| 

المشهد شبه اليومي لملاحقة طواقم بلدية القدس الغربية وعناصر الجيش والشرطة الإسرائيلية امرأة في ساحة باب العمود، وسط مدينة القدس الشرقية، لقيامها ببيع النعناع أو البرتقال، في وقت تتغاضى القوات الإسرائيلية ذاتها عن قيام شبان بالترويج للمخدرات في ساحة موقف الحافلات القريب.
يقول عصام جويحان، مدير الدائرة الاجتماعية في مؤسسة المقدسي لتنمية المجتمع: أجرت مؤسسات فلسطينية ودولية وإسرائيلة عدة دراسات في هذا الأمر، فجاءت الأرقام كبيرة جدا ولكنها متقاربة، وهي تشير بالإجمال إلى أن أعداد المدمنين تتفاوت ما بين 5 و6 آلاف مدمن، في حين أن أعداد المتعاطين تتراوح ما بين 11 و12 ألفا.
وأضاف جويحان الذي ينشط في متابعة هذه الظاهرة ومحاولة إيجاد الحلول للحد منها: «في العام الماضي تضاعف عدد الإناث اللواتي يتعاطين المخدرات. صحيح أن النسبة لم تصل إلى أكثر من 5% من أعداد المدمنين، ولكن، كمجتمع محافظ، فإن هذا مؤشر خطر».

سياسة إسرائيلية

استنادا إلى أحمد قريع «أبو علاء»، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومسؤول ملف القدس فيها، فإن المتهم الأول في اتساع ظاهرة تعاطي المخدرات في القدس هو الاحتلال الإسرائيلي. وقال: هناك أمراض اجتماعية عديدة وأضاف قريع: يستدل من بعض الدراسات والمؤشرات أن هذه الظاهرة تستفحل في أوساط الشبان، ولكن المعطيات تؤكد أن إسرائيل هي التي تشجعها، لأنها تسمح لهذه المادة أن تصل إلى الناس وتسمح لبعض التجمعات الشبابية بالترويج لهذه السموم.
يتفق عبد القادر الحسيني، مدير مؤسسة فيصل الحسيني، مع ما ذهب إليه قريع، فيقول: القدس هي أكثر مدينة مفتوحة على الطرف الآخر، ومتاح له أن يعمل بحرية بالاتجار بالمخدرات في مدينة القدس. وتساند المعطيات المتوافرة لدى الحسيني تلك الموجودة لدى جويحان، إذ يقول الأخير: المشكلة كبيرة لأن الظاهرة موجودة منذ سنوات طويلة، وكان هناك تراكم لعدد المتعاطين الذين يتجاوز عددهم 10 آلاف بحسب الإحصاءات الموجودة.

للعرب فقط!

يشير جويحان إلى أن القاعدة التي تحكم تجارة المخدرات في مدينة القدس هي أن المسموح بيعها من العرب وممنوع بيعها من اليهود». ويضيف جويحان: الاحتلال يريد أن يكون الناس منشغلين بهمومهم الخاصة، وأن لا يفكروا بأي أمر آخر مثل الوطن والهوية وإنهاء الاحتلال. هناك حرب غير تقليدية في القدس، لكن بسلاح غير تقليدي، ومن هذه الأسلحة، إضافة إلى هدم المنازل ومصادرة الأراضي والاستيطان والترحيل، المخدرات التي تنتشر بين الشبان، وإلا فماذا يعني أن تقوم قوات الاحتلال بملاحقة فلاحة تبيع الميرمية أو النعناع في ساحة باب العمود، في حين تمتنع عن ملاحقة مروج مخدرات؟ .

اعتقال مكافحي ترويج المخدرات!

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، شرع شبان من القوى الوطنية المختلفة بتشكيل فرق لملاحقة تجار المخدرات في القدس وضربهم لوقف هذه الظاهرة. آنذاك، استنتجت القوى الوطنية أن الاحتلال الإسرائيلي إنما يهدف من ترويج المخدرات إلى إبعاد الشبان عن المقاومة، وحاجة المتعاطين والمدمنين على المخدرات للحصول على معلومات عن ناشطي الانتفاضة. وكان رد الاحتلال الإسرائيلي على ضرب تجار المخدرات عنيفا، فراح يعتقل كثيرين منهم بذريعة التصدي لأخذ القانون باليد.
يقول جويحان: المخدرات مشكلة كبيرة تعانيها القدس أكثر من المناطق الأخرى في الأراضي الفلسطينية. وأعتقد أن عدم وجود مكافحة شرطية لتجارة المخدرات هي أحد الأسباب التي جعلتنا نرى تجار المخدرات يبيعون سمومهم بشكل علني في المدينة، وهم معروفون، وأماكن ترويجهم المخدرات معروفة، ولكن الشرطة الإسرائيلية لا تحرك ساكنا، وفي حال كان هناك تحرك من المواطنين لمحاولة صد هؤلاء المروجين فإن رد الشرطة الإسرائيلية يكون باعتقال هؤلاء الأشخاص بداعي التصدي لأخذ القانون باليد.

