| 

خلال القرن الماضي، ظهر العديد من الثورات الشعبية وحركات التحرر في معظم دول العالم الثالث، ومن بينها، بالطبع، البلدان العربية. وأغلب هذه الثورات انتصر؛ وحررت أوطانها، رغم قسوة الظروف وصعوبة التحديات التي واجهتها.. بيْد أن الشعب الفلسطيني، ورغم كل ما قدّمه من تضحيات، ما زال قابعاً تحت الاحتلال، وما زالت آفاق الحرية التي يحلم بها بعيدة المنال! فلماذا لم ينتصر حتى هذه اللحظة؟ سؤال برسم الإجابة.
العديد من الدراسات والأبحاث حاولت أن تتصدى لهذا السؤال الكبير، من دون أن تحظى بإجابة شافية شاملة، ذلك لأنه لا يمكن الإجابة عن سؤال إشكالي من هذا النوع من دون تفكيكه إلى أجزاء؛ حيث سنجد في كــــــل جزء بعضاً من الإجابة؛ قد تكون في أداء القيادة وطريقتها في إدارة الصراع، أو في غياب الإستراتيجية وعدم وضوح الرؤية، أو في اختلال موازين القوى، أو بسبب التخاذل العربي والصمت الدولي.. إلخ.
إن أي دراسة تبحث في هذا السؤال ستقع في خطأ منهجي إذا أصدرت أحكامها على النتائج بمعزل عن المقدمات، أو خارج سياقاتها التاريخية، أو من خلال المقارنات مع الثورات الأخرى التي انتصرت؛ إذ أن لكل ثورة ظروفها الخاصة، وبالتالي فإن المقارنات، وإن كانت مفيدة لأخذ العبر، إلا أنها قد تكون غير موضوعية إن لم تراعِ الخصوصيات، واختلاف البيئات السياسية.

الخصوصية الدولية للقضية الفلسطينية

هذه المقالة تجادل في أن طبيعة الصراع، والخصوصية الدولية للقضية الفلسطينية، كانتا من أبرز أسباب تأخر إحراز النصر، أو إخفاق الثورة الفلسطينية حتى الآن. ويرى خبراء استراتيجيون أن إسرائيل في الأساس عبارة عن مشروع سياسي نشأ وترعرع في أحضان الإمبريالية العالمية، وقد تأسس هذا المشروع في الساحة الدولية كإحدى نتائج الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية، وأصبح جزءاً من النظام الدولي الذي يسمي نفسه «الشرعية الدولية». وقد حُدد لهذا المشروع الاستعماري دور وظيفي معين، هو حماية المصالح الأميركية في المنطقة، (منابع النفط والممرات المائية)، وليكون بمثابة شرطي المنطقة، وعصا غليظة يلوح بها في وجه الخصوم، ورأس جسر في خدمة المشروع السياسي الإمبريالي، وموقعاً عسكرياً متقدماً، يقدّم المطارات والموانئ ومنصات الصواريخ وغير ذلك من أشكال الدعم اللوجستي والإستخباراتي، فضلاً عن دوره الأهم في سياق الحرب الباردة في حقبة الصراع مع الاتحاد السوفياتي السابق.
إذا كانت إسرائيل هي حامية مصالح المشروع الأميركي وأداته في المنطقة؛ فإن ثورة الشعب الفلسطيني في المقابل هي حركة التغيير التي ستواجه هذا المشروع وأدواته؛ وبالتالي فإن التناقض بين المشروعين سيبلغ حده الأقصى. لذلك، ومنذ بدء الصراع، اكتسبت القضية الفلسطينية خصوصية دولية، وحظيت بأهمية سياسية كبيرة، ليس على مستوى الإقليم وحسب، بل على مستوى العالم. وهذه الأهمية تنبع من كون فلسطين تقع في قلب الشرق الأوسط الذي يعتبر من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، حيث المصالح الحيوية للدول الكبرى. ومن المعروف تاريــــــخياً أن مــــن يحكم فلسطين يسيطر على المنطقة، وبالتالي يستطيع التحكم بالممرات المائية ومنابع النفط، وهذا يعني أن كل دولة ذات طموح سياسي ستكون معنية بإيجاد موطئ قدم لها عبر تحالفها مع أحد أطراف الصــــــــراع. ومن البدهي أن الخصوصية الدولية للقضية ستُكسب العمل السياسي أهمية قصوى، ومن ناحية أخرى ستقيّد هذا العمل بالقوانين الدولية، وستُخضعه لحسابات الجغرافيا السياسية وموازين القوى.

