| 

فيما يطوي العام 2013 أيامه الأخيرة، يرى خبراء ومختصون في شؤون الاستيطان والتطهير العرقي أن ما تمارسه إسرائيل في القدس، وبحق سكانها المقدسيين، أمر غير جديد أو مستجدّ، مشيرين إلى ما أسموه استراتيجية تنفذها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ احتلال المدينة المقدسة العام 67 وحتى الآن، حيث كان أول ما قامت به عقب احتلال تلك المدينة هدم أحياء بكاملها في البلدة القديمة، مثل حارة المغاربة وحارة الشرف، وطرد الآلاف من سكانها، عبر تطبيق سياسة ما يعرف بـ«الطرد الصامت» أو إثبات الإقامة، وهي سياسة بدأتها في منتصف الثمانينيات وبلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي، وتواصلت بعد ذلك حتى اليوم.
لخليل تفكجي، خبير الجغرافيا الفلسطيني، رأي فيما يتردّد في الإعلام الفلسطيني والعربي من تصعيد إسرائيلي في النشاط الاستيطاني في القدس، حيث يرفض ما يُقال في هذا الشأن، معتبراً أن الجديد في كل ما ينشر هو الإعلان عن مشاريع استيطان جديدة فحسب، علماً أن تلك المشاريع كانت طرحت قبل سنوات طويلة، وحان الوقت لإشهارها على الملأ وفق التوقيت الاسرائيلي الملائم. ويقول تفكجي: في اعتقادي ليس هناك تصعيد، بل هي استراتيجية موضوعة منذ العام 1994 لمدينة القدس، كان شرع بتطبيقها في العام 1975 في الضفة الغربية، لكن الجانب الإسرائيلي يستغل الظروف المواتية له لرفع نسب المصادقة على هذه المخططات أو التقليل منها. فعلى سبيل المثال، عندما نلاحظ أن الجانب الإسرائيلي يقول إنه جمّد الاستيطان، فإنه عملياً لا يجمّده بمقدار ما أن عملية التصديق على المخططات تستغرق وقتاً حتى يصدق عليها قانونياً، وعندما تنتهي فترة التجميد تكون هذه المخططات جاهزة لطرح العطاءات ولعملية البناء. وبالتالي، فإن قوام استراتيجية إسرائيل، هي أن الضفة الغربية عبارة عن أراضٍ محتلة من قبل الفلسطينيين، والاستيطان في القدس كالبناء في تل أبيب، في حين أن الاستيطان في الضفة، هو استيطان توراتي! ويشير إلى أنه في فترة العملية السياسية والتفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تكثفت عملية الاستيطان والتوسّع أكثر مما كان عليه قبل تلك العملية، بدليل أن عدد المستوطنين كان 105 آلاف في العام 1991، في حين نتكلم اليوم على 380 ألف مستوطن في الضفة الغربية، عدا عن 200 ألف موجودين في القدس.

ماذا تبقى؟!

ماذا أبقى الاستيطان من أراضٍ للفلسطينيين؟ يجيب تفكجي عن ذلك بالقول: إذا أخرجنا الـ72 كم مربع من القدس، والتي تشمل توسعتها في العام 1967، ثم أخرجنا 58 كيلو متراً من منطقة اللطرون والمنطقة الحرام، و200 كيلو متر من مساحة البحر الميت، وحوالي 27% من مساحة الضفة الغربية والمعابر، أي حوالي مليون ونصف مليون دونم من أراضي الضفة الغربية، وكذلك المجال الحيوي للمستوطنات الذي يعادل حوالي 58% من مساحة الضفة، فإن ما تبقى للجانب الفلسطيني هو 42%، أو أقل من ذلك، والتي تعادل حوالي 2000 كم مربع، أي حوالي مليوني دونم، وهي مساحة الأراضي التي تشمل منطقتي (أ وب)، أي المناطق التي تتوسع فيها إسرائيل لمصلحة المستوطنات والشوارع. بعبارة أخرى، فإن نسبة الـ 42% تتآكل هي الأخرى. ويضيف: إن جزءاً كبيراً من الحصار المفروض على البناء الفلسطيني في القدس، تم بفعل مصادرة إسرائيل مساحات واسعة من القدس، أي أن حوالي 87% من مساحة المدينة باتت تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، ولم يتبق للفلسطينيين إلا 13%، وجزء من الـ13% لا نستطيع استغلاله نتيجة للإرث وغير ذلك، وجزء آخر من هذه المساحة المتبقية إذا فعّلت إسرائيل «قانون أملاك الغائبين» يمكن أن ينخفض إلى النصف.

