| 

تسعى إسرائيل، خصوصا في فترة ولاية حكومة اليمين، الحالية والسابقة، برئاسة بنيامين نتنياهو، إلى إخراج قضية القدس من دائرة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وأعلن نتنياهو، لدى حضوره إلى صندوق الاقتراع في القدس للتصويت في الانتخابات البلدية، في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2013 ما يلي: «ما دمتُ أنا رئيساً للحكومة، فإن القدس ستبقى عاصمتنا الموحدة». وهو بهذا الإعلان، يسعى إلى ترسيخ هذا الوضع من خلال أعمال بناء واسعة في المستوطنات في القدس الشرقية. يتّبع نتنياهو، في ما يتعلق بالقدس، سياسة فرض وقائع على الأرض. ففي السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، ألقى خطابا في جامعة بار إيلان، الذي بات يعرف بـ«خطاب بار إيلان 2»، ركز فيه على الموضوع الإيراني، لكن عندما تطرق إلى الموضوع الفلسطيني، وضع أربعة شروط لحل الصراع: وقف «التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل»، تنازل الفلسطينيين عن حق العودة، وضع ترتيبات أمنية صارمة واعتراف فلسطيني بيهودية إسرائيل. وواضح أن هذه الشروط لا تسمح بالتوصل إلى اتفاق وحل الصراع. لكن اليمين الإسرائيلي، وبخاصة الاستيطاني، عبر عن قلقه من أن نتنياهو لم يذكر القدس في هذا الخطاب، خلافاً لأقواله في «خطاب بار إيلان الأول»، الذي ألقاه في حزيران 2009، عندما تحدث لأول مرة في حياته عن دولة فلسطينية، لكنه شدد على أن «القدس عاصمة إسرائيل ستبقى موحدة».
نقل موقع «واللا» الالكتروني عن مصادر مقربة من نتنياهو قولها إنه منذ فوزه في الانتخابات العامة، التي جرت في شباط 2013، «قلل نتنياهو من التحدث عن موضوع القدس»، وأنه حتى عندما افتتح مفترق طرق في القدس الشرقية وإطلاق اسم والده عليه، في أيار 2013، فإنه لم يتطرق إلى الناحية السياسية للقدس، ولا إلى أن موقع المفترق في الأراضي المحتلة عام 1967. كذلك امتنع نتنياهو عن التطرق إلى مكانة القدس في المستقبل خلال خطاب ألقاه في ما يسمى «يوم القدس»، أي الذكرى السنوية لاحتلال القدس الشرقية. وفي مناسبة أخرى، افتتاح ألعاب «المكابياه» في تموز 2013، رحب نتنياهو بالمشاركين اليهود غير الإسرائيليين الذين جاؤوا إلى «القدس الموحدة» لكنه لم يتوسع بالحديث أكثر من ذلك. وفي تصريحاته الصحافية، قبيل استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، شدد نتنياهو على مسألة الترتيبات الأمنية، لكنه لم يتحدث عن القدس. وفي مقابل ذلك، قال عضو الكنيست تساحي هنغبي، من حزب الليكود الحاكم والمقرب من نتنياهو، في خطاب أمام مؤتمر منظمة «جي ستريت» اليهودية الأميركية، في بداية تشرين الأول 2013، إنه إذا تنازل الفلسطينيون عن حق العودة، فإن إسرائيل يمكن أن تتنازل في موضوع القدس.
الأمر الواضح، هو أن نتنياهو يتبع تكتيكاً معيناً بكل ما يتعلق بالقدس. فهو يعمل على سن قانون ينص على إجراء استفتاء شعبي في حال التوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني. إضافة إلى ذلك، فإنه ليس فقط أحزاب اليمين واليمين المتطرف تعارض انسحابا من القدس الشرقية في إطار اتفاق سلام، وإنما رئيس حزب «هناك مستقبل»، يائير لبيد، أعلن في أكثر من مناسبة أنه يعارض «تقسيم القدس»، أي الانسحاب من القدس الشرقية. كذلك فإن أحزاب الحريديم (اليهود المتشددين دينيا)، وخاصة حزب «شاس»، تعارض الانسحاب من القدس الشرقية. ويرى محللون أن التكتيك الذي ينتهجه نتنياهو حيال قضية القدس نابع من تحسبه من أن إعلانه عن التزام تجاه «القدس الموحدة» من شأنه أن يؤدي إلى تفجير المفاوضات مع الفلسطينيين، ولذلك فإنه يحافظ على الصمت في هذا الموضوع، انطلاقا من إيمانه بأن المفاوضات لن تثمر عن أية نتيجة، كما أنه يضع ما يكفي من الشروط التعجيزية أمامها. والأهم من ذلك أنه يكاد لا يمر أسبوع من دون الإعلان عن أعمال بناء في مستوطنات القدس.

