| 

تحتاج الإجابة عن أسباب إخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيق طموحها في التحرر الوطني إلى معالجة تاريخية سوسيولوجية تأخذ في الاعتبار ما تعرض له المجتمع الفلسطيني ذو التكوين الفلاحي في معظمه وسمات قيادته الطبقية والسياسية، من استعمار مزدوج (بريطاني وصهيوني) بحوزته أحدث - بقياسات العصر آنذاك - أدوات السيطرة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. لم تتعرض بقية شعوب المنطقة لحركة استعمارية استيطانية ذات أيديولوجية تتبنى أسطورة دينية، مدعمة من مراكز الإمبريالية العالمية. وهذه الحال ما زالت قائمة حتى اللحظة بعد أن نجحت الحركة الصهيونية في إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين.
تحصر هذه المقالة مجالها الزمني في حيثيات تفكك الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة كما مثلتها منظمة التحرير الفلسطينية. لقد شكلت الحركة الوطنية الفلسطينية كما تبلورت في أواخر الستينيات حالة نهوض وطني نوعية، أكان ذلك على صعيد تجديد الهوية الوطنية الفلسطينية وإكسابها بعدا كفاحيا من خلال تحويل مخيمات اللجوء إلى مواقع للنضال التحرري، أم على صعيد توفير بنية فوقية توفر صلات بين تجمعات الشعب الفلسطيني المختلفة. لكن الظروف المحيطة بنشأة منظمة التحرير بفصائلها المتعددة وأطرها الجماهيرية والمهنية ولدت مكامن ضعف وخلل تجلت في الرهان على استخدام اتفاق أوسلو - على الرغم من خلله البنيوي - كطريق يوصل إلى دولة مستقلة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، دون التفريط بحق العودة. من أبرز مشكلات اتفاق أوسلو إعلانه أن قيادة منظمة التحرير ما عادت معنية بمصير الأقلية الفلسطينية العربية في إسرائيل، وما كشفه من استعداد على المساومة على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وتحديدا حق العودة، ومن حصر اهتمامها في بناء رموز (لا مكونات) الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لم يوقف قيام سلطة الحكم الذاتي في العام 1994 إسرائيل عن الاستمرار في سياستها الاستيطانية، إذ واصلت توسعها الاستيطاني وفي تقطيع أوصال الضفة الغربية عبر تصنيفها إلى مناطق «أ»، و«ب» و«ج» وفق طبيعة سيطرتها على جميع هذه المناطق، وعبر بناء الطرق الالتفافية، وإقامة الحواجز العسكرية، وتشييد جدارها العازل، والمحافظة على سيطرتها على المعابر والموارد الطبيعية وتقويض إمكانية نمو اقتصاد فلسطيني غير تابع، بالإضافة إلى فرض القيود على حرية حركة الأفراد والسلع الفلسطينية، ومواصلة تهويد مدينة القدس وضم الأغوار، وعزل الضفة عن قطاع غزة وفرض الحصار التام عليه لاحقا. كل هذا تم بإسناد من الولايات المتحدة، وبتواطؤ الدول الأوروبية، وبتجاهل من الأنظمة العربية، ووقوف مؤسسات الأمم المتحدة موقف المتفرج من خرق حقوق الشعب الفلسطيني.
استخدمت إسرائيل اتفاق أوسلو للتحرر من أعباء الاحتلال ووضعها على كاهل سلطة الحكم الذاتي، وقامت بحرف الصراع من صراع ضد استعمار استيطاني عنصري إلى صراع على حدود المعازل (البانتوستانات) التي تديرها سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات. لم يبق بعد عشرين عاما على اتفاق أوسلو من منظمة التحرير إلا اسمها بعد أن ابتلعتها سلطة الحكم الذاتي. وهي سلطة ما لبثت أن انشطرت، عام 2007، إلى سلطتين متنافستين؛ إحداها في الضفة الغربية (مجزأة إلى معازل) تديرها حركة «فتح»، والثانية في قطاع غزة تديرها حركة «حماس» بعدما تحولت بفعل الحصار إلى معتقل وغيتو لمليون وسبعمائة ألف إنسان.
المفاوضات الثنائية الجارية الآن بشروطها المعروفة هي خير دليل على إخفاق الحركة السياسية الفلسطينية (وحركة التحرر العربية) في إنجاز ما قامت من أجله. ويزيد من حدة هذا الإخفاق الفشل في إنهاء الانقسام السياسي- الجغرافي وتوحيد الحركة الوطنية الفلسطينية وفق إستراتيجية مجابهة للدولة الاستعمارية الاستيطانية. لقد نمت تحت سلطة الحكومتين أدوات سيطرة التنظيم الواحد على الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية في كل من الضفة وقطاع غزة، الأمر الذي ساهم في توليد حواجز جديدة بين تجمعات الشعب الفلسطيني.
بعد هزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية (ومعها حركة التحرر العربية) في العام 1948، نمت أشكال تجديد متعددة للهوية الوطنية بين التجمعات الفلسطينية (داخل فلسطين وخارجها) كتفاعل مع حالة التشريد والتطهير العرقي والتمييز والإلحاق والحرمان التي باتت تعيشها التجمعات الفلسطينية المختلفة. وشكل هذا التجديد للهوية الفلسطينية محركا لبناء حركة تحرر وطني جديدة تجسدت في مؤسسات منظمة التحرير الجديدة وميثاقها وأطرها كما تبلورت في أواخر ستينيات القرن الماضي.
اعتمدت منظمة التحرير وفصائلها، في نهوضها، أساسا، على أبناء المخيمات الفلسطينية المحيطة بفلسطين التاريخية، وعلى رفع شعار الكفاح المسلح كوسيلة للتحرير. لكن شرط الجغرافيا السياسية المتولدة عن النكبة، ثم عن احتلال كل فلسطين في العام 1967، فرض على المنظمة إقامة مؤسساتها ومقارها العلنية خارج فلسطين بعد فشلها في توليد بؤر للمقاومة المسلحة المستدامة من داخل فلسطين. وساهمت الأوضاع الإقليمية والدولية وكون قضية الشعب الفلسطيني قضية تحرر وطني في منح المنظمة اعترافا عربيا ودوليا كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني كما جرى في قمة الرباط العربية في العام 1974، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث منحت صفة المراقب في العام نفسه. كما باتت الغالبية الساحقة من أبناء التجمعات الفلسطينية تنظر للمنظمة باعتبارها ممثلها الشرعي والوحيد. ساهمت في هذا الوضع معركة الكرامة في آذار العام 1968 وتوصل فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة لعقد سياسي وطني شمل تمثيل جميع الفصائل في مؤسسات المنظمة السياسية والجماهيرية وفق نظام «كوتا» منح حركة «فتح» (باعتبارها الحركة الأكبر) حصة «النصف زائدا واحدا».