الدعم الأميركي والدولي لإسرائيل

يرى باحثون أن الدور الوظيفي لإسرائيل قد ضربَ البُعد الإنساني فيها، وأفقدها المحتوى الطبيعي لأي دولة، وجعل منها مشروعاً استعمارياً محضاً، حتى أن البعض شبّهها بحاملة طائرات أميركية ضخمة، الأمر الذي أدى لربطها بالكامل بالدوائر الإمبريالية العالمية، بحيث لا يمكنها الفكاك منها أو الاعتماد على نفسها ككيان مستقل. وبسبب ما تقدّمه من خدمات لمصلحة الإمبريالية، فإنها تحصل على المساعدات التي تمدّها بأسباب الحياة.
للتوضيح، تُعتبر إسرائيل أكبر متلقٍّ لإجمالي المعونات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية. وحسب تقديرات لخبراء، بلغ إجمالي المعونة الأميركية المباشرة لإسرائيل منذ تأسيسها حتى العام 2003 ما يزيد على 140 مليار دولار. وتبلغ قيمة النفقات المعلنة لدعم إسرائيل سنوياً أكثر من ثلاثة مليارات دولار، وهذا المبلغ لا يشمل المساعدات غير المباشرة. فضلاً عن الأموال التي تدفعها الخزينة الأميركية بسبب الخسائر غير المرئية والضرر الاقتصادي الناجم عن دعمها لإسرائيل، والتي تبلغ عشرات المليارات، فضلاً عن المساعدات الأوروبية.
وعلى سبيل المثال، كشفت صحيفة «كريستيان ساينس منيتور» الأميركية أن إسرائيل كلفت الولايات المتحدة مالياً في الفترة ما بين 1973 و2005 ما يقارب 1,6 تريليون دولار (1600 مليار دولار)، أي أن كل مواطن أميركي دفع لإسرائيل 5700 دولار. ونقلت الصحيفة عن «توماس ستوفار»، وهو خبير اقتصادي أميركي قام بحساب تكلفة دعم الولايات المتحدة للدولة اليهودية، أن الرقم المذكور يمثل أكثر من ضعف تكلفة الحرب في فيتنام. ولا يتوقف الأمر عند الدعم المالي؛ فقد استخدمت واشنطن في مجلس الأمن حق النقض «الفيتو» أكثر من أربعين مرة ضد قرارات كانت ستدين إسرائيل، كما أعاقت جهد الدول العربية لوضع الترسانة النووية الإسرائيلية على جدول أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي حرب تشرين الأول 1973 هرعت الولايات المتحدة لإنقاذ إسرائيل بمدها بجسر جوي من المساعدات العسكرية. وفي العام 1981 وقعت الحكومة الأميركية مع إسرائيل «اتفاقية التفاهم الاستراتيجي»، وبناء على تلك الاتفاقية التزم الطرفان بتوثيق مجالات التعاون، وبخاصة في المجالين العسكري والأمني؛ الأمر الذي أدى إلى تبلور تحالف استراتيجي استخدمته إسرائيل في الحصول على المزيد من المعونات العسكرية والدعم السياسي.
لاحظنا في مناطق أخرى من العالم كيف أدى الدعم الأميركي (والأوروبي) دوراً حاسماً في تغيير الصورة بالكامل؛ ففي زمن الحرب الباردة، ومن أجل إثبات فشل النموذج الاشتراكي في مقابل النموذج الرأسمالي المتحالف مع الغرب، قدمت الولايات المتحدة دعماً غير محدود لحليفاتها في شرق آسيا (كوريا الجنوبية، تايوان، هونغ كونغ)، حتى تفوقت بشكل كبير على خصومها من الدول المجاورة. وفي أمثلة أخرى، كانت تبرز أهمية الدعم الدولي في إحداث التغيير، فلولا تطور الموقف العالمي من جنوب إفريقيا لما أمكن إسقاط نظام الأبارتهايد بالكيفية التي حدث فيها، ولولا الدعم الدولي لما أمكن لدول مثل جنوب السودان، تيمور الشرقية، كوسوفو وغيرها أن تنال استقلالها واعتراف العالم بها. وهو الأمر الذي يعني أنه لولا هذا الدعم الأميركي غير المحدود لما تمكنت إسرائيل من التفوق على جيرانها، ولما انتصرت في معظم حروبها، ولكن هذا لا يعني إنكاراً لكونها دولة منظمة وقوية، امتلكت شروط الانتصار، وأعدّت للمعركة كما يجب.