مشروع قانون يمنع التفاوض حول القدس

قررت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون سن القوانين، في 20 تشرين الأول 2013، تأييد مشروع قانون ينص على وجوب تأييد 80 عضو كنيست، من أصل 120 عضواً، إجراء مفاوضات مع «جهة أجنبية» حول انسحاب من القدس الشرقية أو تسليم أجزاء منها. وينص مشروع القانون، الذي طرحه عضو الكنيست يعقوب ليتسمان من كتلة «يهدوت هتوراة»، على أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي على الانسحاب من القدس الشرقية من دون التصديق على ذلك في الكنيست وتأييد أغلبية 80 عضو كنيست، فإن الاتفاق لن يكون ملزماً للكنيست أو الحكومة أو «بلدية القدس».
أيد مشروع القانون وزراء أحزاب الليكود و«إسرائيل بيتنا» و«البيت اليهودي»، وعارضه وزراء من حزبي «هناك مستقبل» و«الحركة» برئاسة وزيرة العدل، تسيبي ليفني. وأعلنت ليفني، التي ترأس طاقم المفاوضات الإسرائيلي مع الفلسطينيين، أنها استأنفت على قرار اللجنة الوزارية. وأفادت صحيفة «هآرتس» أن لبيد رفض دعوة ليفني بالانضمام على اعتراضها. ووفقا للصحيفة، فإن اللجنة الوزارية صادقت على مشروع القانون هذا خلافاً لموقف نتنياهو، ونقلت عن مصادر في حزب الليكود ادعاءهم أن نتنياهو توقع سقوط الاقتراح، ولذلك فإنه لم يعمل من أجل منع التصويت في اللجنة الوزارية. وليس واضحاً لماذا اعتقد نتنياهو أن اللجنة الوزارية ستسقط مشروع القانون، على الرغم من أن أعضاء اللجنة الوزارية من أحزاب اليمين والمؤيدين لمشروع القانون يشكلون أغلبية في اللجنة.
وجاء في حيثيات مشروع القانون أن «القدس، وهي المدينة التي تم توحيدها، لن يتم تقسيمها أو تسليم أجزاء منها لأي كان. وقدسية القدس لا تُمنح للغرباء. ومشروع القانون هذا يمنع إمكانية النقاش في شأن مكانة القدس في أي مرحلة أو عملية سياسية». وأعلن رئيس حزب «البيت اليهودي» ووزير الاقتصاد، نفتالي بينيت، تأييده لمشروع القانون هذا. وقال إن «هذا قانون هام جدا. وليس بإمكان حتى الـ120 عضو كنيست أن يسلموا القدس الشرقية لأنها ملك للشعب اليهودي... لا يجدر التفاوض على عاصمة الشعب اليهودي».
كان الكنيست قد سن في العام 1980 «قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل». وتكتسب «قوانين أساس» الإسرائيلية صفة دستورية، ما يعني أن إلغاءها أو تعديلها يحتاج إلى تأييد أغلبية خاصة وليس مجرد أغلبية عادية. وينص هذا القانون على أن «القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل». وفي العام 2000 تم إجراء تعديل على هذا القانون بإضافة ثلاثة بنود إليه، وهي: «لا تتم نقل صلاحية في داخل القدس إلى أية جهة أجنبية، سياسية أو سلطوية»؛ «حدود القدس، بموجب القانون، هي الحدود التي تم رسمها في 28 حزيران العام 1967» أي بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية؛ «يمكن تغيير هذين البندين بواسطة سن قانون أساس آخر وبأغلبية أعضاء الكنيست».

