجود، ونبذ «العنف» والتخلي عنه واعتقال ممارسيه، والالتزام بالاتفاقيات من جانب واحد.
لا أبالغ في القول إن ما يمنع اندلاع ثورة أو انتفاضة فلسطينيّة جديدة، على الرغم من توافر الأسباب الموضوعية لاندلاعها له أسباب عدة منها حاجة الشعب الفلسطيني إلى الإجابة عن سؤال: لماذا لم ينتصر حتى الآن، ولماذا جاءت الهزائم المتوالية تباعًا كما جاءت المكاسب أقلّ بكثير من التضحيات الجبارة والبطولات العظيمة التي جسّدها الشعب الفلسطيني منذ بدء قضيته حتى الآن؟

* المدير العام للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية مسارات.