| 

خلا اتفاق «أوسلو» الفلسطيني الإسرائيلي (1993) من أي ذكر «للدولة»، باستثناء الحديث عن قضايا الوضع النهائي، التي من شأن التوصل إلى تسوية لها، بحساب تقدير المفاوض الفلسطيني، أن يقود «منطقياً» إلى إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة. بيد أن ذلك لم يكن كافياً لقيامها فعلياً وممارستها السيادة الحقيقية على الأرض والسكان معاً، مثلما لم تسمح وقائع التغيير المتواترة في جغرافية الوطن المحتل على يد الاحتلال الإسرائيلي بجعل «حل الدولتين» ممكن التطبيق، حتى في المنعطف القادم على الأقل. ويرجع ذلك، ابتداءً، إلى المأزق الذي أوجده «أوسلو» عند تأجيل بحث قضايا الوضع النهائي إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله، أو لاختلال موازين القوى لمصلحة الاحتلال فحسب، وإنما، أيضاً، لإصرار الأخير على تحكيم هذا الخلل في عملية فرض تسوية مرفوضة لا تحقق الحدّ الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير وحق العودة.
قاد ذلك، بطبيعة الحال، إلى فتح «فرجار» جلسات التفاوض على وسعه، لأكثر من عشرين عاماً قابلاً للتمديد دوماً، فسارت «السلطة» في خيارها التفاوضي، خالية من أوراق القوة والإجماع الوطني، غداة نأي البدائل الاستراتيجية الأخرى، وفي مقدمتها المقاومة بشتى وسائلها، بينما مضى الاحتلال في نمط عدوانه الثابت، من دون أن تسهم اتفاقيات «أوسلو» في كبح عجلة مشروعه الاستعماري عن الدوران في نفس حلقة التفاوض المغلقة التي زجّ المفاوض الفلسطيني داخلها، وسط الانحياز الأميركي للاحتلال وضعف الدعم العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية.
 

«حكم ذاتي»


لا يستقيم «حل الدولتين» مع الوقائع القائمة على الأرض، والتي يسعى الاحتلال إلى تضمينها في أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الجانب الفلسطيني، بعدما امتلأت المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية. وإذا استمرت سياسة الاحتلال في استلاب الأرض والقرار معاً، وسط الانشغالات العربية عن القضية واستمرار الانقسام الفلسطيني والانحياز الأميركي المفتوح للاحتلال والمحاولات الغربية لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مصالحها، فلن يبقى من المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية شيء، بعدما قضمّ الاحتلال 80% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، مبقياً نحو 20% فقط للفلسطينيين، تشكل 12% من فلسطين التاريخية، ضمن «كانتونات» غير متصلة جغرافياً، لتشكل مع مساحة قطاع غزة قوام الدولة، وفق الرؤية الإسرائيلية للكيان الفلسطيني المستقبلي الذي لا يخرج بالنسبة إليها عن إطار حكم ذاتي معني بالسكان باستثناء السيادة والأمن الموكولتين للاحتلال.
تنسجم الجهود الأميركية الحالية لإخراج تسوية «ما» من المفاوضات، التي استُؤنفت في 30 تموز (يوليو) الماضي، مع الرؤية الإسرائيلية، في ظل ضغوط «انتزاع» موافقة فلسطينية عليها، حيث لا يخرج المطروح أميركياً عن نسخة منقحة من «أوسلو2»، أمام اتفاق إطار مرحلي يسمح ببقاء الاحتلال والكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على منطقة الأغوار لسنوات ممتدة، واختزال قضية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين في إطار «لمّ شمل العائلات»، مع تأجيل بحث قضية القدس إلى فترة لاحقة.
وبموجب ذلك؛ لن تنسحب سلطات الاحتلال إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967، في ظل موافقة فلسطينية مسبقة على «تبادلية» الأراضي بالقيمة والمثل، بينما لن تقام الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي المحتلة (وفق خبراء فلسطينيين)، وإنما على مساحة 1360 1380 كم2 من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، ضمن 23 «كانتوناً» مقطعة الأوصال عبر امتداد الأجزاء الخارجة عن يد الاحتلال. وبينما يجهد المفاوض الفلسطيني لبلوغ اتفاق نهائي يضمن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس، فإن أقصى ما يمكن أن يبلغه المفاوض الإسرائيلي مجرد اتفاق مؤقت يسمح بتأجيل بحث القضايا الشائكة في جلسات تفاوضية أخرى ممتدة.
تكمن الإشكالية هنا في التعويل المستمر للقيادة الفلسطينية على مسار التفاوض، بحسبانه خياراً استراتيجياً أوحد يتقدم على سواه من البدائل الأخرى، ولا يأخذ العنصر الإسرائيلي فى الحسبان، في ظل برلمان عنصري يضمّ في أكثر من ثلث مقاعده غلاة المستوطنين والمتطرفين اليمينيين، وتشكيلة حكومية يمينية استيطانية متطرفة، وإزاء انتفاء اختلاف حقيقي بين الأحزاب، بمختلف توجهاتها اليسارية واليمينية والدينية، تجاه القضية الفلسطينية، حيث ترفع مجتمعة «لاءات» العودة إلى حدود 4 حزيران (يونيو) 1967، وتقسيم القدس، وحق العودة، ووقف الاستيطان، مقابل إما الحديث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح، أو رفضها كلياً.

