| 

بدأت فكرة الدولة الثنائية القومية في الوسط الفكري اليهودي بالدرجة الأولى. ولعل مجموعة «بريت شالوم» (أو حلف السلام أو ميثاق السلام) كانت من أولى الحركات السياسية اليهودية التي اعترفت بحقوق قومية متساوية للعرب واليهود في فلسطين. و«بريت شالوم» التي ظهرت في سنة 1925 على أيدي آرثر روبين ويوسف غوروفيتش كانت، على الأرجح، السباقة في الدعوة إلى هذه الفكرة. لكن يهودا ماغنس (1878 ـ 1948) كان المفكر اليهودي الأكثر جذرية في هذا الموقف، فقد أصدر في سنة 1929، أي بعد انتفاضة البراق مباشرة، كتاباً بعنوان: «مثل كل الأمم» قال فيه إن الهدف الذي على اليهود أن يسعوا إليه هو إنشاء مركز روحي للشعب اليهودي في فلسطين، لأن فلسطين ـ بحسب ماغنيس ـ ليست دولة قومية عربية ولا دولة قومية يهودية، بل بلد ثنائي القومية.
تجاوبت بعض النخب العربية مع هذه الفكرة مبكراً، ودعت إلى تقسيم فلسطين إلى ثلاث مقاطعات: يهودية وعربية ومختلطة، أو إلى مقاطعتين فقط: عربية ويهودية. فاقترح أحمد سامح الخالدي على الوكالة اليهودية في سنة 1933 تقسيم فلسطين إلى كانتونين، ووجه رسالة بهذا المحتوى إلى يهودا ماغنيس في 23/7/1934. كذلك بعث موسى العلمي في سبتمبر/ أيلول 1933 تقريراً إلى دائرة المستعمرات في لندن يقترح عليها تكوين مقاطعة يهودية في فلسطين تمتد من تل أبيب إلى عتليت وتكون المستعمرات اليهودية من ضمنها. وفي رسالة من جورج أنطونيوس إلى دافيد بن غوريون (نيسان 1936) نعثر على أفكار أكثر تفصيلاً بهذا الشأن؛ ففي هذه الرسالة يقترح أنطونيوس أن يهاجر اليهود إلى سوريا الكبرى بدلاً من التركيز على فكرة الوطن القومي اليهودي، وأن يُعطى اليهود مقاطعة عند السهل الساحلي لفلسطين تكون مشمولة بالاتحاد السوري، على أن تكون فلسطين مركزاً روحياً لليهود لا مركز سياسياً لهم.
في سنة 1936 ظهرت منظمة «كديما مزراحا» أي «نحو الشرق» وهي مؤلفة من أعضاء «حلف السلام» الذي تفكك سابقاً. وتابعت هذه المنظمة دعوتها إلى قيام حلف بين العرب واليهود في مواجهة اليهود من أنصار الوطن القومي اليهودي والعرب من أنصار إلغاء الوجود اليهودي في فلسطين. وعندما صدرت خطة التقسيم في سنة 1937 بادر كل من ألبرت هايمسون والكولونيل نيوكمب في 9/10/1937 إلى إذاعة اقتراح مضاد عُرف بـِ«خطة هايمسون ـ نيوكمب». وتنص هذه الخطة على ما يلي:
1 ـ قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة عن الانتداب.
2 ـ يتمتع اليهود والعرب بالحكم الذاتي في شؤونهم الخاصة (وهذا يعني قيام وطن قومي يهودي لا دولة يهودية)، وبحقوق متساوية في الشؤون العامة.
3 ـ يجب ألا يتجاوز عدد اليهود في فلسطين وشرق الأردن 50% من عدد السكان في أي حال من الأحوال.
في هذا السياق قدم الحاج أمين الحسيني في 12/1/1938 (ونوري السعيد في 6/2/1938) خطة عربية تماثل تماماً خطة هايمسون ـ نوكمب. وظهرت في سنة 1939 «عصبة التقارب والتفاهم العربي ـ اليهودي» التي أسسها رابي بنيامين، ثم أسس فوزي درويش الحسيني (1896 ـ 1946) «منظمة فلسطين الجديدة». وهذه المنظمة عملت على التنسيق مع «عصبة التقارب والتفاهم العربي ـ اليهودي» التي طالما دعت إلى دولة واحدة للعرب واليهود في فلسطين. لكن اغتيال فوزي درويش الحسيني في 23/11/1946 أجهض مساعي هاتين المجموعتين. لكن، في سنة 1942، ظهرت حركة «إيمود» أي الوحدة، على أيدي كل من مارتن بوبر ويهودا ماغنيس وسميلانسكي وكالفريسكي، وهي عبارة عن اندماج بين منظمة «الحارس الفتى» (هاشومير هاتسعير) و«عصبة التقارب والتفاهم العربي ـ اليهودي». وكان يهودا ماغنيس، وكذلك مارتن بوبر، من معارضي فكرة الدولة اليهودية والوطن القومي اليهودي. ودعت حركة «إيحود» إلى قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين متحدة فيدرالياً مع الأقطار العربية المجاورة، والسماح بالهجرة اليهودية إلى الدولة المجاورة، والمساواة التامة بين العرب واليهود في المؤسسات التشريعية والإدارة وحقوق التملك وعدد السكان. وهذه الفكرة طورتها، في ما بعد، منظمة «ماتسبن» الاشتراكية.
أبعد من ذلك فإن العالم المشهور ألبرت آينشتاين أعرب عن قناعته منذ سنة 1927، وكرر ذلك أكثر من مرة (في سنة 1930 وفي سنة 1948 أيضاً)، بأن في الإمكان بناء مستقبل مشترك للعرب واليهود معاً. ولم يتورع عن التصريح في 27/11/1949 بأن تقسيم فلسطين كان خطأ، ومن الضروري السعي إلى فلسطين غير مجزأة حيث يعيش العرب واليهود فيها بسلام وحرية ومساواة. أما مارتن بوبر (1878 ـ 1965) فظل يدعو إلى «الإنسانية العبرية» في مقابل «القومية اليهودية»، ثم طوّر موقفه هذا إلى فكرة «الدولة الثنائية القومية».
عاشت فكرة الدولة الثنائية القومية ردحاً من الزمن، وكانت تمثل مسألة جدلية وخلافية معاً. لكن، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في سنة 1939 بدأ دعاة هذه الفكرة بالضمور، وراح حضورهم الفكري والسياسي ينحسر بالتدريج. وجاءت نتائج حرب 1948 لتقضي نهائياً على هذه الفكرة. لكن اندلاع حرب الخامس من حزيران 1967 واحتلال فلسطين التاريخية كلها أعاد إحياء فكرة الدولة الثنائية القومية مجدداً، وعادت هذه الفكرة لتحتل مكانتها على قائمة الجدال السياسي في إسرائيل.