| 

في سنة 2006 أصدر رشيد الخالدي بالإنكليزية كتابه (The Iron Gage) الذي نال قدراً مهماً من الاهتمام في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأميركية. لا يتناول هذا الكتاب الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بوجوهه المتعددة، بل يقصر كلامه على أحد طرفي هذا الصراع وحده، أي على الفلسطينيين وعلى جهدهم المتمادي الذي بذلوه في الحصول على الاستقلال الوطني، ولماذا لم يتمكنوا من الوصول إلى استقلالهم على غرار بقية الشعوب المستعمرة. وهذه الدراسة تركز، إذاً، على فشل الفلسطينيين في إقامة دولة وطنية خاصة بهم، بينما نجح اليهود في تأسيس مثل هذه الدولة. غير أن المؤلف لم يرغب في مقارنة المجتمع الفلسطيني بالمجتمع اليهودي، بل رغب في مقارنته بالمجتمعات العربية المجاورة، فوجد أن المجتمع الفلسطيني كان متقدماً بالدرجة نفسها التي كان عليها جيرانه إن لم يتفوق عليهم. وكان للمجتمع الفلسطيني «شعور متطور للغاية» بهويته الوطنية منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي (ص 35ـ36)، ومع ذلك فشل المجتمع الفلسطيني في تحقيق طموحاته الوطنية، بينما تمكنت الشعوب المجاورة، بما في ذلك اليهود، من تحقيق تلك الطموحات.
يتعرض المؤلف بالنقد للرواية الفلسطينية عن النكبة التي تمادت في الادعاء بأن الفلسطينيين واجهوا قوة أقوى منهم بكثير، وأن الجيوش العربية تخاذلت، ولا سيما الجيش الأردني، الذي كان يقوده ضباط إنكليز متواطئون مع الصهيونية (ص 45)، ويتساءل: لماذا لم تكن هناك مقاومة أكثر تنسيقاً لمواجهة تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم؟ ولماذا فرّ 750 ألف فلسطيني خلال بضعة أشهر؟ وهذا الكتاب محاولة نقدية جادة لتعقب الأسباب العميقة لهذه الكارثة التي دعيت «النكبة».

بريطانيا والإخفاق الفلسطيني

يتساءل الكاتب عما حلّ بالمجتمع الفلسطيني المدني والقروي الذي انهار بسرعة أذهلت حتى الصهيونيين في ذلك الحين. وفي محاولة الإجابة ينقض الرواية الإسرائيلية التي طالما روّجت أن سبب فرار الفلسطينيين هو أنهم بدأوا حرباً ضد المجتمع اليهودي وخسروها، وأن الدول العربية قامت كذلك بالهجوم على الدولة الوليدة وخسرت الحرب. وأن رحيل الفلسطينيين كان النتيجة البدهية لهزيمتهم (ص 42). وفي هذا السياق رأى المؤلف أن أسباب الفشل الفلسطيني في ثورة 1936، ثم في قرار التقسيم سنة 1947، وكذلك في القتال العامين 1947 و1948، تعود إلى قبل ذلك بسنوات كثيرة، بل إلى بداية الانتداب البريطاني وإلى الشروط المجحفة التي وضعتها عصبة الأمم آنذاك.
ومن مفارقات هذه الشروط على سبيل المثال، أن فلسطين، وهي، كولاية عثمانية، كانت إسلامية على الغالب، لكنها وقعت تحت سيطرة دولة مسيحية كانت تريد إقامة وطن قومي يهودي فيها (ص 92). ولاحظ الكاتب كيف أن ثلاثة بلدان هي فلسطين وإيرلندا والهند وقعت جميعها تحت سيطرة الانتداب الإنكليزي، لكنها خضعت للتلاعب بالهويات الدينية، ثم للتقسيم بعد أحداث داخلية دامية (ص 89). ولاحظ أيضاً أن إنكلترا كانت تعتمد على بعض الجماعات المحلية لتنفيذ سياستها مثل السيخ والباتان في الهند، والجورغا في نيبال، وبدو الحجاز والشام في فلسطين والعراق. وخلص إلى الاستنتاج أن البريطانيين وضعوا الفلسطينيين في قفص حديدي، الأمر الذي منعهم من تطوير مؤسسات دولتية يمكنها أن تتحول إلى مؤسسات دولة.

