| 

العباس بن الأحنف هو شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان. أما صريع الغواني فهو صديقه المؤرخ والمربي والكاتب عمر فروخ. والاثنان أسسا في بيروت مع حافظ جميل من العراق ووجيه البارودي ونديم البارودي من سورية حلقة أدبية باسم «دار الندوة»، وتسمّى كل واحد منهم باسم شاعر عباسي، فاختار إبراهيم طوقان العباس بن الأحنف، وانتحل وجيه البارودي اسم ديك الجن الحمصي، وتكنى حافظ جميل باسم أبي نواس، ورغب عمر فروخ في لقب صريع الغواني وهو نفسه مسلم بن الوليد. أما نديم البارودي فكان كاتب دار الندوة من غير لقب، ووظيفته تدوين المساجلات الشعرية والوقائع الأدبية في دفتر مخصوص. وكان أطرف ما جرى في ذاك الزمن قصيدة «يا تين» التي نُسبت إلى إبراهيم طوقان. وفي ما بعد قيل إن القصيدة كتبها إبراهيم طوقان ووجيه البارودي معا، ثم أضيف إليهما حافظ جميل. لكن حافظ جميل يقول إن القصيدة كلها له وقد نظمها سنة 1928 في فتاة دمشقية جميلة تدعى ليلى تين وأختها أليس تين، وهي موجودة في دفتر نديم البارودي الذي كان في حوزة عمر فروخ. أما إبراهيم طوقان فقد اشتهرت قصيدته «في المكتبة» التي نظمها في ماري الصفوري من بلدة كفركنا الفلسطينية وهي نفسها قانا الجليل الواردة في الإنجيل. أما عمر فروخ فيعتقد أن القصيدة للأصدقاء الثلاثة: طوقان وجميل والبارودي.
بين يدينا رسالتان بعث بهما إبراهيم طوقان سنة 1927 من نابلس إلى صديقه عمر فروخ في بيروت. أما العنوان فكان «نابلس المدمرة» وهو عن الزلزال الذي حل بمدينة نابلس. وفي ما يلي نص الرسالتين.
ص.أ.ف.
الرسالة الأولى
22 تموز 1927
نابلس المدمرة
أخي صريع الغواني
سلاماً وتحية: وبعد فقد سبق وأرسلت لك كتاباً إجابة على تحريرك. وأتقدم إليك الآن بهذا الكتاب آملاً أن تعمل بموجب ما فيه:
راقب صدور جريدة البرق فإذا صدرت وكان لي فيها قصيدة عن الزلزال فأرجوك باسم (ابن خالته) العزيز عليك أن تبتاع لي من ذلك العدد خمسة، وترسلها، وحسابك إما قبلات من محسوبك، أو إذا أحببت فقبلة وليمية أكون أنا مدبرها ولو بعد أن يعبث الموسى في لحيته أو يشتعل رأسه شيباً. هذا وسلامي إلى أحمد أفندي مغربي وأقبلك قبلات الأشواق أخي.
العباس بن الأحنف
خبرني كيف شغلك في القاعـــــدة اللغـــــوية التــــــي تريد وضعها. عساك موفق. إياك والملل والسأم.
الرسالة الثانية
تموز 1927
نابلس المدمرة
أخي صريع الغواني
خذت كتابك وبه تسأل عن تأثير الزلزال علينا فالعائلة جميعاً، أعني الأرواح، لم تُصب بسوء، وقد كان الضرر في ثلاث غرف اقتضى تنزيلها لدى الفحص الهندسي. وهناك معمل الصابون، فقد خسرنا الطابق العلوي بأجمعه. وتقدر الخسارة المادية بقيمة 300 جنيه. أما المدينة فقد تدمرت بكل ما في هذه الكلمة من معنى، فلا دار إلا وهي مهدومة أو بحاجة إلى الهدم أو إلى إصلاح يربو على نصف قيمتها. وقد كان عدد القتلى بين 100 و125 نفساً، والجرحى بين 300 و400 منهم نحو 50 في حالة خطر. وأهل المدينة الآن في خارجها يسكنون بيوتاً خشبية أو خياماً، ومنهم من هاجر، وقد تحول البيع والشراء أيضاً بطبيعته إلى خارج المدينة. هذا وأشكرك على عواطفك ورجائي المعذرة على تقصير الكتاب وقصوري في رسميات المكاتبة من حيث الورق فنحن (منكوبون) وليس على المنكوب حرج، ولا يوجد دكاكين مفتوحة للأشياء الثانوية.
راقب الأحرار المصورة فسأبعث لها قصيدة بوصف الحالة الحاضرة ونكبة الزلزال. ولا رأيت مكروهاً أخي.
إبراهيم طوقان