 

 

نقيض حق العودة


لا يضمن «حل الدولتين» تطبيق حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها عام 1948، فضلاً عن تناقضه البنيوي معه، إذ إن تنفيذ هذا «الحل» قبل الاعتراف بحق العودة وتنفيذه فعلياً، إضافة إلى قضايا الوضع النهائي الأخرى، من شأنه أن يلغي قضية اللاجئين عبر تحويلهم إلى مهاجرين في الخارج يستطيعون العودة إذا رغبوا في ذلك إلى «دولتهم المستقبلية» وليس إلى ديارهم وأراضيهم التي طردوا منها.
إن ما يدور الحديث عنه اليوم دولة فلسطينية بلغة الوضع النهائي، بمعنى «دولة» قبل الحل النهائي، أو بديلاً منه وليس حلاً يدرج في إطار تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي، بصفته أحد مخرجاته التفاوضية عند الفريق المفاوض، وقد تكون دولة انتقالية ذات حدود مؤقتة كما ورد في خريطة الطريق (2003)، لن يتم تحديدها بصورة نهائية إلا في غضون عشرين أو ثلاثين عاماً، بحيث تأخذ قضايا الوضع النهائي، عند قيامها، بالتفكك الى حدّ التلاشي.
فإذا قامت دولة فلسطينية من دون الاعتراف بحق العودة، فإن اللاجئين سيعتبرون مواطنين في الدولة الفلسطينية، حتى وإن كانوا يعيشون في الخارج، بحيث تتحول قضية اللاجئين إلى قضية مهاجرين أو رعايا أجانب، فامتلاكهم جوازات سفر فلسطينية سيحل مشكلة المواطنة في الدول المضيفة، فيما ستكون لهم جنسية وجوازات سفر و«دولة» يستطيعون نظريا العودة إليها إذا رغبوا بذلك. وحتى مع قيام دولة في غزة وعلى المساحة المتبقية من الضفة الغربية، فإن المسائل المتصلة بالاحتلال ستختفي من خلال تغيير المصطلحات، بحيث تستبدل عبارة خلاف أو نزاع بين دولتين بعبارة الاحتلال، وتحل عبارة المهاجرين محل اللاجئين، فيما تتوسع المستوطنات المترامية في عمق أراضي الضفة الغربية، تمهيداً لخلق وضع يتمثل في «كيان إسرائيلي» موسع يحتوي على مناطق كبيرة متصلة من أراضي الضفة الغربية، مقابل «كنتونات» مفتتة غير متصلة جغرافياً يحشر فيها الفلسطينيون تحت مسمى «دولة». ولأن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة المتبقية من يد الاحتلال لا يمكنها استيعاب عدد اللاجئين الفلسطينيين، فإن مجرد طرح عودتهم إلى الدولة المستقبلية يشكل انتقاصاً من حقهم وتجاوزاً له. ويدخل في هذا السياق محذور الاشتراط الإسرائيلي بالاعتراف الفلسطيني «بيهودية الدولة» في أي اتفاق يتم التوصل إليه، بحيث لم يعد الكيان المحتل يكتفي بالاعتراف به «كدولة» ذات سيادة وكأمر واقع وإنما دولة يهودية ذات شرعية دولية بالاتفاقيات والأعراف والقانون الدولي، بما يمنحها مشروعية تاريخية ودينية وقانونية مزعومة، ويؤدي إلى إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها بفعل العدوان الإسرائيلي عام 1948 وحرمان المواطنين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 1948 من حقهم في وطنهم وأرضهم.