مخطط 2020

في ما يتعلق بالاستيطان داخل البلدة القديمة، واستهداف المسجد الاقصى، يقول تفكجي: ما يجرى داخل البلدة القديمة هو جزء من مخطط يرتكز إلى وجود أقلية عربية داخل البلدة القديمة، فالمقدسيون اليوم أغلبية هناك، وذلك عن طريق تطبيق المخطط 2020، ما سيؤدي إلى تهجير سكان من داخل البلدة القديمة بدعوى أن العقارات التي يقيمون فيها آيلة للسقوط، كما حدث مؤخراً في حي القرمي، وأن جزءاً من هذه العقارات يحتاج إلى ترميم، والترميم يحتاج إلى أموال، والأموال غير موجودة، وبالتالي إيجاد بديل للفلسطينيين ليس داخل القدس القديمة بل خارجها. وهذا نص صريح في بروتوكول 2020 عندما يذكر انه «يجب أن نوجد لهم بديلا خارج القدس»، واليوم يوجد في البلدة القديمة حوالي 32 ألف فلسطيني في مقابل 3500 إسرائيلي، وبالتالي يريدون تغيير الميزان الديمغرافي عن طريق ذلك.
وعن وجود علاقة بالمحاولات المحمومة لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، يقول تفكجي: بالطبع، هم يعتقدون أنه إذا لم يقم الهيكل فلا معنى للقدس بالنسبة إليهم. في السابق كانوا ينتظرون نزول الهيكل من السماء، اليوم تراجعوا عن ذلك وهم يريدون بناءه من خلال استغلال الأوضاع الدولية والعربية وحتى الفلسطينية، وبالتالي ما يقومون به في هذه المرحلة هو بالونات اختبار في انتظار ردات الفعل، ويمكن أن يفعلوا الشيء ذاته الذي فعلوه في الحرم الإبراهيمي. أما ما يرصد إسرائيلياً من ميزانيات لتهويد الاقصى، فيتحدث الإسرائيليون، كما يقول تفكجي، عن نحو خمسة مليارات دولار، لكن الأهم من ذلك هو أن القدس بالنسبة إليهم ذات أفضلية وطنية وقومية. ولهذا فإن جل الأموال تصب باتجاه هذه المدينة من أجل جعلها عاصمة لليهود في كل العالم. ما يعني أن جميع ما يخصص من ميزانيات في إسرائيل ينفق باتجاه تعزيز الاستيطان وتوسيعه وإقامة البنى التحتية من جسور وأنفاق وسكك حديدية، ومناطق «هايتك»، وفنادق، ويعني هذا في المحصلة أن الإسرائيلي وصل إلى مرحلة إنهاء قضية القدس وحسمها قبل أي مفاوضات.
وإذا كان الاستيطان الإسرائيلي في القدس الشرقية يرتكز أساساً على توفير أغلبية يهودية في المدينة من خلال جلب مئات الآلاف إلى الشطر الشرقي من المدينة، فإن الوجه الآخر لهذا الاستيطان يستند إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين المقدسيين من خلال سياسة التطهير العرقي بحقهم أو ما يعرف بالطرد الصامت. حيث نجحت إسرائيل في التخلص من آلاف العائلات المقدسية، بما في ذلك عزل أكثر من 120 ألفاً بفعل جدار الفصل العنصري، وإخراجهم من الحدود البلدية المصطنعة للقدس.

