| 

إعلان لحفلة تحييها أم كلثوم في مدينة القدس، وبالتحديد في إحدى دور السينما في ثلاثينيات القرن العشرين. الإعلان موجود في كتاب «القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية»، وهو مذكرات عازف العود الفلسطيني واصف جوهرية، الذي ولد في القدس في سنة 1897 وتوفي في بيروت في سنة 1973. في بيتٍ في شارع جاندارك في رأس بيروت، تذكر واصف جوهرية حفلة أم كلثوم وكتب الآتي: كان الإقبال عليها شديداً والقلم يعجز عن وصفه من جانب الأهلين، وكان الوقوف من الحضور يوازي الجالسين على المقاعد. وأصبح الجميع وكأنهم في غيبوبة من شدة الطرب، فقدروا حشمتها ورخامة صوتها كل التقدير. وكانت ليلة لأبناء مدينة بيت المقدس من ليالي العمر التي لم يسبق لها مثيل. تجلت كروانة الشرق وأبدعت أيما ابداع لما شاهدته من اصطفاء وتقدير وحب الشعب لها، الأمر الذي أفقدها وعيها حتى مزقت منديلها الذي كان بين يديها من شدة العواطف. وإني وغيري لن ننسى أغنيتها المحببة لها آنذاك ومطلعها «وحقك أنت المنى والطلب».
لعل هذا المشهد، وغيره قبل النكبة، وقبل النكسة، وقبل الانتفاضة الأولى، والانتفاضة الثانية، يدل على أن القدس تعيش اليوم حالة تبديد لهويتها الثقافية الأصلية، وتتكاثر الخطط الإسرائيلية التي تستهدف عزلها عن محيطها، لتهويدها ولإغراقها في بحر من الاستيطان.
الكاتب والقاص المقدسي محمود شقير، يقول: يذوي الحضور العربي الفلسطيني في المدينة جراء الحصار وخطط التهويد. وعلى الرغم من كثرة المؤتمرات التي تعقد باسمها، وعلى الرغم من الخطب الحماسية الكثيرة والشعارات، فإن المدينة تذوي، والنشاط الثقافي في حال لا تسر البال. وبينما القدس الشرقية تستغيث، تشهد القدس الغربية ازدهاراً غير مسبوق في شتى المجالات، وسلطات الاحتلال تريد ذلك وتسعى إليه. ويضيف شقير: لا أنكر أن ثمة محاولات للخروج من حال الموات الثقافي التي تعيشها القدس الآن، وأذكر في هذا المجال «ندوة السبت» التي ينظمها مركز القدس للموسيقى على نحو غير منتظم، حيث ينتظم شملها حيناً وتتبدد اجتماعاتها حيناً آخر، وندوة «اليوم السابع» التي ينظمها المسرح الوطني الفلسطيني في كل أسبوع، وعروض مسرح»سنابل» في النوادي وفي المدارس، ومعارض الفن التشكيلي والأفلام التي يقدمها «المعمل». وكذلك مهرجان القدس للموسيقى الذي تنظمه في موقع قبور السلاطين في كل سنة «مؤسسة يبوس للإنتاج الفني»، وتدعو إليه مغنين وفرقاً فنية فلسطينية وعربية وأجنبية، وهي التي بدأت تتوسع في نشاطها مؤخراً لتشمل أنماطاً ثقافية وفنية مختلفة عبر مركز يبوس الثقافي، إضافة إلى إصدار بعض الكتب التي تعنى بماضي القدس مثلما تعنى بحاضرها ومستقبلها.

مقارنــــة

يقول محمود شقير بأسى: إن نظرة سريعة على ما يصدره الإسرائيليون من كتب أدبية وبحوث ودراسات ووثائق وأفلام عن القدس، وما ينظمونه فيها من مهرجانات ثقافية وفنية وسياسية، مؤتمرات وندوات علمية واقتصادية، واستضافة مفكرين وكتاب وفنانين عالميين لزيارتها وللإقامة فيها بعض الوقت، تؤكد أن اهتمامهم بالمدينة يفوق اهتمامنا بها أضعافاً مضاعفة. ويضيف: قرأت أخيراً كتاب «القدس مدينة مرايا» للكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون مترجماً إلى الانكليزية، الذي يتحدث فيه عن القدس قديماً وحديثاً، ويستشهد بانطباعات عنها كتبها كُتّاب مثل هرمان ملفل الذي زارها العام 1857، وخورخي لويس بورخيس الذي زارها العام 1969، ويسعى إيلون جاهداً إلى تكريسها مدينة يهودية، ولا ينسى بين الحين والآخر أن يمر مروراً سريعاً بالحضور العربي الممتد فيها ماضياً وحاضراً من باب التظاهر بالموضوعية والإنصاف، حيث يصح القول إن ما أنجزناه نحن عن القدس، لم يسهم حتى الآن في إعطائها حقها باعتبارها مدينة فلسطينية كنعانية منذ خمسة آلاف سنة، ولم يسهم في التغلب على حال الإحباط التي تعزل أهلها عن النشاط الثقافي إلا في حالات قليلة.