فشل النخبة

لعل أبرز ما في هذا الكتاب هو دراسة أحوال النخبة السياسية الفلسطينية وانقساماتها. ويُقصد بالنخبة هنا «الوجهاء» الذين تصدروا الحياة السياسية في فلسطين في العهدين العثماني والبريطاني أمثال آل الحسيني والنشاشيبي والخالدي وعبد الهادي والعلمي... إلخ. ويستغرب الكاتب، بل يلقي بعض الظلال على كيفية اختيار المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل الحاج أمين الحسيني لمنصب الإفتاء، وهو، على صغر سنه، لم يتلق معارف دينية إلا لسنتين في الأزهر، ولم تكن له حماسة دينية، بل كانت له خلفية علمانية عندما خدم ضابطاً في الجيش العثماني، وتولى مسؤوليات مدنية في حكومة فيصل في دمشق (ص 196 ـ 197). ويعتقد المؤلف أن اختيار الحاج أمين الحسيني لمنصب الإفتاء كان القصد منه إضعاف موقع موسى كاظم الحسيني الذي عُزل من رئاسة بلدية القدس بعد صدامات موسم النبي موسى بين العرب واليهود في سنة 1920، وعُيّن، بدلاً منه، راغب النشاشيبي (ص 99). وسلّط المؤلف الضوء على براعة الحاج أمين في استخدام المؤسسة الدينية التي تسلم قيادتها لبناء قاعدة شعبية واسعة من الأتباع التقليديين لعائلة الحسيني، ومن الوطنيين الذين رأوا فيه زعيماً لحركتهم، ومن المنتفعين من شبكة المصالح التي كان يسيطر عليها، وذلك كله كان معاكساً لما جرى في الدول العربية التي بنى الزعماء حضورهم في سياق تأسيس أحزاب علمانية مثل سعد زغلول وحزب الوفد في مصر، وشكري القوتلي والكتلة الوطنية وأيضاً حزب الشعب وعبد الرحمن الشهبندر في سوريا... وهكذا (ص 100 ـ 101).
يعتقد رشيد الخالدي أن «حل الدولتين» قد فشل، ويتوقع أن تتدافع الأمور، بقوة الأمر الواقع، نحو «حل الدولة الواحدة» تحت حكم إسرائيل، لأن «من المستحيل إبقاء شعبين في بلد صغير منفصلين، أو إبقاء ذلك الكيان تحت حكم اليهود مثلما تبيّن في النهاية أن من المستحيل إبقاء جنوب أفريقيا تحت حكم البيض» (ص 251). ولنا في هذا الشأن رأي. لنتساءل قبل أن نجيب: هل «حل الدولة الواحدة» سينشأ نتيجة التفاوض بين الفلسطينيين وإسرائيل، أم نتيجة الكفاح المتواصل سياسياً وعسكرياً؟ فإذا كان البعض يعتقد أن «حل الدولة الواحدة» يمكن أن ينشأ نتيجة التفاوض، وجراء اقتناع الطرفين وقبولهما بهذا الحل فهو ساذج وأمي وبلا خبرة سياسية على الإطلاق. أما إذا كان المقصود إليه التوصل إلى هذا الحل من خلال مسيرة طويلة من الكفاح السياسي والعسكري، والتفاوض في الوقت نفسه، فإن الحل الممكن، في هذا السياق، هو «حل الدولتين» الذي، وإن لم يتحقق حتى الآن، إلا أنه ما زال يُعتبر الحل الوحيد الواقعي والقابل للتحقق، حتى لو لم يكن هو الحل التاريخي العادل.

صدرت الترجمة العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت سنة 2008 (ترجمة هشام عبد الله).