| 

تتكرّر كثيراً في الآونة الأخيرة مقولة مضمونها أن الفلسطينيين في مناطق 1948 يمتلكون قوة سياسية كامنة يمكنها أن تساهم كثيراً في الدفع قدماً نحو إنجاز حل عادل للقضية الفلسطينية. وفي نظرة إلى الماضي يؤكد أصحاب هذه المقولة أن عدم استثمار تلك القوة في السياق الصحيح، لاسيما ضمن المساعي الرامية إلى إيجاد حل دائم لهذه القضية، قد أهدر فرصاً ثمينة عديدة، وشكل أحد أسباب إعاقة تحقيق انتصار للشعب الفلسطيني حتى الآن.
وفي نظرة أخرى إلى الحاضر والمستقبل - وهي ما تعنينا أكثر في هذه المقالة - يرى عدد من الباحثين أن تلك القوة الكامنة تتمثل حالياً في ما يمكن اعتبارها مرحلة جديدة من الوعي السياسي لدى هؤلاء الفلسطينيين برزت على نحو جليّ في الأعوام القليلة الفائتة، وإن بدأت تباشيرها الأولى تلوح منذ أكثر من عقدين بالتزامن مع توقيع اتفاق أوسلو، وهي تشكل تحدّياً غير مسبوق لفكرة الدولة اليهودية التي تعمل إسرائيل على دفعها إلى الأمام، سواء في إطار المفاوضات التي تجريها مع الفلسطينيين، أو في نطاق الاتصالات بالولايات المتحدة والعالم أجمع. ولا بُدّ من أن نشير في هذا الشأن إلى الباحث نديم روحانا الذي يعتقد أن ثمة قوة أخرى كامنة أيضاً في التحدّي السالف، وبإمكانها إذا ما وُجهت في المسار الصحيح أن توصل في نهاية المطاف فكرة الدولة اليهودية إلى طريق مسدودة، وأن تساهم في فتح الآفاق أمام طرح بدائل منها. وهو يشير على وجه الخصوص إلى أن إدراك جوهر هذا التحدّي يمكن استشفافه في الوقت عينه من ردات الفعل الإسرائيلية على آخر التطورات في العمل السياسي الفلسطيني في الداخل، خصوصاً تلك المتعلقة بصدور ثلاث وثائق فلسطينية بشأن المستقبل السياسي للفلسطينيين في الداخل تشترك كلها في رفض فكرة الدولة اليهودية من ناحية، وفي طرح بديل ديموقراطي وثنائي القومية أو دولة متعددة الثقافات وثنائية اللغة من ناحية أخرى.

الفكر السياسي الجديد

لا يجوز ألا يُلاحظ أي قارئ موضوعي أن ردات الفعل هذه تفاقمت كثيراً منذ ظهور الفكر السياسي الذي طرحه المفكر عزمي بشارة وحزب التجمع الوطني الديموقراطي منذ تأسيسه في أوائل تسعينيات القرن العشرين الفائت. وقد اعتمد هذا المشروع الذي طرح «دولة كل مواطنيها» كشعاره الأساسي، أولاً على القوة الكامنة في الهوية القومية وفي مواطنة الفلسطينيين في الداخل، وثانياً على إمكانات تفعيلهم في كشف الغبن الناتج عن فكرة الدولة اليهودية، وفي فضح تناقضها مع الأسس الأولية للديموقراطية.
في أحاديث جديدة أدلى بها نتنياهو خلال جلسات مغلقة، قال إن تصريحات وزير المال الإسرائيلي يائير لبيد بشأن عدم حاجة إسرائيل إلى اعتراف الفلسطينيين بها دولة يهودية، تعبّر عن مواقف اليسار الإسرائيلي لا عن موقف الحكومة. وكان لبيد أكد في سياق مقابلة أجرتها معه شبكة التلفزة الأميركية «بلومبرغ» أنه لا يتفق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بضرورة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة يهودية من أجل التوصل إلى اتفاق سلام نهائي معهم. وأضاف أن «فكرة إقامة دولة إسرائيل ولدت على أساس تحرّر الشعب اليهودي من أي تبعية للآخرين بعد ألفي عام من العبودية، ولذا فلا حاجة إلى أن يعترف الفلسطينيون بها دولة يهودية». الأهم أن رئيس الحكومة الإسرائيلية أشار في جلساته المغلقة إلى أن الهدف من وراء مطلب الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية هو كبح أي نية لدى الفلسطينيين للاستمرار في كفاحهم القومي داخل حدود دولة إسرائيل بعد التوصل إلى اتفاق سلام نهائي معهم. وشدّد على أنه في حال عدم الحصول على اعتراف الفلسطينيين بالدولة اليهودية سيستمر الكفاح من أجل حصول عرب منطقة الجليل على حكم ذاتي، وسيتواصل الكفاح القومي في صفوف البدو في منطقة النقب.
بالعودة إلى ما يقوله روحانا، فإن أحد مقوّمات قوة التحدّي الذي يقدمه الفلسطينيون في إسرائيل لجوهر إسرائيل يكمن في الواقع في الضعف الأخلاقي للفكرة الصهيونية نفسها التي لا تتعايش مع المساواة وتعتمد على العنف لتحقيقها. ويزيد من قوة التحدّي موقع هؤلاء الفلسطينيين ومكانتهم المدنية كمواطنين يطالبون بتحقيق مطالب ديموقراطية أساسية مثل المساواة. ولا نسقط من الحساب أن معاملة إسرائيل مع المواطنين العرب فيها تظل أحد أهم المحكّات التي يتكشف من خلالها اعتماد الصهيونية الحتمي على العنف والتسلط والتمييز وسلب الموارد. ويتكشف أيضاً التناقض الصارخ بين الصهيونية ومبادئ المواطنة المتساوية بشكل لا تستطيع إسرائيل أن تخفيه تماماً وراء ستار «مواجهة الإرهاب» أو «الاعتبارات الأمنية» كما درجت العادة.