مقارنة أخرى

يواصل شقير كلامه بالقول: الوضع الثقافي الراهن في القدس لا يقارن بما كان عليه قبل اتفاقية أوسلو، وقبل الانتفاضة الأولى. آنذاك، كانت الحركة المسرحية تشق طريقها بثبات، وكانت الندوات الثقافية والسياسية تستقطب جمهوراً غير قليل، علاوة على النخبة المثقفة التي كان لها حضور واضح في الندوات. وكانت «منشورات صلاح الدين» ناشطة في إصدار الكتب لأدباء فلسطينيين وعرب. ولو نظرنا إلى الوضع الثقافي في القدس قبل هزيمة حزيران 1967 فسوف نجد أن المدينة استعادت بعضا من حداثتها التي سحقتها نكبة 1948، إذ كانت تصدر فيها أربع صحف يومية، ومجلة ثقافية شهرية هي «الأفق الجديد» التي استقطبت أعدادًا غير قليلة من الكتاب الفلسطينيين والعرب. وكانت هناك أربع أو خمس مكتبات تبيع المجلات الثقافية والكتب الأدبية والفكرية الصادرة في بيروت والقاهرة. وكانت في القدس ثلاثة دور للسينما، تعرض فيها بانتظام أفلام مصرية وأجنبية. الآن، توجد دار واحدة لا تتسع إلا لعدد محدود من المشاهدين، أنشأها مؤخراً مركز يبوس الثقافي. وإذا استثنينا مقهى الكتاب الثقافي في شارع صلاح الدين، الذي يشتمل على جناح لبيع الكتب والمجلات، وكذلك مكتبة دار الجندي الواقعة في الرام، فلا يمكننا الكلام على مكتبات مكرسة لبيع الكتب مثلما كان الأمر في السابق. هناك عدد قليل من الأكشاك التي تبيع الصحف والمجلات وبعض الكتب، وهناك مكتبات تبيع القرطاسية، وتخصص في الوقت نفسه مساحات ضئيلة فيها لبيع كتب لا يقبل عليها إلا عدد محدود من المعنيين بالقراءة. ويمكن الاستمرار في المقارنة للقول: ثمة صحيفة يومية واحدة الآن بدلا من أربع، وثمة دار واحدة للنشر والتوزيع.
يتابع محمود شقير: الندوات الأدبية والفكرية ومعارض الفن التشكيلي لا تستقطب جمهورا واسعا، في حين تجتذب الأمسيات الغنائية وعروض الفن الشعبي جمهوراً أوسع، والأمر نفسه ينطبق على بعض العروض المسرحية. وعلى الرغم من كثرة المؤسسات الثقافية وتعدّد وجوه النشاط فيها، فثمة أزمة ثقافية في القدس ناجمة عن العزلة بين الثقافة والناس، ولهذه العزلة أسباب منها: الإحباط الناتج عن ركود الوضع السياسي وضبابيته، وتصاعد الخطط الإسرائيلية لتهويد المدينة، والحصار الذي يعزل المدينة عن محيطها، وسوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية فيها، وثقافة الاستهلاك التي تبثها محطات التلفزة وغيرها من وسائل الإعلام، وتسهم في تزييف وعي الناس.

ما بين الانكفاء والمبادرة

عن الأوضاع الثقافية والفنية في القدس، يقول الفنان المسرحي أحمد أبو سلعوم، مدير مسرح «سنابل»، وأحد المؤسسين في المسرح الفلسطيني: لا شيء يتغير للأفضل. منذ قرابة 15 عاماً والأمور تزداد سوءاً. فالمقدسيون والفلسطينيون، يفتقدون مكونات الحياة الجميلة على بساطتها، ويفتقدون الحياة الهادئة... «فش فلسطيني بيمر عليه يوم دون نكد». يكفي أن نفكر في الفلسطينييين الذين ابتلعهم البحر بسبب نيران عربية، وهم يهربون من حرب داخلية عربية عربية. لكن مع ذلك لا يعني هذا الأمر الانكفاء على الذات، وتبرير مثل هذا الانكفاء. ويضيف أبو سلعوم: قبل أيام كنا في قرية في النقب تدعى الأطرش. قدمنا عرضين أمام 1500 طالب وطالبة، وكانوا مشدوهين بما قدمنا، ومهتمين للغاية، وهذا ينطبق على ما حدث في جولات أخرى، فيما يأخذ أبو سلعوم على بعض المؤسسات تحولها من مؤسسات مبادرة وفاعلة إلى «مؤسسات متسولة».