قوانين الاحتلال

تشجع القوانين الإسرائيلية بطريقة غير مباشرة، تعاطي المخدرات في القدس، ومن ذلك القانون الذي يسمح بمنح مخصصات شهرية لمدمني المخدرات. وإن كان يطبق على الإسرائيليين، فإنه، في ما يتعلق بالمقدسيين، يختلف، وهو أكثر قسوة ومكرا. ويرى جويحان أن إسرائيل تشجع الإدمان، من خلال الرواتب المدفوعة للمدمنين، وقال: وفقا للقانون الإسرائيلي، هناك لجنة في «تلبيوت»، وإذا ما ثبت لهذه اللجنة أن الشخص تناول الهيروين لمدة 3 أيام متواصلة فإنها تقرر صرف راتب شهري له بمعدل 2200 شيكل للأعزب، وما بين 4 و5 آلاف شيكل للمتزوج، ويزداد الرقم كلما كان لديه أولاد أكثر! ويشير جويحان إلى الفارق بين تطبيق هذا القانون على الإسرائيليين وبين تطبيقه على المقدسيين: في إسرائيل يمنحون هذا الراتب لكل من يثبت عليه الإدمان حتى لو كان الإدمان على الكحول أو على أي نوع من المخدرات، أما في ما يتعلق بالفلسطينيين في القدس الشرقية فلا يُمنح هذا الراتب إلا للمدمنين على الهيرويين! بعض الشبان يعتقد أن هذه هي طريقة سهلة للحصول على المال من دون عمل، ولكن المال يُصرف فقط إن ثبت أنك تناول الهيرويين 3 أيام متواصلة شهريا.

آفات اجتماعية

لا يمكن النظر إلى ظاهرة المخدرات في القدس بمعزل عن الإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس، إذ أن سياسة سحب الهويات والامتناع عن إصدار رخص البناء للمواطنين الفلسطينيين في القدس الشرقية، أديا إلى اكتظاظ عائلات كبيرة في مساحات صغيرة شكلت بدورها بؤرة لآفات اجتماعية عدة. وفي هذا الصدد، تشير المعطيات إلى أن المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان في القدس هي تلك التي تشهد أوسع انتشار للمخدرات، بالتعاطي أو التجارة. وقال جويحان: هناك مناطق موبوءة أكثر من غيرها، وأكثر المناطق انتشارا للمخدرات هي مخيم شعفاط وبلدة القدس القديمة. وفي الإجمال فإن اللجوء إلى المخدرات له أسباب اجتماعية وسياسية. وبحسب المعطيات، فان المناطق الأكثر تأثرا بالمخدرات هي الرام وضاحية البريد والعيزرية، وهي مناطق لجأ إليها كثيرون من أصحاب الهوية الزرقاء (المقدسية) بسبب انعدام أماكن السكن في مدينة القدس. ولا يعني هذا أن المخدرات مقصورة على الفقراء من أبناء المدينة، فهي تنتشر أيضا في صفوف الطبقة المتوسطة والأغنياء ولكنها أكثر انتشارا وأكثر ظهورا بين الفقراء. ومن المستجدات في السنوات الأخيرة هو انتشار المخدرات في صفوف الفتيات. ومستندا إلى شواهد عايشها مباشرة في القدس، قال جويحان: الظروف التي تدفع الفتيات إلى الإدمان تختلف عن الشبان، ونوع المخدر الذي تستخدمه الفتيات يختلف عما يتناوله الشبان، وهناك عدد من الفتيات يسئن استخدام بعض العقاقير التي تؤدي إلى النحافة، فهذه تحد من الشهية وتزيد من الحركة، وسوء استخدامها يؤدي إلى الإدمان وبالنهاية تبدأ بالبحث عن عقاقير أقوى وهنا تلجأ إلى المخدرات. وهناك فتيات «أسقطهن» شبان بهدف ممارسة الجنس معهن، ولاحقا تصبح الفتاة بحاجة إلى هذه المادة وتصبح ممارسة الجنس بالنسبة إليها أمرا عاديا للحصول على المخدر من هذا الشاب أو غيره.

* صحافي فلسطيني مقيم في القدس.