| 

رواية «مجانين بيت لحم» (بيروت: دار نوفل، 2013) لأُسامة العيسة (مواليد بيت لحم 1963) شهرزارية، باعتراف كاتبها، كما في الروايات. قليلٌ من الحقائق، كثير من الخيال، وثرثرة، تماماً مثل الحياة، فيردّنا منذ البدء إلى ان الفلسطينيين يقولون متى ظهرت لهم علامات الجنون على أحد، أو لمن يغضبهم أو لمن يمازحون أو لمن يتمنّون ان يغرب عن وجههم: «لازم يرسلوك إلى الدهيشة»، ولكن ما هي الدهيشة: هي أحراج على تلّتين من أراضي بيت لحم، على طريق القدس ـ الخليل، اكتسبت اسمها من دهشة إبراهيم باشا الذي وفد لقمع تمرّد ثوار أهلها عليه، فلما مرّ بها قال «ايه ده دي هيشة دي هيشة». أما الراوي فهو عجيل، عميد مجانين فلسطين، الذي يردّنا تاريخياً إلى نصوص أدبية نقلها بحرفيتها فلم يخضعها للتدقيق اللغوي حفاظاً على روحها، ويذكّرنا، مثلاً، ان التلحمي بدر لاما (الأعمى) الذي أدخل صناعة السينما مع شقيقه إبراهيم إلى مصر، في فيلمه «الهارب» الذي يتحدث عن هروب فلسطيني من التجنيد الإجباري العثماني في سرايا بيت لحم، كان أنهى الفيلم في الدهيشة.
يفاجئنا أسامة العيسة على لسان الراوي بأن هناك تفسيراً آخر لاسم الدهيشة، له صلة بشخص سكن في أحد المنازل القديمة على شارع القدس ـ الخليل، واشتهر فلسطينياً وعربياً وعالمياً باسم «داهش بك»، صاحب الطريقة الداهشية، وهو سليم موسى العشّي الذي ولد في بيت لحم عام 1909، وعاش في بيروت حيث اكتملت أسطورته؛ يلح الراوي على أن لوثة جنون أصابت هذه البقعة من العالم، فلوثة بيت لحم أو لوثة الدهيشة نظرية صانعها صديق الصحافي عمّار الجوري، فإبراهيم لاما قرر في عام 1953 إنهاء حياته على طريق مصائر أبطال أفلام التراجيديا، وذلك بإطلاق النار نفسه، بعد قتل مطلّقته بالمسدس نفسه اثر فشله في ردّها إليه وغيرته المجنونة عليها، ويعزو الكاتب ذلك إلى أنه وفي هذه الرياح يا عُجيل ما إن تنتهي احتفالات عيد الميلاد حتى يدور العرض الساخر الجنوبي، وذلك خلال طقس غسل كنيسة المهد، فيخرج رهبان الطوائف المختلفة بالمكانس لتنظيف الكنيسة ولكن سرعان ما تتحوّل المكانس أسلحة، ورواق الكنيسة ساحة حرب، فتغطّي الدماء وجوه الرهبان، في مكان يعتبره مسيحيو العالم الأقدس ويجلّه أيضاً مسلمو العالم.