علاقة بين مركز وأطراف

اعتبرت قيادة منظمة التحرير نفسها الموجه السياسي لمكونات الشعب الفلسطيني المختلفة، بما فيها التجمعات التي ليس للمنظمة فيها امتدادات تنظيمية وسياسية مباشرة. وشاع هذا المفهوم لدى فصائل المنظمة، حيت تولت قياداتها الحزبية (المكاتب السياسية) عملية اتخاذ القرار السياسي والعسكري والتنظيمي والمالي والإعلامي لكل تنظيماتها (في الأطراف) بغض النظر عن مكان تواجد هذه القيادات، وكذلك بغض النظر عن طبيعة المهام التي على «الأطراف» الاضطلاع بها، وبمدى إلمام القيادات بأوضاع وظروف «الأطراف» (أي التجمعات الفلسطينية المختلفة).
هذا المفهوم تمأسس في بنية علاقة بين مركز يتولى اتخاذ القرار، وأطراف تتولى تنفيذ قرارات هذا المركز. لكن الشرط الفلسطيني تطلب علاقة مختلفة تماما؛ علاقة تقوم على مراكز متعددة تتوزع المهام الوطنية والاجتماعية والثقافية في ما بينها وفق ظروف وشروط كل تجمع لكن في إطار ميثاق جامع وقيادة دورها محدد بتمثيل كل مكونات الشعب الفلسطيني سياسيا ودبلوماسيا. وهذا الأمر تطلّب رؤية لا تقتصر على مفهوم مصالح كل تجمع، بل تشمل بالضرورة النضال من أجل الحقوق الوطنية (التاريخية والمدنية الراهنة). ولأن مركز منظمة التحرير وفصائلها (باستثناء الحزب الشيوعي) أقيم خارج فلسطين المحتلة وخارج الأردن (بعد العام 1971)، فقد بقي المركز بعيدا عن معرفة دقيقة لمشكلات التجمعات الفلسطينية الأكبر حجما والأعقد ظروفا وبعيدا عن معرفة التحولات الجارية فيها. بتعبير آخر، بعد خروج المنظمة وفصائلها من الأردن (ولاحقا من لبنان) بات المركز السياسي (وهو أيضا المركز التنظيمي والمالي) يعيش عزلة عن واقع مكونات الشعب الفلسطيني الكبرى، ووجد نفسه تحت وطأة ضغوط الدول التي يقيم فيها ويقيم علاقات معها، وأسيرا لشروط لدعم المالي الخارجي.
لم تدرك القيادة السياسية الفلسطينية أن خصوصية الشرط الفلسطيني (بل الشرط العام لممارسة السياسة في جميع الأحوال) استدعت أن لا تكون السياسة حكرا على نخبة معزولة عن جمهورها. لم ترَ أن السياسة هي، في الجوهر، من فعل الناس اليومي الذي تستدعيه ظروف وقيود حياتهم حيث تجمعاتهم. إنها ممارسة يومية تتم بواسطة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني (من اتحادات ونقابات عمالية ومهنية) والحركات الاجتماعية والجمعيات الطوعية. وهي ممارسة تسيرها مصالح وحقوق وطموحات بشر في مواقع حياتهم اليومية غير المعزولة عن تجربتهم وعلاقاتهم وذاكرتهم الفردية والجمعية، وهي ممارسة تسيرها مصالح وحقوق الناس، بما فيها حقوقهم في تقرير المصير وفي المشاركة بصنع مستقبلهم. هذا الفهم للسياسة هو الذي ساد بين النخب السياسية العربية ونخب الدول الاشتراكية، وهو الفهم الممارس للديموقراطية في الدول الغربية في جميع الأحوال.
فلسطينيا، ظهر نموذج مغاير للممارسة السياسة كفعل شعبي منظم ومبادر ومتعدد الأشكال في الانتفاضة الأولى، ولكن بدلا من أن تلتقط القيادة السياسية الفلسطينية المتمركزة في «الخارج» الآفاق الرحبة التي يفتحها هذا النموذج، رأته كتحد لها وعملت على تقويضه بإصدار الأوامر والتعليمات إلى القيادة الموحدة للانتفاضة التي ولدت على الأرض في الضفة والقطاع.

