| 

يضطر مئات الطلاب والطالبات المقدسيين يوميا إلى عبور الحواجز العسكرية الإسرائيلية المقامة على مداخل مدينة القدس الشرقية للوصول إلى مدارسهم في المدينة، غير أن ذلك لا يمثل الجزء الأصعب في العملية التعليمية في المدينة. ويقول مسؤولون فلسطينيون ومؤسسات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية إن مشاكل التعليم في المدينة تتفاوت ما بين نقص الغرف الصفية وتدني الظروف في كثير من الغرف الصفية القائمة، والتسرب من التعليم، وصولا إلى محاولة سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض المنهاج التعليمي على المدارس، لا سيما تلك التابعة لبلدية القدس الغربية.
ثمة خمسة أنواع من المدارس في القدس، وهي المدارس التابعة للبلدية وعددها 50 مدرسة وتعتبر الأكبر من بين المدارس في المدينة، والمدارس الخاصة وعددها 59 مدرسة، والمدارس غير الرسمية التي تعترف بها السلطات الإسرائيلية وتتلقى دعما ماليا من البلدية الإسرائيلية، ومدارس الأوقاف وعددها 38، إضافة إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وعددها 8 مدارس، وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة. وبحسب معطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (اوتشا)، فإنه من أصل 87624 طالبا في القدس الشرقية، فإن 42271 يرتادون المدارس التابعة للبلدية الإسرائيلية، و20 ألفا يرتادون المدارس الخاصة، و12253 تلميذا وتلميذة في مدارس تعمل تحت رعاية مشتركة ما بين وزارة الأوقاف الأردنية ووزارة التربية والتعليم الفلسطينية، إضافة إلى 2776 طالبا في المدارس التي تديرها «الأونروا».

أهداف ديموغرافية تمييزية

تقول جمعية حقوق المواطن في إسرائيل وجمعية «عير عاميم» الإسرائيلية إن عدد الغرف الناقصة في جهاز التعليم في القدس الشرقية يصل إلى نحو 1100 غرفة، تضاف إليها الغرف التدريسية التي يجب بناؤها لمصلحة الأولاد الذين يرتادون الآن أطر التعليم المعترف بها وغير الرسميّة القائمة في القدس الشرقية لعدم وجود مقاعد لهم في التعليم الرسمي. وعلى هذا النحو يصل عدد الغرف الناقصة إلى الضعفين وأكثر، ويصل إلى نحو 2200 غرفة حتى بعد إتمام بناء الغرف التدريسية المخطط لها لهذا العام، ومن المتوقع أن يشهد هذا الرقم مزيدا من الارتفاع عبر السنين نظرا للتكاثر الطبيعيّ الذي يقدر بنحو 3-4% في كل عام.
تعزو البلدية النقص في غرف التدريس إلى نقص في الأراضي في القدس الشرقية، وهو تفسير لا يمكن قبوله، إذ إن بلدية القدس (الغربية) تدعم بشكل مستمر مبادرات إسرائيلية للبناء اليهوديّ الإسرائيلي في القدس الشرقية على مساحات وأراض كان في الإمكان استغلالها لبناء مدارس إضافية للطلاب الفلسطينيين، وذلك يدلل على أن سياسة التخطيط في القدس الشرقية، لا سيما ما تشمله من مصادرات أراض لأغراض عامة، توظف بالأساس لخدمة أهداف ديموغرافية تمييزية، وبذلك تشكل سببا رئيسيا للنقص في غرف التدريس في القدس الشرقية.
يتفق حاتم عبد القادر، مسؤول ملف القدس في حركة فتح، مع ما ذهبت إليه مثل هذه المؤسسات الإسرائيلية، عندما يقول: إجراءات الاحتلال تعتبر العائق الأساسي أمام تطوير التعليم في القدس. حتى في مدارس البلدية، هناك تمييز عنصري ما بين المدارس في القدس الغربية والمدارس في القدس الشرقية، فمدارس القدس الغربية تتمتع ببيئة تعليمية تزيد 3 أضعاف عن المدارس التي تشرف عليها بلدية القدس الغربية في القدس الشرقية. وأضاف: كما أن البلدية ترفض إعطاء رخص جديدة لبناء غرف صفية، سواء في المدارس القائمة، أو بإضافة مدارس جديدة، وهذا يعتبر أحد العوائق الأساسية أمام العملية التعليمية. ويقول سليمان الربضي، مدير كلية «الفرير»: لا تكمن المشكلة في استحالة الحصول على رخصة بناء فحسب، بل في ارتفاع الرسوم المطلوبة لتقديم طلب للحصول على رخصة بناء أيضاً. وتحاول مدرسة «الفرير» الآن التقدم بطلب للحصول على رخصة بناء على قطعة أرض تملكها في بيت حنينا. وستصل المبالغ المطلوبة لهذا الغرض إلى 1,500,000 شيكل. إنّ المدارس التي تكافح أصلا من أجل توفير احتياجات الطلبة الأساسية، لا تستطيع إلا في ما ندر أن توفر مثل هذه المبالغ للإنفاق على رخص البناء. ولذا فإننا نضطر إلى الانشغال في جمع التبرعات، وهو أمر صعب للغاية، إذ إنّ التمويل المخصص للتعليم على المستوى الدولي ليس كبيرا. كما ان المانحين الدوليين يفضلون تمويل البرامج، التي تتمحور حول الديموقراطية والمساواة بين الجنسين، ويتجاهلون معظم الاحتياجات الأساسية للسكان، مثل التعليم.