 

 

 

 

«دولة» على الورق


لم يغير الاعتراف الدولي بفلسطين «دولة مراقب»، غير عضو، في الأمم المتحدة، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، من واقع الحال في شيء، رغم المكسب السياسي والديبلوماسي للخطوة الفلسطينية الأممية، ولكنها لم تقم «الدولة» فعلياً ولم تدحر الاحتلال، أيضاً. ولم يكن المسعى الأممي إلا حلاً لمأزق تفاوضي، إذ لم يكن القرار بديلا من التفاوض الذي لم تغادر القيادة الفلسطينية دائرته قط، ولكنها أرادت خلق بيئة تفاوضية جديدة من خلال تحسين المركز القانوني على المستوى الدولي عبر العضوية في الأمم المتحدة، أي أنها لم تضع المسعى الأممي ضمن إطار استراتيجية بديلة من المفاوضات بعدما أدركت فشلها، فيما أرجأت متطلباته اللاحقة إلى «وقت ملائم». وبسبب معاكسة الخطوة لمنطق إنهاء الاحتلال قبلاً وليس بعداً، بما تجرّه من تبعات جسيمة على القضية الفلسطينية وفي مقدمتها إسقاط نحو 78% من جغرافية فلسطين من حق المطالبة بها، فقد خلقت إبهاماً حول ما إذا كانت معولاً حقيقياً لتكريس الدولة على الأرض، أم سوف تتحول، في أفضل الحالات، إلى دولة محاصرة بحدود مؤقتة، أسوة بنمط اقتراح موفاز، وهو مرفوض فلسطينياً، أو «دولة حكم ذاتي»، بدلاً من «سلطة حكم ذاتي»، منزوعة السيادة والسلاح، بحيث يكون أقصى مدى سلطتها اعتماد اسم «دولة فلسطين» وشعارها على الأوراق والمعاملات الرسمية، أي دولة على الورق فقط، في ظل سيطرة الاحتلال على الأرض والحدود والمعابر والأجواء وما بينها.
مع ذلك؛ لن يلتزم الاحتلال نواتج المسعى الأممي الذي لا يغير موازين القوى ولا الوقائع على الأرض، وإنما سيدعو السلطة للاحتكام إلى نتائج المفاوضات الجارية برعاية أميركية، والدخول مجدداً في دائرة مغلقة لا منفذ فيها، استلالاً لمأزق ما قاد إليه أوسلو ابتداءً. إذ يدرك الجانب الإسرائيلي قدرته على الإفلات من ضغط اللحظة الحالية، في ظل المتغيرات الجارية بالمنطقة وتراجع اهتمام الدول العربية والإسلامية بالقضية الفلسطينية إزاء انشغالاتها بقضاياها الداخلية، مثلما يدرك، أيضاً، أن الانخراط في مسار التفاوض لن يغير من الواقع، مهما تكن نواتجه، حيث لن يلزمه ما يعاكس ما تجسده يد الاحتلال يومياً من متغيرات استيطانية في الأراضي الفلسطينية، وإنما ستكون محاولة أخرى لإدارة الصراع وليس حله.

كاتبة من الأردن.