| 

جميع ثورات التحرر الوطني في العالم تمكنت من طرد المستعمر ونالت استقلالها. هذا ما حصل في الجزائر وفيتنام ودول أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. والثورات المعادية للعنصرية استطاعت أيضاً أن تلغي نظام الفصل العنصري وأن تؤسس دولة غير عنصرية مثل جنوب أفريقيا وروديسيا التي صار اسمها زيمبابوي.
أما في فلسطين فقد أخلف التاريخ وعده بعد 65 سنة على النكبة. بعد النكبة كان السؤال: لماذا هُزمنا؟ وصار السؤال بعد انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني في سنة 1965: كيف ننتصر؟ والأجوبة كانت كثيرة. «فتح» كانت تقول إن الشعب الفلسطيني لا يستطيع أن ينتصر وحده... إنه رأس الحربة فحسب، أما مهمة التحرير فهي مهمة العرب جميعهم. وكان القوميون العرب يجادلون: الوحدة طريق التحرير، وكانت «فتح» ترد: التحرير طريق الوحدة. وفي خضم هذه المجادلات الفكرية والسياسية، وفي سياق اختبار هذه الأفكار، لم يتمكن الفلسطينيون من تحرير بلدهم ولم يتمكنوا من تأسيس دولة ذات سيادة حتى حين قبلوا أن يقتسموا وطنهم التاريخي مع المحتل الإسرائيلي.
هل هناك علة في الشعب الفلسطيني، أم أن ثمة اعتلالاً مزمناً في الأمة العربية، أم أن هناك أسباباً غير هذا وذاك؟
القضية الفلسطينية، في الأساس، هي حركة تحرر وطني، وهي نتاج مباشر للصراع بين السكان الأصليين العرب في فلسطين، وحركة استعمارية استيطانية تعرّف نفسها حركة قومية، وتمارس الاستيطان كعملية من عمليات بناء «الأمة الإسرائيلية» وتأسيس الدولة اليهودية. وقضية فلسطين ليست بهذا المعنى، مثل بقية حركات التحرر الوطني العالمية، بل إنها واقعة جغرافياً بين المسألة اليهودية والنفط. وفي هذا المسرح المشتعل هناك مصالح عالمية هائلة ومتشابكة وخطيرة جداً، وعليها تدور معارك شرسة، باردة وحارة.
الآن، بعد 65 سنة على النكبة، ما هي رؤية الفلسطينيين لقضيتهم؟ وكيف ترى إسرائيل نفسها بعد هذا الزمان الممتد؟
الخطاب العام الإسرائيلي هو خطاب الافتخار والجبروت والاعتزاز بما حققه اليهود من إنجازات رسخت وجود إسرائيل. لكن هذا الخطاب يخفي خطاباً آخر وهو خطاب يتسربل بالخوف من الزوال في يوم من الأيام. ومن الواضح أن الخطاب الإسرائيلي التقليدي والشائع ما زال هو هو، أي خطاب الضحية والبطل. الضحية هي الشعب اليهودي في مواجهة النازية ثم في مواجهة العرب، والبطل هو الشعب اليهودي أيضاً الذي تمكن من البقاء طوال هذه الفترة كلها.
في جانب آخر راح الخطاب الحقوقي الفلسطيني يحل محل الخطاب السياسي رويداً رويداً. و«استبسل» بعض المفاوضين الجدد ومعهم جمهرة من الباحثين في تحويل عملية التحرر الوطني إلى مجرد مطالب حقوقية، أو جرى صوغ الأهداف الوطنية بلغة حقوقية متحذلقة وشبه محايدة. وهكذا صرنا نقرأ عبارة «تحت ظروف قاهرة» بدلاً من «الاحتلال»، وصيغة الإفراط في استخدام العنف بدلاً من «القمع» على طريقة لغة منظمات الأمم المتحدة. وهذه اللغة، وتلك الصياغات، لا ترى الفارق السياسي بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، ولم تكتشف أن مطالبة إسرائيل باحترام قرارات الشرعية الدولية إنما هو اعتراف بشرعية إسرائيل نفسها. وصار هذا الخطاب الذي يناشد الرأي العام العالمي الضغط على إسرائيل كي تحترم حقوق الإنسان جزءاً من صناعة القضية الفلسطينية. وهذا الأمر منح إسرائيل القدرة على إجراء مقارنات قوية بين حقوق الفلسطينيين تحت الاحتلال وحقوقهم في الدول العربية، وهي مقارنات تصب في المحصلة الأخيرة، في مصلحة إسرائيل.
أما رؤية بعض الفلسطينيين، وأشدد على كلمة بعض، فإنها في خضم هذه التحولات العربية الماثلة أمام أعيننا، باتت ترى أن اتفاق أوسلو هو نهاية المطاف في النضال الفلسطيني، وأن من غير الممكن الحصول على أفضل ما أمكن الحصول عليه، وأن النضال الفلسطيني يجب أن يتركز فقط على السعي لانتزاع ما منحنا إياه هذا الاتفاق. وهذه النظرة يشوبها، أحياناً، الغرام بالمحتل الذي بات مثالاً للتقدم والحداثة والإدارة العصرية والسياسة المحنّكة... إلخ. حتى أن البعض راح يتأثر، ولو جزئياً، بالرواية الإسرائيلية لاحتلال فلسطين. وبدهي أن قبول الفلسطينيين بحل المسألة اليهودية في فلسطين التاريخية على أساس دولتين أم دولة واحدة، يعني أن الطرف الفلسطيني قد قبل بأن يكون هذا الحل على حساب فلسطين، أي على أرضه، أي قبول ما فرضته 65 سنة من تغيرات في الديموغرافيا والطبوغرافيا.
ومع ذلك ماذا يناقش الفلسطينيون اليوم مقارنة بما كانوا يناقشونه قبل 65 سنة؛ إنهم يتحدثون باستمرار عن المفاوضات والمصالحة الوطنية وتفعيل «م.ت.ف» أو إعادة بنائها، وعن التهدئة العسكرية وفتح المعابر، والوساطة المصرية والوساطة القطرية والإفراج عن الأسرى... إلخ.
ولعل ما يثير الدهشة أحياناً أن التفاعلات العربية لم تصل إلى فلسطين إلا بصورة مجادلات سياسية وفكرية تعكس أهواء الناس أكثر مما تعكس تفكيراً جدياً في الاحتمالات التي يمكن أن تفتحها التطورات العربية. ولم تتضح، حتى اليوم، الفضاءات الاستراتيجية الممكنة أمام الشعب الفلسطيني، لأن الواقع الراهن سديمي ومتسربل بالغموض وعدم اليقين. والخيارات العملية المتاحة أمام القوى السياسية في فلسطين محدودة جداً، لأن السياسات الفلسطينية المختلفة قائمة على الفشل. فقد فشل اتفاق أوسلو فشلاً ذريعاً، وتحولت السلطة الفلسطينية جراء ذلك إلى إدارة ذاتية محدودة الصلاحية. وبعد عشرين سنة على اتفاق أوسلو فشل الفلسطينيون في تطوير أدوات نضالية جديدة تتيح لهم انتزاع دولة مستقلة. وفشل الفلسطينيون كذلك في تطوير السلطة الفلسطينية بحيث تفرض هذه السلطة نفسها على العالم كدولة بالقوة بانتظار أن تصبح دولة بالفعل. لهذا صارت السياسة العامة الفلسطينية، أكانت سياسة السلطة أم سياسات الفصائل، سياسة انتظارية تترقب ما سينقشع عنه الوضع العربي.