التسرب ونقص الغرف الصفية

أشارت الأمم المتحدة إلى «أن هناك ما يتراوح بين 4,329 و5,300 تلميذ غير مسجلين في أي مؤسسة تعليمية، ويفشل العديد منهم في إكمال المرحلة الثانوية، مع معدل مرتفع في التسرب في مرحلة ما بعد الابتدائية في المدارس البلدية يقدر بنسبة 50 %». وأضافت: ساهم العدد المرتفع للطلبة غير المسجلين في أي فئة من فئات التعليم، أو الذين يتسربون من المدارس قبل إكمال المراحل التعليمية كافة، في وجود قطاع غير رسمي لعمل الأحداث، بالإضافة إلى حالات جنوح للأحداث، التي تجد تعبيرها في الإدمان على المخدرات والعنف. ويتفاقم هذا الوضع مع وجود إهمال عام للشبان في قطاع الرياضة، وفي القطاعات الثقافية والترفيهية، مع وجود قلة من الأندية والملاعب والمراكز الاجتماعية أو غيرها من المرافق الترفيهية المتاحة للشبان. ومع استمرار النقص الحاد في الغرف الصفية، يتم غالبا استيعاب التلاميذ في بيوت مستأجرة لا تفي بالمعايير التعليمية والصحية الأساسية وكثافة الطلبة في الغرف الصفية القائمة، أو استخدام نظام الفترتين في التعليم. وبدلا من أن تتحمل السلطات الإسرائيلية مسؤوليتها تجاه التدهور في الجهاز التعليمي، قالت الأمم المتحدة إنها «أنشأت في بعض مدارس الأوقاف، بسبب القيود المفروضة على التخطيط، مرافق دراسية ملحقة من دون الحصول على الرخص اللازمة، وبالتالي تسلمت بعض تلك المدارس أوامر هدم أو إغلاق لغرف صفيةّ ومختبرات ومرافق أخرى، مع فرض غرامات البناء غير القانوني على تلك المدارس». وعلى سبيل المثال فإن مدرسة دار الأيتام الأساسية في حي الثوري أقامت 4 غرف صفية إضافية بسبب نقص الغرف الصفية، فصدر عن محكمة إسرائيلية أمر بهدم هذه الغرف ودفع غرامة 56 ألف شيكل. أما مدرسة الفتاة اللاجئة في باب الزاهرة في القدس القديمة، فأقامت ملعبا ووحدة صحية على سطح الطابق العلوي من المبنى، فصدر عن محكمة إسرائيلية أمر بهدم هذه الإضافات ودفع غرامة 30 ألف شيكل!
والأمثلة كثيرة، ولعل أغربها أن مدرسة النبي صمويل الأساسية المشاركة أقامت مرحاضا بسبب الافتقار إلى مرافق صحية ملائمة في المدرسة، فما كان من محكمة إسرائيلية إلا أن أصدرت أمرا بهدم المرحاض.

محاولات ولكن!