يعود بنا الراوي إلى جبرا إبراهيم جبرا صاحب «البئر الأولى»، ففي هذه السيرة الذاتية حديث عن طفولته في بيت لحم والقدس، وفيها يظهر داهش بك، فما يجمع جبرا وداهش كثير، فكلاهما ينتمي إلى الطائفة السريانية وإلى الحيّ نفسه، وإلى الطبقة الفقيرة نفسها. وداهش نفسه كان يتردّد على بيت جدّ هشام شرابي، فافتنّ هشام به وشغف بكتابه «ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية»، وانجذب إلى رسوم الكتاب الجنسية، فبدت فينوس، لهشام، تجسيداً لطهارة الأنثى وبراءتها، فبقي داهش في ذاكرة هشام طويلاً، ولا سيما في مذكراته «صور الماضي». للراوي رأي مخالف لعبقرية داهش، إذ انه «واحد من مجانين الدهيشة»، ليس إلا، «فأي صفة يمكن إطلاقها على نبي القرن العشرين هذا، الذي يروي البيروتيون انه كان سبباً في طلاق كثير من النساء اللواتي لحقن به في أسفاره؟». لكن داهش يمسي في مسرى الرواية هاجس المؤلف، ولا سيما انه انجذب إلى قصة ماجدة الحداد التي كلفت بداهش كلفاً دفع بها إلى إطلاق النار على نفسها وهي في الثامنة والعشرين، فهل انتحرت بسبب إيمانها به، أي بمن سمّته النبي، أم بسبب عشقها له، أم تراها لوثة بيت لحم انتقلت طقوسها إلى بيروت؟
الدهيشة هذه في نظر المؤلف هي موطن المجانين، فيما الدهيشة الأخرى المجاورة لها هي المخيّم المعروف بالاسم نفسه، وهي مسقط الراوي الذي يخاطب القارئ بعُجيل وعجيل هو المجنون المقدسي القائل «من عرف الله سار ومن سار طار ومن طار حار» في كتاب «عقلاء المجانين» للحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري من القرن الخامس الهجري، ومن هذا المخيّم الشاعر خليل زقطان (والد غسان زقطان) الذي برز في الخمسينيات والستينيات وهو صاحب «صوت الجياع» وأول مدير لمدرسة المخيم، ومن المخيم أيضاً عبد الله تايه الذي استشهد في ساحة المهد، برصاص عربي، لانتفاضه على حلف بغداد، فأصبح رمز تلك المرحلة الفوّارة من تاريخ الأمة العربية. على هذا النحو يزاوج العيسة بين الماضي والحاضر وبين التراث والحداثة ليرسم لنا صورة واضحة متصلة الحلقات لحياة اللاجئين الذين عاشوا آملين متأملين، وعاش كثيرون منهم ليشهدوا انهم، بدلاً من ان يذهبوا إلى بلداتهم، أتى إليهم في حزيران 1967. بهذا النفس السريالي الساخر الموازي للتشاؤلية يسطّر العيسة مأساة بلاده، فوالده الذي انتظر الجيش العراقي لينقذ فلسطين قبل سقوطها الأبدي خلع سرواله الأبيض ورفعه على خشبة طويلة وثبّتها على سطح غرفة وكالة الغوث، و«لم يدرك والدي في حينها أن سرواله سيكون سمة وشارة لزمن عربي لا تزال تعيشه أجيال متعاقبة». وعلى نحو مماثل فإن مريم العسلينية التي أصبحت مثلاً في مخيم الدهيشة، ورمزاً لهزيمة 1967، نزلت إلى ساحة شارع القدس ـ الخليل وأخذت ترقص أمام من بقي من أهل المخيم، يوم جاء إليه اليهود، تماماً كما رقصت لعقدين من قبل حين سمعت بقدوم جيش الإنقاذ، فانتهت إلى دير المجانين. فإلى زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم إلى فلسطين عام 1898، إذ رشق فلاح فلسطيني موكب الإمبراطور بحجر فما كان من الحرس السلطاني إلا أن أرداه. انها لوثة بيت لحم: لوثة الدهيشة من تصبه ينتظره مصير دراماتيكي.