محاولات مهمة

منذ 18 عاماً، تسعى مؤسسة «يبوس» إلى تنشيط الحياة الثقافية والفنية في القدس، ونجحت إلى حد كبير في ذلك، خاصة بعد إنشاء مركز يبوس الثقافي. وتقول مديرة المركز رانية الياس: مركز «يبوس» الثقافي هو أهم إنجاز للمؤسسة، فلم تكن لدينا سينما، ولا مركزاً ثقافياً يليق بالقدس، ولا قاعات عروض مجهزة لاستقطاب واستيعاب الجمهور. هذا المركز جاء بعد أربع سنوات من العمل، وتم افتتاحه قبل أكثر من عامين. قاعة السينما تستوعب 85 شخصاً، وقاعة العروض تستوعب قرابة 120 شخصاً، وصالون محمود درويش مخصص للمعارض، إضافة إلى المكتبة، ومكاتب المؤسسة، والهدف منه تنشيط الحراك الثقافي في القدس، علاوة على مهرجان القدس أو يبوس للثقافة والفنون الذي استقطب فرقا فنية فلسطينية وعربية وعالمية، ولم يخل من معوقات للاحتلال، وعلى رأسها مشكلات تصاريح الدخول سواء للفلسطينيين من الضفة الغربية، أو للعرب، والذين يتم التنسيق لدخولهم مع السلطة الفلسطينية ومؤسساتها ذات العلاقة.
تضيف رانيا الياس: الخناق والحصار يشتد علينا، من إغلاقات وحصارات عسكرية وجدار الفصل العنصري، علاوة على الاحتكاكات اليومية التي تحدث في القدس من سحب للهويات، وهدم للمنازل، وغيرها. نضالنا على الجانب الثقافي جزء من نضالنا العام. إذا فقد الفلسطيني، وبخاصة في القدس، هويته الثقافية، سيفقد كل شيء، سواء على صعيد العمارة (المباني التاريخية)، أو حتى على مستوى الشعر والأدب والموسيقى الملتزمة التي نقدمها في المهرجان الذي يهدف إلى تثبيت الهوية الفلسطينية وتلاقحها مع الثقافات الأخرى، مشيرة إلى أن الدعم المقدم للقدس عامة، وللمؤسسات الثقافية فيه على وجه الخصوص، متواضع للغاية، حتى من الجانب الفلسطيني، لاسيما القطاع الخاص منه، في الوقت الذي تستثمر فيه سلطات الاحتلال مبالغ كبيرة للغاية لإظهار ما تسميه الجانب الثقافي الإسرائيلي في القدس. «الاحتلال يستخدم الثقافة لترويج مقولاته الكاذبة، ويبذخ في ذلك، وفي المقابل هناك ضعف في الدعم الثقافي في الجانب الفلسطيني بشكل عام، وهذا ينطبق على مؤسسات القدس.

العاصمة الثقافية

في وقت كانت فيه القدس عاصمة للثقافة العربية العام 2009، ثم عاصمة أبدية للثقافة العربية بالتوأمة مع عواصم الثقافة العربية، لا تزال المدينة تعاني على المستوى الثقافي، على الرغم من محاولات «يبوس» والمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) و«سنابل»، وغيرها. ويقول الكاتب والروائي إبراهيم جوهر: على الرغم من جميع محاولات الاحتلال طمس هوية القدس، لا تزال هذه المدينة تحافظ على نبضها وروحها الثقافية. ما زال نفر من الناس يعملون للحفاظ على الروح الثقافية للقدس. القدس الآن بنظرة متفائلة فيها نبض من حياة، وبنظرة متشائمة فيها كثير من الاتشاح بالسواد، من حصار وألوان زرقاء وبيضاء وهجمات تهويدية ومحاولات لمصادرة الوعي، ومحاولة تشويه الإنسان الفلسطيني المقدسي بوعيه وثقافته وواقعه، والتضييق عليه حتى بسكنه، وليس صدفة أن يمنع مهرجان التسوق في القدس من قبل سلطات الاحتلال.

لعله حلاً

يخرج محمود شقير بحل يراه ممكناً، فيقول: بات من الضروري تحويل الثقافة الوطنية الديموقراطية إلى مكوّن أساسي من مكونات هوية القدس وهوية مواطنيها، لعلها تسهم في إعادة الحداثة المفقودة إلى العاصمة الفلسطينية التي نناضل من أجل تثبيتها واقعاً ملموساً، وإلى وعي مواطنيها، ما يجعل من الصعب على المحتلين ابتلاعها وإخضاع مواطنيها. ولكي تؤدي هذه الثقافة دورها على نحو أكمل، فعليها أن تكون قادرة على الوصول إلى العالم، لتقديم القدس إلى شعوب الأرض باعتبارها مدينة عربية فلسطينية ذات وجه حضاري إسلامي مسيحي.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.