طبيعة الصراع ومحتواه

كانت بريطانيا تعتبر الهند جوهرة التاج الملكي، وأهم مستعمراتها؛ إلا أن «غاندي» ومن دون عنف تمكن من إلحاق هزيمة تاريخية بها. فرنسا كانت تعتبر الجزائر قطعة منها، إلا أن الثوار الجزائريين وبعد سنوات من الكفاح المرير أجبروها على الجلاء. حكومة جنوب افريقيا العنصرية على مدى ثلاثة قرون من حكم الأقلية البيضاء، كان لديها يقين تام بأن هذه البلاد ستظل خاضعة لها للأبد، إلا أن «مانديلا»، ومن زنزانته، تمكن من جلب الحرية لشعبه. والأمثلة كثيرة، ولا مجال لتعدادها.
الفارق بين ثورة الشعب الفلسطيني وغيرها من تلك الحركات التحررية هو في طبيعة الفوارق بين القوى التي استعمرت تلك الشعوب، وبين الاحتلال الصهيوني بطبيعته التوسعية الإجلائية، ودوره الوظيفي الإقليمي، ومكانته وأهميته في النظام الدولي، وبالتالي الفارق بين صعوبات العمل والنضال في الحالتين، وبخاصة أن العمق العربي المحيط بفلسطين تبين أنه لم يكن دائماً حليفاً للفلسطينيين، بل كان عدائياً؛ مستتراً تارة وواضحاً تارة أخرى. بمعنى آخر أن طبيعة المشروع الإسرائيلي مختلفة عن طبيعة القوى التي قاتلتها تلك الثورات، فقد كانت تلك القوى حتى مع هزيمتها واندحارها تجد خيارات الانسحاب، أو تغيير بنيتها، وتظل حية. الجيش البريطاني أُجلي عن الهند (وعن سائر المستعمرات) لكنه عاد إلى موطنه. الفرنسيون تخلوا عن الجزائر، لكنهم عادوا إلى فرنسا. الأميركيون هُزموا في فيتنام لكنهم عادوا أخيراً إلى ديارهم. حكومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا تخلت عن الحكم، وتنازلت عن سيطرتها على البلاد، لكنها دخلت في حكومة وحدة وطنية مع المؤتمر الوطني الافريقي من دون أن يضطر البيض إلى مغادرة البلاد. أما في الصراع العربي الصهيوني، فإن الأمر مختلف؛ حيث رُبِطت مصالح الإسرائيليين، بل وحتى وجودهم نفسه، بمقدار بقاء كيانهم متفوقاً، ورُبطت مصالح الدول الكبرى ببقاء إسرائيل، حتى صار هذا الكيان ركنا مهما من المعادلة السياسية التي تحكم النظام الدولي، وبالتالي فإن المساس بهذا الكيان، فضلا عن تدميره، يتطلب أولاً تدمير أسس المعادلة السياسية الدولية، أو تغيير الخارطة السياسية على الأقل، وهذا الأمر يحتاج إلى تحالف دولي عريض، أو قوة عظمى تكون قادرة على ذلك، أو استنهاض عناصر القوة العربية كلها. الأمر الذي لم يحدث أبداً؛ لأن هذا الأمر ليس بمقدور الشعب الفلسطيني تحقيقه بمفرده، لذلك ظلت الثورة في مرحلة الدفاع الاستراتيجي، على أمل إحداث التغيير المنشود، أو وصول الدعم العربي.
لكن القيادة الفلسطينية لا يمكن لها أن تنتظر أمراً لا يظهر في الأفق أي بارقة أمل لتحقيقه؛ لذلك بعد حرب أكتوبر، واتضاح معالم الخارطة السياسية الجديدة، تبين لها مدى صعوبة تحقيق الأهداف الكبرى، ومدى عبثية انتظار ما لن يأتي؛ فكانت آنذاك في أمسّ الحاجة لتحقيق انتصار واحد ذي معنى تاريخي، وقيمة سياسية واستراتيجية، يمكن له أن يشكل بداية انتقال نحو آفاق جديدة ومختلفة، وبخاصة أن الثورة كانت في حالة حصار ودفاع، وتتكبد خسائر فادحة. فتبنت آنذاك البرنامج المرحلي الذي جعل العالم يتفهم لأول مرة المطالب والحقوق الفلسطينية.

