| 

في حقبة ما بعد حرب 1967 كتب بعض الروائيين وكتاب القصة القصيرة، ولا سيما الذين شُردوا عن أوطانهم، عما مر به الشعب الفلسطيني إبان الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس استنادا إلى ما سمعوه وشاهدوه في أثناء الحرب، فيما نشط كتاب جدد في الكتابة عن الواقع الفلسطيني ما بين هذه الفترة والعام 1987 (بداية الانتفاضة الأولى)، وحرب لبنان عام 1982، وأطفال «الآر بي جي»، وخروج المقاتلين من لبنان إلى تونس وغيرها من البلدان، وما ارتكب من مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا، وأعقبها الكتابة عن أطفال الحجارة في الضفة الغربية وقطاع غزة وملاحقة جنود الاحتلال للشبان الصغار في أزقة المخيمات الفلسطينية وسقوط الشهداء والجرحى. أما خلال ما يعرف بحقبة أوسلو وما بعدها، وقيام السلطة الفلسطينية، فيرى بعض كتاب الرواية أن هذه الفترة كانت يُطلق عليها فترة المتغيرات السياسية، وهي ما تعرف لديهم بفترة «الركود الروائي»، حيث إن القليل منهم كتب خلال هذه الفترة لأسباب عدة، أهمها أنهم لم يعودوا يهتمون بالصراخ السياسي والانقسام الأدبي والتمييز الثقافي الذي جعل لبعض الكتاب لوناً من دون آخرين.

تأثر بالمتغيرات

يقول القاص والروائي عبد الله تايه، نائب رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين بين عامي 1995 و2003، والقائم بأعمال رئيس اتحاد الكتاب منذ العام 2003، «إن الرواية الفلسطينية عبرت في مراحلها المختلفة عن تطلعات الفلسطينيين وأحلامهم وقضاياهم إزاء المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إذ ان الشعب العربي الفلسطيني مر بقضايا عدة مختلفة أثرت بمجملها على الروائيين وكتاباتهم. ففي أعقاب احتلال ما تبقى من فلسطين تشرد عدد منهم في المنافي والشتات، وبالتالي برز عدد من كتاب المقاومة الذين كانت لغتهم واضحة ومفهومة وظاهرة للعيان، ومن هؤلاء كتاب الرواية والقصة أنفسهم الذين يعيشون الواقع لحظة بلحظة». وذكر تايه أن «الساحة الأدبية في فلسطين المحتلة شهدت محاولات جادة لوصل الحاضر بالماضي، حيث ثابرت مجموعة من الشباب الذين امتلك كثير منهم أدوات القص لملء الفراغ في الساحة الأدبية بعد حرب عام 1967، حيث تشرد الأدباء في المنافي، وفرض الاحتلال حصاراً ثقافياً، وقوانين عسكرية تحول دون حرية النشر والتجمعات الأدبية والأطر الثقافية، ومنع دخول الكتب والمجلات والصحف إلى الأراضي المحتلة، الأمر الذي جعل هذا الجيل منقطعاً إلى حدٍ كبير عن متابعة الجديد في الحركة الإبداعية والثقافة العربية». وأشار إلى أنه «واكب هذه الفترة غياب النقد الأكاديمي المختص، ولكن مع ذلك لم يستسلم هؤلاء الأدباء الشباب، بل حاولوا جاهدين كسر طوق العزلة المفروضة عليهم، حيث اتصلوا بإخوانهم داخل الخط الأخضر، واطّلعوا على تجاربهم الإبداعية، وانتفعوا من آرائهم وخبراتهم ومنابرهم الثقافية، أكان ذلك على صعيد اللقاءات والندوات الأدبية، أو النشر في بعض الصحف والمجلات الأدبية التي نشرت العديد من إبداعاتهم». وأضاف تايه: كذلك اتصل كتاب غزة بإخوانهم في الضفة الغربية، ونُظِّمت بعض اللقاءات الثقافية المحدودة في مكتبات البلديات بعيداً عن عين الرقيب العسكري، حيث كتبوا بأسلوب أدبي رائع حاكوا فيه الواقع الذي عاشه الإنسان الفلسطيني في فلسطين التاريخية والمعاناة التي لقيها بعد النكبة سواء من قبل عصابات الاحتلال أو في دول الشتات العربية المجاورة، كما تعامل الكاتب من خلال رواياته مع القضايا التي طرحها بجرأة عالية فضحت جرائم الاحتلال والمتآمرين على القضية الفلسطينية.