التطهير العرقي

وفق معطيات حصلت عليها وحدة البحث والتوثيق في مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية من وزارة الداخلية الإسرائيلية، قبل نحو عامين، فإن عدد طلبات الحصول على جنسية إسرائيلية تراجع العام 2011 مقارنة بالعامين السابقين. وتشير المعطيات التي نشرها المركز في حينه إلى أن إجمالي عدد طلبات الحصول على الجنسية المقدمة خلال العام 2009 وحده بلغ 1640 طلباً، صودق على 820 منها، وتم رفض 688 طلباً. وتراجع العدد خلال 2010 إلى 1403 طلبات، تم رفض 349 طلباً منها والتصديق على 200، في حين بلغ عدد الطلبات خلال العام 2011 ما مجموعه 1208 طلبات صودق على 9 منها ورُفض 51 طلباً، والباقي في قيد المعالجة. وبحسب مركز القدس، فإن انخفاضاً كبيراً حدث في عدد مقدمي طلبات الحصول على الجنسية خلال العام الأخير مقارنة بالعامين الماضيين، إضافة إلى انخفاض حاد في عدد الطلبات المصادق عليها. أما عن طلبات تسجيل الأولاد الذين يحمل أحد والديهم البطاقة الزرقاء وحدها، والذين تقدموا للوزارة بطلبات لتسجيل أولادهم، فبلغ عددها خلال 2007 ما مجموعه 1881 طلباً، تمت الموافقة على 1347 منها، أما في 2008 فبلغ عددها 2062 طلبا، تمت الموافقة على 1470 طلبا منها. وتشير معطيات الوزارة إلى أن هذه الأخيرة تلقت خلال 2011 ما مجموعه 3090 حالة، صودق على تسجيل 1639 منها، بينما لا تزال في قيد المعالجة 1315 حالة، وجرى رفض 136 حالة. وتلقت الوزارة عدداً من حالات تسجيل الأولاد خلال 2010 بلغت في مجملها 3946 حالة، حيث تمّ تسجيل 2891، في حين 530 ما زالت في قيد المعالجة، ورفضت 525 حالة. ولم تنشر الوزارة بعد ذلك أي معطيات جديدة بهذا الشأن. وأشار المركز إلى أن وزارة الداخلية أسقطت خلال العام 2007 حق الإقامة عن 229 مواطناً مقدسياً، في حين سجل العام 2008 أكبر نسبة لسحب البطاقات الشخصية وإسقاط حق الإقامة عن أصحابها حيث شملت 4672 مواطناً. أما عدد الذين استعادوا حق الإقامة الدائمة خلال الفترة ذاتها من العام 2007، فبلغ 67 مواطناً فقط، في حين استعاد 83 مواطناً حقهم في الإقامة الدائمة في العام 2008. ووصل عدد طلبات جمع الشمل التي قدمت لأزواج أو أولاد في مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية في القدس الشرقية خلال 2007 إلى 750 طلبا، حيث وُوفق على 431 منها، في حين بلغ العدد في 2008 ما مجموعه 816 طلبا، وُوفق على 404 منها فقط.
يقول زياد الحموري، مدير مركز القدس: إن تراجع طلبات الجنسية يعود إلى تولد قناعة لدى المقدسيين بعدم جدوى هذه الجنسية في توفير الحماية لهم، موضحا أن كثيرين كانوا يعتقدون أن الجنسية يمكنها أن تحمي حق الإقامة أو الهوية، لكن التهديدات الموجودة ومحاولة الكنيست اتخاذ إجراءات ضد فلسطينيي 1948 بتجريدهم من الجنسية تحت أي مسمى قانوني، أقنعت الناس بأن اللجوء إلى حمل الجنسية للحماية أمر غير مجد. وعن ظاهرة رفض تسجيل المواليد، بيّن الحموري أن المتضررين أكثر من المستفيدين، مقدراً عدد الأطفال غير المسجلين في القدس بنحو عشرة آلاف طفل. وقال: إن تسجيل المواليد في الوضع الطبيعي يفترض أن يتم بشكل فوري، لكنه ربما يستغرق سنوات عدة وقد ينتهي بالرفض. وذكر أن من أسباب الرفض أن يكون أحد الأبوين من حملة هوية الضفة الغربية، رغم أن القانون يسمح بتسجيل الطفل إذا كان أحد والديه من حَمَلة هوية القدس، أو أن يكون الأطفال خارج القدس ومركز حياتهم خارجها أيضاً. وخلص إلى أن ما يجري لا علاقة له بالقانون، «وإنما الهدف منه محاولة الضغط على الناس لإجبارهم على المغادرة وترك المدينة»، موضحاً أن عدد إجمالي من فقدوا حقهم في الإقامة بالقدس منذ البدء بتطبيق هذه السياسة، وصل إلى أكثر من 20 ألف نسمة، يضاف إليهم 120 ألفاً باتوا في حكم فاقدي حق الإقامة بعد أن أخرجهم الجدار من داخل الحدود البلدية المصطنعة للقدس. ونوه إلى أن «الصراع الديموغرافي في القدس في ذروته حالياً، وتسعى الحكومة الإسرائيلية في المحصلة إلى أن لا تزيد نسبة المقدسيين في المدينة المقدسة عن 12%، بعد أن تخطت نسبتهم في السنتين الاخيرتين 36%، علما أن سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حرصت على أن لا تزيد هذه النسبة عن 18% فقط.