مسؤولية الجانب الفلسطيني

يمكن أن نعدّد أسباباً كثيرة متداخلة (ذاتية وخارجية) أدت إلى إضعاف الثورة الفلسطينية، لكن علينا أن ندرك أن السبب الأساس لقوة العوامل الخارجية التي أعطتها كل هذا التأثير الطاغي في توجيه مسارات الثورة هو أن عناصر القوة الكبرى وأدوات الصراع الأساسية القادرة على حسم الصراع لم تكن في أيدي الفلسطينيين، وهي من الأساس عوامل خارجية، لأن القضية الفلسطينية ذات أبعاد دولية، ولأن إسرائيل هي أصلاً مجرد مشروع استعماري دولي. بمعنى أن الجغرافيا السياسية هي عامل أساسي وحاسم في إدارة الصراع، وهذا يعطي لدول المنطقة مزيداً من أوراق القوة والتأثير.. في الوضع الطبيعي كان من المفترض أن تكون هذه الأدوات هي عناصر قوة لمصلحة القضية الفلسطينية، أي أن الأمة العربية والدول الإسلامية لو أنها سخرت مواردها وطاقاتها وعناصر قوتها لمصلحة فلسطين لتمكنت من حسم الصراع منذ زمن بعيد، ولكن ما جرى كان هو العكس في أكثر الأحيان، ولو تتبعنا المسار التاريخي لوجدنا كيف كانت دول الجوار تؤثر سلبياً على مسارات الثورة، ورأينا كيف عانى الفلسطينيون أحياناً ظلم ذوي القربى أكثر مما عانوا ظلم إسرائيل.
من جهة ثانية، اعتبر البعض أن الثورة أخفقت لأنها تخلت عن الكفاح المسلح، أو لأنها مارسته بطريقة خاطئة، الأمر الذي جعلها تتكبد هزائم عسكرية متلاحقة، أدت إلى خسارتها مواقعها واحداً تلو الآخر. فيما يرى آخرون أن حصر الكفاح الفلسطيني بالجانب العسكري هو سبب تلقيها هذه الخسائر كلها، لأن إسرائيل متفوقة بالقوة العسكرية على الجانب الفلسطيني لدرجة لا تقبل المقارنة، وبالتالي كان خطؤها الاعتماد على الكفاح المسلح وحده في البدايات، وإهمال النضال السياسي.

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في رام الله.