السمية الريعية

ساهم في توطيد هذا الفهم لممارسة السياسة السمة الريعية التي طغت على فعل مؤسسات المنظمة وفصائلها المتولدة عن الاعتماد على مساعدات من الدول العربية (وجميعها كانت بلدانا ذات أنظمة استبدادية) والبلدان الاشتراكية التي مارست مركزية شديدة تحت سيطرة الحزب الواحد المهيمن على المجتمع والدولة. وساهم في تكريسه العسكرة المبكرة للمنظمة وفصائلها بفعل ظروف موضوعية عدة (منها طبيعة العدو الذي تواجهه، وتورطها في صراعات مع أنظمة عربية رأت في وجود المنظمة معطلا لسيطرتها الأمنية على مجتمعها)، والتحول من مجموعات فدائية صغيرة إلى كتائب عسكرية تقوم على الأوامرية التراتبية. ودعم الاتجاه نفسه «بقرطة» المنظمة وفصائلها جراء إثقالها بآلاف المتفرغين.
ورثت السلطة الفلسطينية هذه السمات من المنظمة: فهي (بشقيها في الضفة والقطاع) تئن تحت وطأة سمتها الريعية (الاعتماد على المساعدات والتحويلات الخارجية)، وتحت ثقل تكوينها البيروقراطي (تضخم الأجهزة البيروقراطية في السلطة الفلسطينية) والعسكرة الموجهة داخليا بعد مأسسة أجهزة أمنية موجهة للسيطرة الداخلية.
لم تستطع منظمة التحرير تجاوز محددات الجغرافيا السياسية في إدارتها للصراع مع الدولة الاستعمارية الاستيطانية، ولا تحييد ضغوط وقيود الأنظمة العربية، حيث أقامت وفصائلها مؤسساتها ومراكزها القيادية، ولا تخطي مفاهيم وتقاليد الممارسات السياسية السائدة عربيا وفي المعسكر الاشتراكي. ولذا لم تكن المنظمة مهيأة للنجاة من آثار انهيار النظام العربي الإقليمي والدولي في أواخر عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات. لذلك اعتقدت قيادة المنظمة بأن لا خيار أمامها سوى اتفاق أوسلو والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود مقابل اعتراف إسرائيل بها كممثل للشعب الفلسطيني لا بحقوق الشعب الفلسطينية الوطنية. والآن يجد الشعب الفلسطيني نفسه يقيم في تجمعات معزولة جغرافيا وسياسيا ومؤسساتيا عن بعضها البعض من دون مركز سياسي، ولا مرجعية سياسية موحدة، ولا مؤسسات وطنية جامعة، ولا رؤية سياسية موحدة، ولا استراتيجية متكاملة تحظى بالإجماع عليها.
أمام هذا الوضع، حيث يعيش الشعب الفلسطيني أجواء مشابهة لتلك التي تلت نكبة العام 1948، فالرهان هو على ما سيتولد عن المخاض الذي تعيشه الحركة الوطنية الفلسطينية، والذي سيتولد عنه حركة تحرر وطني جديدة متناغمة مع مخاض حركة تحرر عربية جديدة، ومع الحراكات المعادية للعولمة الرأسمالية العالمية المتوحشة.

* باحث وعالم اجتماع فلسطيني مقيم في رام الله.