| 

شاعر غريب ومتمرد، بل شاعر البراءة والخيبة والمرارة. كان شعوره بالنفي والاغتراب طاغياً على أحاسيسه، وكانت الوحدة معاناته الدائمة. أوقدت روح المهاجر فيه شعلة الإبداع والفرادة والتحدي؛ فهو سوري مهاجر إلى فلسطين، وفلسطيني مهاجر إلى لبنان. لكن وطنه فلسطين تناءى عنه في سنة 1948، وصارت العودة إلى الأماكن الأولى تقارب المحال. أما وطنه سوريا فلم يتعرف إليه إلا لماماً مع أنه كان يحمل جواز سفره، بينما لم يجد في لبنان موئلاً لروحه التائهة، أو مثابة لحروفه المتوثبة، وكثيراً ما ردد انه أعطى الناس حباً صافياً فألبسوه إكليلاً من الشوك، ومد إليهم يديه فدقوا فيهما المسامير، فلم يبق له وطن إلا المنفى والشعر، وفي هذا المنفى عاش الغربة بجميع تجلياتها.
شعره صعب ونافر ولغته وحشية، لكن كهرباء لذيدة ذات ذبذبات مؤلمة كانت تسري بين كلماته. أما المضامين التي تسربلت بها قصائده فتكاد تتكثف بكلمة واحدة هي «الاغتراب»؛ الاغتراب أمام توحش العالم، والاغتراب في تجربته الدينية، والاغتراب في تجارب الحب المعذّبة، والاغتراب السياسي بعد فقدان الوطن. وإزاء هذا الهلع الوجودي انغمر في الشعر، واقتفى أثر لغة التوراة ككتاب أدبي ينتسب إلى التراث السوري القديم وشغف بالمسيح، وهو منارته الهادية إلى الخلاص البشري. ولا غرابة في هذا الشغف، فقد عاش في طبرية التي أجرى المسيح فيها آخر معجزاته قبل الصعود، وكان ابناً لقس مهاجر أيضاً من «ديار العرب» التي بدأ بولس يبشر فيها إلى جليل الأمم التي نشأ فيه الشاعر. و«ديار العرب» هي، على الأرجح، حوران وبلاد باشان.
نهل توفيق صايغ من مناهل غير التي كانت حركة التجديد الشعرية تنهل منه في النصف الثاني من القرن العشرين. فالتموزيات، وعقائد الخصب القديمة، وروح الانبعاث بعد الموت التي تجلت في أساطير ما بين النهرين وفي الحضارة السورية ـ الآرامية، وتجلت في المسيح نفسه، لم تكن غريبة عنه البتة. لكنه، بدلاً من ان يتشرب رحيق تموز وأدونيس وغلغامش، افتنّ بالأفعى ثم بالكركدن. فالأفعى رمز سقوط الإنسان، وهي رمز شهواني في الوقت نفسه. أما الكركدن فهو حيوان لطيف يعيش وحيداً كالإله أو كالشاعر في وحدته ولا يمكن إخضاعه، فهو يفضل الموت على الخضوع، وديدنه البحث عن امرأة ليضع رأسه في حضنها. غير ان المرأة مغوية وهي الطعم أو الشرك الذي يرسله الصيادون في طريقه، وهو يريدها امرأة من نار ومن دون جسد لا ليدميها كما تشتهي، بل ليموت في أحضانها بدمائه قبل اصطياده.

******

عاش توفيق صايغ في هذه الدنيا كأنه في أرجوحة، فطوحته أقداره في أمكنة كثيرة، وتقلب بين نساء كثيرات، وكتب شعراً خالصاً. ومنذ طفولته كان الحائر في وسط أخوته. فحين يحسب على أخوته الصغار تعيب الوالدة عليه ذلك بحنو. وإذا أراد أن ينال حقوق الكبار يقول له والده بحبور: ما زلت صغيراً. وهكذا عندما أقنعه هشام شرابي وفؤاد نجار بالانضمام إلى الحزب السوري القومي في سنة 1947، واصطحباه إلى مقر الحزب لأداء القسم، وما إن وصل إلى مدخل المقر حتى غيّر رأيه، وشعر بأن هذا الأمر سيفقده حريته وستخبو جذوة الإبداع فيه. وفي غمرة هذا الصخب والوحدة معاً عاش توفيق صايغ بين مريمين: والدته وهي مريم النعيم وهدوئه، وحبيبته «كاي» وهي مريم الجحيم ونيرانه المستعرة. والدته هي مريم العطاء، وحبيبته هي مريم الامتلاك. وبين مريم القلب ومريم الجسد تناثرت قصائده كغناء صاعد من الجحيم، وكان يصرخ كمن يتقلب على فراش من الشوك. بيد أن موت والدته في سنة 1950 هزّ كيانه وأورثه كمداً فوق كمد. وفي خضم هذه المعاناة المتعددة الوجوه راح يردد أن أروع النساء هي المرأة الهرة التي لا تعتد بالعاطفة أو بالعقل، بل بالغريزة وحدها، فهي تقسم الكون قسمين: هررة ذكورا فتضاجعها، وفئرانا فتأكلها. أما النساء فيردن «أن يضاجعننا وأن يأكلننا في الوقت نفسه».