السماح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي

نص «قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل» على وجوب «الحفاظ على الأماكن المقدسة لجميع الديانات في المدينة». لكن ما يحدث على أرض الواقع، قبل سن هذا القانون وبعده، هو عكس ذلك، إذ إن السلطات الإسرائيلية تنفذ سياسات تعسفية وتمنع المصلين المسلمين، في أحيان كثيرة، من الصلاة في الحرم القدسي وتفرض قيوداً على دخولهم إليه. وتنفذ إسرائيل حفريات في محيط المسجد الأقصى وتحته، لشق أنفاق توصل إلى حائط البراق، وبحثا عن موجودات أثرية مزعومة تثبت أن هيكل سليمان كان قائما في هذا المكان. ومن شأن هذه الأعمال أن تلحق أضراراً كبيرة بالمسجد الأقصى. وهناك خلافات بين إسرائيل والفاتيكان حول أماكن مقدسة للمسيحيين في القدس واستولى عليها متطرفون يهود. وبدأت جماعات يهودية متطرفة في الفترة الأخيرة بالدخول بكثافة إلى الحرم القدسي من أجل الصلاة فيه، وسط تخوف فلسطيني من تحويل الوضع فيه إلى وضع شبيه بالحرم الإبراهيمي في الخليل، حيث تم تقسيمه ويتم تخصيص أوقات لصلاة اليهود وأوقات لصلاة المسلمين. ويعمل حزب «البيت اليهودي» اليميني المتطرف، الذي يتولى المسؤولية في وزارة الأديان الإسرائيلية، على وضع أنظمة جديدة، وسنها كقانون، يسمح لليهود بالدخول يومياً إلى الحرم القدسي وباحات المسجد الأقصى من أجل الصلاة فيه. وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، في مطلع تشرين الثاني الفائت، أنه بموجب الأنظمة التي تم إعدادها وصوغها في الدائرة القانونية التابعة لوزارة الأديان الإسرائيلية، سيتم تخصيص عدة ساعات محددة يوميا لصلاة اليهود في الحرم. وكرر نائب وزير الأديان، إيلي بن دهان، من حزب «البيت اليهودي»، إعلانه خلال اجتماع عقدته لجنة الداخلية التابعة للكنيست حول الموضوع بأنه «يجب تغيير الوضع القائم في جبل الهيكل»، أي الحرم القدسي.
تدّعي الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام (الشاباك) أنهما يعارضان دخول اليهود للصلاة في الحرم القدسي، وأنهما يتحسبان من أن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى إشعال فتيل نزاع دموي في الأراضي الفلسطيني، وسيثير غضباً كبيراً في العالم العربي والإسلامي. لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك، إذ ان الشرطة الإسرائيلية تسمح للجماعات اليهودية المتطرفة بالدخول إلى الحرم. وتؤكد التقارير الصحافية الإسرائيلية ان في حال السماح لليهود بالصلاة في الحرم، فإن المتطرفين اليهود هم الذين سيقومون بذلك وسط استفزازات للمسلمين في المكان. وقالت صحيفة «هآرتس» إن أعضاء كنيست من اليمين يتنافسون في ما بينهم من أجل طرح قوانين ومبادرات استفزازية تهدف إلى تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي، علما أن «مجهوداً صغيراً في هذا السياق سيؤدي إلى تفجير الوضع في هذا المكان الأكثر حساسية في المنطقة».
يبدو أن الشيء الجديد في كل ما يتعلق بسياسة إسرائيل في القدس الشرقية المحتلة، هو أنها انتقلت من الأقوال إلى الأفعال، بمعنى أن المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، أكانت الحكومة أو الكنيست أو بلدية الاحتلال، أخذت تعبر عن مواقفها تجاه القدس من خلال تنفيذ مشاريع استيطانية في المدينة وطرح مشاريع قوانين لتكريس الاحتلال.
في قلب القدس، داخل البلدة القديمة، بالإمكان مشاهدة أعداد المستوطنين والحريديم التي باتت تفوق أعداد المقدسيين الفلسطينيين. وتنبت في الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة بؤر استيطانية كثيرة لا حصر لها. وإلى جانب ذلك، هناك أعمال البناء الواسعة في المستوطنات المحيطة بالقدس الشرقية وتحاصرها من جميع الجهات. إنها سياسة صامتة وخبيثة تنشر بؤراً استيطانية في كل مكان في القدس، بهدف قطع تواصلها الجغرافي، بشكل يكاد يكون مطلقاً، عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية.
 
*كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في مدينة الناصرة.