يعمد العيسة في خفة أسلوب ودلال محتوى إلى مدّ القارئ بمعلومات جديدة عن فئة مجانين خارج الدير يعملون في مصنع سجائر لقاء أجر بخس من دون ان يعرف مصير أرباح المصنع، وهؤلاء كتبت عنهم صحيفة «الحقيقة» اليسارية التي حظرت إسرائيل توزيعها فدافع عنها المحامي الياس خوري الذي أصابه نحس مجانين الدهيشة، فوالده المحسوب على التيار القومي العربي قضى صباح 5/7/1975 حين فجّرت حركة فتح ثلاجة في القدس الغربية؛ عرفت هذه العملية باسم «عملية الثلاجة»، وأدت إلى قتل 12 إسرائيلياً، لكن لا أحد لا يذكر أن عربياً قُتل أيضاً هو والد الياس خوري. ثم يروي العيسة موثقاً بأن القدر المجنون تكرّر مرة أخرى مع الياس خوري بشكل مؤلم وصادم، ففي آذار 2004 خلال انتفاضة الأقصى، عندما كان ابنه جورج (21 عاماً) طالب الاقتصاد في الجامعة العبرية، يمارس هواية الركض في حيّ التلة الفرنسية على طريق القدس ـ رام الله، في موقع قريب من خطوط المدينة قبل احتلال 1967، أطلقت النار عليه مجموعة من حركة فتح مرّت بسيارة مسرعة، ظناً منها انه إسرائيلي فأصيب بأربع رصاصات أودت بحياته. صحيح ان الختيار (عرفات) أعلن ان جورج شهيد، لكن الأمر كان محزناً لالياس خوري وآخرين مثل صديقه عزمي بشارة، فشاركوه في تشييع ابنه في مقبرة مسيحية على جبل صهيون، فيتساءل الراوي: «هل هناك تفسير لما حدث له سوى نظرية الجنون؟ جنون صغير، ولكن هذه المرة كان جنوناً طاغياً، في بلاد أصبح الموت فيها عادياً. أهناك جنون أكثر من جنون الموت الذي لا معنى له؟ في بلادنا، عندما يُقتل جورج، يصبح شهيداً من وجهة نظر قاتليه، ولو كان القتيل واحداً آخر، لعُّد ذلك نصراً واختراقاً؛ يا للصدف العمياء التي تحدد مفردات موتنا». إلى يوسف علان ابن المخيم نفسه الذي كانت أمه تردد دائماً: «ركزوا ضربهم على رأسه، أرادوه مجنوناً، وكان لهم ذلك، يا حسرتي عليه»، وهو الذي كان يكبر الراوي بعشر سنوات، كان طالباً في التوجيهي عندما احتل الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية، وقُبض عليه في الشارع، قرب قبّة راحيل، وتعرّض لضرب مبرح، جعله مجنوناً. وكي يكتمل النقل بالزعرور رغب الراوي في تدوين سيرة يوسف علان بتشجيع من صديقه عمّار الجوري لكن نزق يوسف حال دون ذلك، فعندما أفشى له الراوي برغبته ارتجّ يوسف واهتجّ، متخلياً عن تهذيبه، قائلاً: وأنا لست إلا فرداً من وطن المجانين، الأنا ليست من مصطلحاتنا، نحن الواحد في الكلّ، والكلّ في الواحد. والعيسة لا يبرئ أحداً، فعلى لسان الراوي يعلمنا أن السلطة الفلسطينية وضعت دير المجانين تحت سيطرتها فتعدّت على الحيّز الفيزيائي للمجانين ببناء منشآت عسكرية ومدنية عليها، فبعدما كانت ساحة الدير تصل إلى نحو 160 دونماً، أصبحت بعد القضم المنظّم، نحو 60 دونماً فقط. هنا يلاحظ العيسة أن الوضع الجديد حوّل بعض الم جانين إلى شعراء: على هذا تتعاظم سلالة المجانين لتغمر أرض الدهيشة، فللمرأة في الدير قصص وحكايات، فخلال انتفاضة الحجارة خرجت المجنونات خارج أسوار الدير، إلى شارع الجبل، «ورأيت حماستهنّ وهنّ يضعن متاريس من الحجارة لإعاقة سيارات جنود الاحتلال». ولا يتورّع الراوي عن وصف مجنونات عائلته، فمنهن خالته صفيّة التي سكنها جان، أو الأصح اثنان من عالم الجان: جنّي فاسق وجنية مؤمنة، يعيشان في جسدها، ثم فارقت الشيخة صفيّة الحياة، من دون معرفة السبب المباشر في ذلك، هل هو التعذيب والضرب، أم الجوع، أم حالتها النفسية المتدهورة؟ «ولكن الغريب ان موتها لم يثر اهتماماً يُذكر مقارنة بالضجة التي أحاطت بها عندما جلبت عالم الجنّ إلينا». غير أن العيسة لا يرسم صوراً واضحة لمجانين الدهيشة فحسب، فها هو فلاديمير بريماكوف ابن الثالثة والعشرين المهاجر من روسيا والذي يخدم في جيش إسرائيل يكتشف عنصريتها فيلتحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مركزها في مخيم الدهيشة، فهل أصابته اللوثة أيضاً؟ ثم في حزيران 2012 حطّ الرئيس الروسي بوتين في فندق الملك داود ثم جاء إلى بيت لحم ليشهد موقع المركز الثقافي الروسي، من باب أنه حدث جيوسياسي. بعد عدة أسابيع، كانت الأرض المقدسة على موعد مع جنونٍ دموي، بدأ حرباً إسرائيلية على غزة، وامتدّ إلى وطن المجانين، ولكن تلك، جولة جنون أخرى، رواية أخرى من روايات الأرض المقدّسة التي لا تنتهي. ليكتبها مجنون غيري. لكن بريماكوف يعود؟؟؟ من جديد إلى الراوي، فقد قبض الأمن المصري عليه، وهو يحاول التسلل إلى غزة، عبر سيناء، لينضمّ إلى المقاومة الفلسطينية. وقال المصريون: إنه رجل الموساد.