******

تراءى له الانتحار خلاصاً ثلاث مرات على الأقل. في سنة 1950 بعد وفاة والدته، وفي سنة 1960 حين ترك ملهمته «كاي»، وفي سنة 1967 بعد إغلاق مجلة «حوار». وفاة والدته أقصته عن النعيم، وافتراقه عن «كاي» أنقذه من الجحيم، وإغلاق «حوار» قطع ارتباطه بهذه البلاد. لكن وحدته ظلت هي هي، لأن فاجعته ليست في الفردوس المفقود، بل في الفقدان ذاته.
«كاي» فنانة انكليزية تعرف إليها في سنة 1957. وطوال ثلاث سنوات أولع بها وكانت عذابه النفسي وملهمته الشعرية في آن. كانت تمتلكه وتغار عليه وتتشبث به وصارت علاقته بها مثل علاقة تمثال في ساحة الطرف الأغر (ترافلغار) في لندن بحمامة. كان راسخاً لا يتبدل، وكانت هي تطير وترجع. وقبيل افتراقه عنها كتب قصيدته المشهورة «من الأعماق صرخت إليك يا موت» (1960) ثم أحرق رسائلها إليه، وهجر لندن وعاد إلى بيروت ليصدر مجلة «حوار» التي كانت مأساته الإضافية. وفي معمعان هذا التيه المؤلم باتت حياته بحثاً دائماً عن الخلاص، وتأرجحاً منهكاً بين الشهوانية والروحانية، وتغلغل في أعماقه شك خلخل كيانه وأورثه أسقاماً. بيد أن الشك لديه لم يكن شكاً عقلياً كما يتجلى لدى الفلاسفة والمفكرين، بل كان تجربة دينية مؤلمة مثل شك العاشق في محبوبته، فلا يزيده الشك، في هذه التجربة، إلا وجداً وهياماً، وما تمرده على الله إلا تأكيد على إيمانه به. ومع ذلك فإن الهجر بالمعنى الصوفي للعبارة، والقنوط، أي هجران الله له، كانا يتناوبان على مشاعره كتناوب الماء والنار، أو كتناوب الخلق والمحو، فكان مثالاً للروح المحطمة والجسد المعذب.

******

في 27/4/1966 نشرت جريدة «نيويورك تايمز» مقالة ورد فيها أن المنظمة العالمية لحرية الثقافة التي تموِّل مجلات عدة مثل «إنكاونتر» الانكليزية و«بروف» الفرنسية و«ديمونات» الألمانية و«حوار» العربية تتلقى دعماً من وكالة الاستخبارات الأميركية CIA. فنزل هذا الخبر عليه كالصاعقة، وعلم أنه خدع حين اتفق مع سيمون جارجي السوري وجمال أحمد السوداني على إصدار «حوار» في بيروت، وجراء هذه الصدمة أصدر في 20/5/1967 بياناً أعلن فيه احتجاب «حوار». وفي ما بعد اعترف لشقيقه أنيس صايغ بأنه فكّر في الانتحار بعد هذه المشكلة، لكنه تراجع لأنه خشي من ان يفسَّر انتحاره اعترافاً بصحة الشائعات وتأكيداً لهذيانات المثقفين العرب الفارغين، ولم يلبث أن غادر إلى الولايات المتحدة ليبدأ عهداً جديداً من المنفى في جامعة بيركلي. وفي هذا العماء حيث الزمهرير الأبدي أمضى توفيق صايغ أيام عمره غريباً، ومات في الغربة ليدفن في «مقبرة الغروب» في بيركلي بين قبر لرجل صيني مهاجر وقبر لرجل ياباني مهاجر أيضاً.