خصوصية تحت وطأة الهزيمة

يمكن القول إن الرواية الفلسطينية عاشت ظروفاً استثنائية تمثلت في تشتتها الجغرافي ما بين فلسطين عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة إلى دول الشتات، إلا أن ثمة خصوصية للرواية الفلسطينية في الضفة والقطاع، فرضتها الظروف السياسية، فالرواية الفلسطينية حظيت بالدراسة من خلال بعض المؤلفات، وإن كانت قليلة، ما أفقدها جزءاً من حقها في الدراسة الشاملة. وبحسب يوسف الشحادة في كتابه «الرواية الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة» الصادر عام 2009، فإن «الرواية الفلسطينية بعد هزيمة 67 شهدت صمتاً واضحاً، جراء الهزيمة التي لم تكن بواقعها مجرد هزيمة عسكرية، وإنما جاءت لتعلن انهياراً فكرياً يطال البنى الاجتماعية والسياسية والعسكرية في العالم العربي بأسره، الأمر الذي جعل المفكرين والسياسيين ينصرفون إلى إعادة النظر في الموروث، فبحثوا مجدداً عن جذور النكبة وكتبوا فيها».
وجاء في الكتاب أن الإنتاج الروائي في الضفة وقطاع غزة تأخر كثيراً، حيث صدرت أول رواية في العام 1974، أي بعد سبع سنوات من الاحتلال، بمعنى أن الحركة الروائية جاءت متأخرة مقارنة بالنشاط الذي شهدته القصة القصيرة والشعر في الفترة نفسها. وأبرز الأسماء التي ظهرت: إبراهيم العلم، أحمد حرب، أسعد الأسعد، جمال بنورة، سحر خليفة، عادل الأسطة، عبد الرحمن عباد، عبد الله تايه، علي الخليلي، غريب عسقلاني، محمد أيوب.

عمر حمش: للسرد مذاقه العجيب

قال الروائي والقاص عمر مصطفى حمش: للسرد في قطاع غزة مذاقه العجيب، مذاقُ غزة بذاتها، وله أيضا ذاك الإيقاع المتماهي مع ضرورات الفعل على الأرض، ومستجدات مراحله المتلاحقة. وأضاف: والكاتب هنا أسير دائم مضطرٌ للهاث، كيف لا وناسه في لهاث مقيم! الصورة لديه سيف، بصحبتها يغور مع الغائصين في مستنقع الجحيم! وهو لهاثُ التصدّي لهزيمتين، هزيمة حزيران، وهزيمة أوسلو! وتابع: هما ضربتان إذاً. وبأيدينا زدنا ضربة الانقسام اللعين ثالثة. في الأولى كنت غضّا على إيقاع صوت العرب يمارس الانتظار.. فتركني زلزالها مذهولاً أمارس التحديق في بئر الظلمة، ووجداني أرخيه كيتيم أغرقه بحرُ الغامض المجهول. 5 حزيران. كانت الهزيمة المتوحّشة التي في ساعات طوّحت بسقفِ القلاع، وبمنجلها اجتثت استدارة القمر. 5 حزيران كانت جنون الصدمة المدويّة، الضربة الثانية كانت التوقيع الغشيم في أوسلو، لنصفق قليلا لنيّةِ التجريب، ثم بكينا دهراً طويلاً! وأضاف: بعد أوسلو كانت صدمتنا، فالبعض غرق في مائدة أوسلو، ورضي وأرضى من حوله بعض الصغار. لكنها كانت صدمة المبدعين الكبار، الزاهدين القانطين إلا بالوصول لمحطة الظفر الأخيرة.. لا وظيفة ولا راتبٍ ولا رتبة.. لا سفر رغم ما كان من منعهم الدائم من السفر زمن الاحتلال. ولا أعطيّات زعيم تُسكن نفساً صغيرة، بل حريّة حقيقية. وأشار إلى أن «أوسلو كانت نكبة المبدعين، حيث احتار القلم وإن قليلاً، ولمّا استعاد لياقته كان عليه هذه المرة أن يحارب على جبهتين: جبهة الاحتلال وجبهة الفساد الجديدة. أوسلو خلق لدينا طبقة جديدة من الكبار، محظيي السلطة. كبار استبدوا بكلّ مقاليد الحياة.. وتركوا غزة ترفلُ بالبطالة، وبأزمة السكن، وبالذهول والعجب». وعن كتاباته، ذكر حمَّش أن أول مؤلفاته كانت مجموعة قصصية بعنوان «أزهار إلى مقبرة المخيم» تم نشرها في العام 1990، ومن ثم «الخروج من القمقم» وطبعها اتحاد الكتاب الفلسطينيين في العام 1992، بالإضافة إلى مجموعة قصصية أخرى بعنوان «عودة كنعان» نشرها اتحاد الكتاب الفلسطينيين في العام 1996، ورواية «في حزيران قديم» نشرتها وزارة الثقافة الفلسطينية عام 2001، وأيضاً «قصص فلسطينية» وهي عبارة عن مجموعة مشتركة منها «فخاخ الكلام»، وهي مجموعة قصص قصيرة جداً نشرتها وزارة الثقافة في العام المنصرم 2013.

صحافي فلسطيني مقيم في غزة.