لم يتمدّد النفوذ الجيوسياسي الروسي في الإقليم، ولكنه تمدّد إلى الأرض المجاورة للمركز الثقافي، فالمنطقة أعجبت بوتين، وبدأت ورشة عمل لبناء مجمع علمي ثقافي فني ضخم، ووُضعت كبسولة تأسيس المدرسة الروسية، وهي تحوي وثيقة عن بناء أول مدرسة روسية في فلسطين في عام 1917، والكبسولة عبارة عن أنبوبة مصنوعة من معدن ستانلس ستيل دُفنت في حفرة خاصة على عمق خمسة أمتار تحت أرضية المدرسة تكريساً لعرف روسي قديم. موقع المدرسة الروسية قبالة المدرسة اللوثرية، الروس مرة أخرى أمام الألمان في وطن المجانين، ومن عدة جهات، تظهر المستوطنات اليهودية بقرميدها الأحمر، حلم الصحافي النمساوي هرتسل أمام غليوم، مُشكّلةً طوفاً استيطانياً على وطن العقلاء، الذين شكّلوا طوقاً آخر على وطن المجانين.
في الأيام التالية، شوهد يوسف علان يطير، تعجز الشوارع عن حمله: «سار... طار... حار: سَطَحار... هي الحياة، هي الحياة سَطَحار...، يا صديقي المؤلف الغشيم، غشيم الكتابة والحياة، حتى لو استدعيت روح عُجيل المقدسي. أنت لا تعرف أنه تناسخ في روحي، أنا هو عُجيل، وأنا مَن تحكّم في روح روايتك». على هذا النحو يقفل العيسة روايته، مستفيداً من تقنيات السرد الفلسطيني الحديث من جبرا إلى كنفاني مروراً بحبيبي ولا يخفى ان الكاتب والصحافي الفلسطيني أسامة العيسة استفاد من تجارب هؤلاء الطليعيين في رصده المأساة الفلسطينية وتوثيقها رواية تنتمي في سردها إلى لغة شهرزاد، فكأن الرواية ليالٍ متعاقبة عن وطن مجانين فلسطين منذ الانتداب البريطاني، ذلك ان «مجانين بيت لحم» تروي تفصيلات وطن المجانين الفعلي وناسه في رمزها إلى وطن يتأكل تحت وطأة التغيرات السياسية التي تعصف، ومن هنا تمثّل الرواية فتحاً جديداً في مسار الأدب العربي، لا بل ان الرواية أصلاً صورة فوتوغرافية تقدّم الفلسطينيين بشراً عاديين من دون نبرة خطابية ولا مناجاة غنائية. أفلح أسامة العيسة في سرد معاناة أهل الدهيشة ووصف تضاريس مأساتهم في أسلوب ساخر لا يخلو من سريالية، لكن المحتوى وجودي بامتياز. ها هو أسامة العيسة يخطو بالرواية الفلسطينية نحو آفاق جديدة لقضية طال عمرها منذ غليوم إمبراطور ألمانيا إلى زمن عرفات والعودة إلى فلسطين.