تفعيل القوة الكامنة

على الرغم مما تقدّم، ما زالت مساعي تفعيل القوة الكامنة لدى الفلسطينيين في مناطق 1948 أدنى من المستوى المنشود، سواء من طرف هؤلاء الفلسطينيين أنفسهم وقواهم السياسية والشعبية، أو حتى من طرف القيادة الفلسطينية. وبحسب روحانا، ستبقى هذه القوة كامنة، وسيصعب تحويلها إلى تحدّ سياسي حقيقي وعملي ما لم يتم التغلب على بعض نقاط الضعف البنيوي في تركيب المجتمع الفلسطيني في الداخل، وفي أولويات وأشكال ومضامين القيم الاجتماعية والسياسية التي يفرزها. وبرأيه تعود أسباب هذا الضعف إلى الأسس التاريخية للتشكيل السياسي والاجتماعي والثقافي لـ«الأقلية الفلسطينية في إسرائيل». وتبقى هذه الأسس وتأثيرها في مسار التطوّر الاجتماعي والسياسي من الموضوعات التي تحظى باهتمام قليل من جانب الباحثين العرب، لكن تكفي الإشارة إلى بعض الآثار التي خلفتها النكبة على التركيب السياسي والاجتماعي، والتي لم يتم إلى الآن تخطيها، أو حتى تشخيصها، حتى يُتاح إمكان العمل على تجاوزها، بالإضافة إلى الآثار العميقة للحكم العسكري في الفترة الأولى بعد قيام إسرائيل والذي استمر حتى سنة 1966.
إن موضوع التغلب على نقاط الضعف البنيوي هذا ما زال سؤالاً مطروحاً على المستقبل، ويؤرق بعض القوى السياسية، لكنه لم يصل بعد إلى درجة تحقيق أي اختراق على صعيد تحويله إلى مطلب ملحّ يحتل مرتبة متقدمة في سلم أولويات الفلسطينيين في الداخل. لا ينفي هذا الكلام حقيقة أن المرحلة الحالية التي يعيش الفلسطينيون في مناطق 1948 في خضمها هي مرحلة انتقالية تشكل معبراً لخوض معركة مؤجلة دفاعاً عن الأرض وعن الهوية.
منذ صدور الملحق السابق، أي منذ شهر واحد، حدثت تفاعلات محلية مرتبطة بموضوع مصادرة آخر ما تبقى من أراض عربية خاصة في منطقة النقب وفقاً لقانون إسرائيلي جديد يجري العمل على سنّه الآن وبات يعرف باسم «قانون برافر»، وبكشف النقاب عن بلورة مخططات إسرائيلية لمشروعات جديدة تتعلق بتهويد منطقة الجليل، بما يوحي بأن ثمة احتمالاً بأن يتم تفعيل القوة الكامنة فرضاً. وفي موازاة ذلك، فإن هناك اهتماماً كبيراً بمساهمة الفلسطينيين في الداخل في حلّ القضية الفلسطينية، وذلك من طرف مجموعات تفكير ومراكز أبحاث تحاول أن تنقل أفكارها إلى أصحاب القرار وصناع الرأي العام. ولا شك في أن هذا الاهتمام من شأنه أن يضع مسألة استثمار القوة الكامنة للفلسطينيين في مناطق 1948 في السكة الصحيحة، وربما يتسبب باستثمارها فعلاً على المدى البعيد. وثمة من يتوقع أن يؤدي فشل المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية إلى إعطاء الفلسطينيين في الداخل مركز ثقل لم يحصلوا عليه أبداً في تاريخ القضية الفلسطينية، وذلك إلى ناحية تحديد معالم الحل المستقبلي للصراع المستمرّ منذ أكثر من مئة عام بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني.