فور سقوط مدينة القدس في أيدي الجيش الإسرائيلي في 7/6/1967، بادرت سلطات الاحتلال إلى هدم حارة المغاربة بذريعة توسيع الساحة الملاصقة للحائط الغربي (أو حائط البراق) الذي يسميه اليهود «حائط المبكى». ويرجع تاريخ حارة المغاربة إلى العهد الأيوبي، أي إلى نحو 700 سنة، عندما أوقف نور الدين بن صلاح الدين هذه الحارة على المغاربة وخصصها لخدمة الوافدين من المغرب إلى القدس. وعشية حرب حزيران 1967 كان حارة المغاربة تضم 650 شخصاً (أو نحو 100 عائلة) في مساحة لا تتجاوز عشرة آلاف متر مربع، تضم في أرجائها جامع المغاربة والزاوية الفخرية والمدرسة الأفضلية وعدداً من المواقع الأثرية والتراثية، علاوة على 135 منزلاً. وفي 10/6/1967 أنذرت القيادة العسكرية الإسرائيلية سكان الحارة بضرورة إخلاء منازلهم خلال ساعتين. ولم تغب شمس ذلك النهار حتى كانت منازل الحارة قد سويت بالأرض ما عدا جامع المغاربة والزاوية الفخرية كالتفاتة نحو ملك المغرب آنذاك الحسن الثاني. ولكن، في سنة 1969 دمرت إسرائيل جامع المغاربة ومعه الزاوية الفخرية. وكان المندوب السامي البريطاني، حين تم وضع خريطة هيكلية للقدس، قرر أن يكون غربي القدس منطقة تطوير، وشرقي القدس منطقة بناء محدود، والبلدة القديمة في داخل الأسوار منطقة يُحظر البناء فيها. ومنذ عهد الانتداب البريطاني جرى ضم مستوطنات يهودية إلى القدس لزيادة أعداد اليهود في المدينة، فضمّت مستعمرة بيت هكيرم ومستوطنة رامات راحيل في سنة 1947، وكانت رامات راحيل تقع بعيداً من القدس بنحو أربعة كيلومترات، بينما جُعلت قرى عربية متاخمة لأسوار البلدة القديمة خارج الخريطة الهيكلية مثل سلوان والطور وصور باهر لتقليل عدد العرب فيها.
بين سنة 1948 وسنة 1967 صادرت إسرائيل جميع أملاك الفلسطينيين غربي القدس. وبعد العام 1967 صادرت إسرائيل جميع الأراضي التي أقيمت عليها مستعمرات رامات أشكول وغفعات تسرفتيت وهار هتسوفيم ونفي يعقوب وغيلو، ثم مستعمرات الموجة الثانية مثل بسغات زئيف وهار حوما ومعاليه أدوميم وعطروت، ويجري الآن إغلاق هذا الحزام الذي يحيط بالقدس عند المنطقة E كي يتم التواصل بين معاليه أدوميم في الشمال الشرقي وبسغات زئيف ونفي يعقوب في الشمال الغربي، وتوجد اليوم في البلدة القديمة نحو سبعين بؤرة استيطانية يسكنها ألف يهودي (غير حارة اليهود). وهذه البؤر منتشرة في المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى مثل شارع الواد وعقبة الخالدية وعقبة السرايا وحارة السعدية وبرج لقلق وشارع السلسلة وسوق الدباغة. كذلك باشرت إسرائيل في بناء «حاضن القدس»، وهو جدار طوله نحو 170 كلم، لعزل المدينة عن ضواحيها مثل الرام وبيرنبالا وضاحية البريد التي يسكن فيها مقدسيون بالدرجة الأولى. وبهذا الأمر يتحول سكان هذه المناطق إلى مواطنين تابعين لولاية السلطة الفلسطينية وتُسحب منهم بطاقات إقاماتهم في القدس. والمعروف أن سكان القدس يُعتبرون «مقيمين دائمين» وليسوا مواطنين، أي أن السلطات الإسرائيلية تستطيع سحب بطاقات الإقامة منهم كلما سنحت لها الفرصة لتقليل عدد سكان المدينة من الفلسطينيين. ولمزيد من تهويد المكان ومحو الوجود الفلسطيني فيه، أقامت إسرائيل ما يسمى «السوق» في موازاة السور الغربي، وهو عبارة عن نفق يربط بين ماميلا (مأمن الله) وباب الخليل. وتحت هذه السوق تقع طبقات عدة مخصصة للسيارات، بحيث لا يشعر القادم من القدس الغربية إلى القدس الشرقية بأنه غادر مكاناً إلى مكان آخر مختلف.
إن التغلغل الإسرائيلي في القدس القديمة مثل افتتاح «كنيس الخراب» فيها، والتخطيط لبناء كنيس «قدس النور» في مكان المحكمة الإسرائيلية الملاصقة للسور الغربي يهدف، في نهاية المطاف، إلى تقسيم الحرم القدسي بين المسلمين الفلسطينيين واليهود، وإنهاء الحصرية الإسرائيلية في الإشراف عليه على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي في الخليل. وفي هذا السياق يجري أيضاً هدم منازل حي البستان، وهو جزء من بلدة سلوان الملاصقة للقدس، بتهمة البناء من دون رخصة، وسيقوم في مكان هذا الحي ما يُسمى «حدائق الملك داود». وقد تم هدم نحو 450 منزلاً في شرق القدس خلال السنوات الست الأخيرة (2004 ـ 2010). وعلاوة على ذلك جرفت إسرائيل مقبرة مأمن الله (ماميلا) لتقيم فوقها ما أسمته «متحف التسامح». وكانت السلطات الإسرائيلية قد جرفت سابقاً جزءاً من هذه المقبرة لتقيم عليها حديقة عامة هي «حديقة الاستقلال»، وهدمت مبنى الأوقاف الإسلامية وأنشأت في مكانه فندقاً، وأقامت مجمعاً سكنياً كبيراً أسمته «مدينة داود» حجبت بناياته قباب المدينة القديمة.
لا تقتصر عملية التهويد على محو المكان أو إخفائه بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى اللغة والأسماء. فقد غيّرت إسرائيل أسماء آلاف القرى والخراب والمواقع والجوامع والشوارع في فلسطين 1948، وها هي تتابع، منذ سنة 1967، العملية نفسها في الضفة الغربية، فجبل أبو غنيم صار «هار حوما»، وجبل الزيتون بات «هار هزيتيم»، وقرية كسلا تحولت إلى «كسلون»، وقرية الجيب صار اسمها «جبعون»، وهو إسقاط تضليلي ومزور لكلمة جبعون الواردة في التوراة على المكان الفلسطيني. أما الشيخ جراح فصار اسمه «رامات أشكول»، وقلنديا أمست «عطروت»، والخان الأحمر صار «معاليه أدوميم» وعمواس «كندا بارك» وجورة التوت «غفعات رام» والقطمون «غونين»، وهذا غيض قليل جداً من فيض كثير جداً من خطة محو المكان واسمه وحتى سكانه.