في السنوات الأخيرة، برز عدد من المحاولات قامت بها السلطة الفلسطينية وصناديق دعم عربية وإسلامية لإقامة مدارس في المدينة، غير أن الكثير منها أخفق حتى الآن. وقال أحمد الرويضي، مستشار شؤون القدس في الرئاسة الفلسطينية: «نركز على شراء مدارس، ففي الفترة الأخيرة تم شراء 4 مدارس من خلال الصناديق العربية والإسلامية لمصلحة مؤسسات القدس». وأضاف: لدينا بعض المستثمرين والجهات المانحة العربية التي لديها الاستعداد لبناء المدارس في حال توافر التراخيص والمكان، ولكن في ظل القيود على التراخيص في القدس، فإننا نضغط باتجاه شراء عقارات وتحويلها إلى مدارس». وأضاف: كما أن هناك مبادرات لتحسين جودة التعليم في القدس الشرقية، منها صندوق فيصل الحسيني الذي استثمر منذ العام 2002 ستة ملايين دولار لإضافة غرف حاسوب، ومختبرات للعلوم، ومكتبات لمدارس قائمة، ولترميم مبان وملاعب وتأهيل المعلمين وإدارات المدارس، وهو ما استفادت منه ما يقرب من 20 مدرسة خاصةّ وتابعة للأوقاف الإسلامية. أضف إلى ذلك «مبادرة مدرستي»، وهي برنامج شامل يستهدف قطاع التعليم في القدس الشرقية، أقيم تحت رعاية ملكة الأردن، الملكة رانيا، وقد بدأ في نيسان 2010 ، في أعقاب الطلبات التي قدمتها المنظمات غير الحكومية والمؤسسات التعليمية لزيادة المساعدات المقدمة لقطاع التعليم في القدس. وتابع الرويضي: الزيادة في أعداد الطلبة لا يعيقها فقط النقص في أعداد المدارس، وإنما النقص في أعداد المعلمين أيضا. وتقول الأمم المتحدة: اعتبرت مشكلة نقص المعلمين المؤهلين والمتخصصين إحدى المشاكل الرئيسة في مجال التعليم. وبعد التقييم، تبين أن هنالك حاجة إلى مدرستين في العيسوية، ولذلك قررت الأوقاف الإسلامية في القدس فتح مدرستين ثانويتين، وتم إيجاد مبان ملائمة لاستئجارها ومن ثم بدأ العمل والترتيبات للعام الدراسي الجديد. ومع ذلك، لا يمكن العثور على معلمين متخصصين بشكل كاف لتغطية تخصصات مثل الرياضيات. ولم يكن من الممكن استقدام مدرسين من الضفة الغربية نظرا لصعوبة إصدار تصاريح لهم، ولذلك لم تفتح المدرستان أبوابهما بعد. وقال: إنّ أحد أسباب عدم وجود مدرسّين متخصصين هو الرواتب المنخفضة، وذلك مقارنة مع تلك التي تدفعها المدارس الأخرى. وكانت الأوقاف الإسلامية في القدس تحاول التغلب على هذه المشكلة عن طريق منح مكافأة للمعلمين في القدس. في البداية كان هذا المبلغ يصل إلى 500 شيكل شهرياً، رفُع في وقت لاحق إلى 1,000 شيكل، ويعمل الوقف جاهدا لزيادتها إلى 1,500 شيكل حاليا.

الجدار والحواجز

يشتكي المعلمون من سكان الضفة الغربية الذين كانوا يعملون في القدس قبل إقامة جدار الفصل العنصري من أن السلطات الإسرائيلية ترفض في غالبية الأحيان إصدار التصاريح التي تمكنهم من عبور الحواجز الإسرائيلية للوصول إلى المدينة. وحتى في حال حصولهم على هذه التصاريح، فإنهم يضطرون إلى مغادرة منازلهم في ساعات مبكرة من الصباح ليكون بإمكانهم الالتحاق بمدارسهم بعد اجتياز الحواجز الإسرائيلية. ولا تتوقف هذه المعاناة على المعلمين إذ يضطر المئات من الطلبة من حملة الهويات المقدسية الذين عزل جدار الفصل العنصري أحياءهـــــم عن المدينة، مثل كفر عقب ومخيم شعــــــفاط، لعــــــبور الحواجز العسكرية الإسرائيلية يوميا ذهابا إلى مدارسهم وايابا للـــعودة إلى منازلهم قبل أن يبدأوا في اليوم التالي رحلتهم من جديد.
حاولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 فرض مناهج تعليمية جديدة على مدارس المدينة، لكنها واجهت معارضة شديدة من أولياء الأمور والمعلمين، ما اضطرها إلى التراجع عن قرارها، غير أنها أعادت الكرة في مطلع العام الدراسي الحالي، وقد نجحت في بعض المدارس التابعة لبلدية القدس الغربية وسط مخاوف من أن تنجح في السنوات المقبلة في تعميم ذلك على المدارس الأخرى، لا سيما الخاصة، التي تتلقى الدعم المالي من البلدية الإسرائيلية.
لمواجهة الضغوط التي تمارسها بلدية القدس الغربية على المدارس لتدريس المنهاج الإسرائيلي أشار المهندس عدنان الحسيني، وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة إلى أن «الأمر يتطلب تخصيص موازنة تصل إلى تسعة عشر مليون دولار سنوياً: 13 مليون دولار للمدارس التي تحصل على تمويل من بلدية الاحتلال، وعددها 40 مدرسة، و6 ملايين دولار للمدارس التي لا تحصل على دعـــــم مالي من بلـــــــدية الاحتلال، وعددها 29 مدرسة، وذلك لتمكينها، من إعلان فك الارتـــــــباط عن المعارف الإسرائيلية، والحفاظ على استقلاليتها الإدارية والمالية، ولتعزيز صمودها في وجه المُعيقات الإسرائيلية المُتعددة».