| 

الرابع من كانون الثاني 2009، هو يوم لن تستطيع غالية نمر (54 عاماً) من سكان منطقة الزيتون في غزة، محوه من ذاكرتها، فهو يوم قلب حياتها رأساً على عقب وحولها إلى كابوس تعيشه إلى الآن بعد استشهاد ثلاثة من أبنائها. «الفقر والحزن والمرض» ثلاثة إذا اجتمعوا في أحد حولوا حياته إلى جحيم. ما بين الألم عقب استشهاد أبنائها الثلاثة، ومن بينهم معيل أسرتها الوحيد، إلى مرض زوجها الذي أقعده عن العمل وتركها وحدها تواجه معترك توفير لقمة العيش لمن بقي من أبنائها. ومع حلول ذكرى مأساتها، كما هي الحال في مطلع كل عام، تبدأ غالية بسرد قصتها قائلة: إلى الآن أعاني ويلات حرب عام 2009، فموت أبنائي الذين كنت أعتمد عليهم جعل صعوبة العيش تلازمنا في حياتنا كل يوم، وباتت اللقمة صعبة المنال.
بالنسبة إلى غالية، حينما يصبح الموت على بعد خطوات، وتمر الدقائق والثواني طويلة ثقيلة، وحدها الآلة الحربية تتلاعب بأعصاب الإنسان، فإما أن يهادن خوفه المتزايد مع مرور الثواني وإما أن يلقي به بين فكي الموت. حينها ـ كما تقول غالية - يغلق المرء عينيه للحظة متمنياً أن ينتهي الكابوس، «لكن مع أول صوت قصف أو صرخة طفل تدرك أنه القدر الذي لا مفر منه».
كانت ليلة الاجتياح من أصعب الليالي التي عاشتها عائلة غالية التي تضيف وهي تمسح دموعها: في تلك الليلة لم يغمض لي جفن، وكان الخوف يتملكني أكثر وأكثر مع كل هزة يهتزها بيتنا أو صوت قصف المدفعية الإسرائيلية، كنت أعد الدقائق والثواني وأترقب بزوغ الفجر بفارغ الصبر، لأن القصف يصبح على أشده في الليل، وكنت أحاول أن أقرأ بعض آيات القرآن التي أسعفتني الذاكرة في استجماعها، وأنطق الشهادة مرات ومرات مع اقتراب صوت القصف من منطقتنا أكثر وأكثر وأنظر إلى أبنائي وكأني أودعهم. وتواصل: على الرغم من ضجيج القصف الإسرائيلي المتواصل الذى ملأ سماء غزة منذ بداية العدوان، كنت أحاول أن أطمئن أبنائي حتى لا يشعروا بالخوف، وتضيف: في اليوم الذي سبق الهجوم قال لي ابني البكر إبراهيم الذي كان يعمل في بيع «العوامة» على طريق صلاح الدين، إنه لن يذهب الى عمله خوفاً من الموت، لكن وحشية الاحتلال لم تتركه حتى وهو في منزله. وتتابع غالية ودموعها تسيل بغزارة: حوالي العاشرة من صباح ذلك اليوم، لم يكن في المنطقة أي دبابة أو أي من جنود الاحتلال أو حتى رجال مقاومة، حينها تنفسنا جميعنا الصعداء وتوجهت إلى المطبخ لإعداد الفطور، فاستغل بعض أبنائي وابن شقيقي وخطيب ابنتي الفرصة وصعدوا إلى سطح البيت، لكن لم يمض وقت طويل حتى وقعت الكارثة التي قلبت حياتنا رأساً على عقب. كان صوت الصرخات يطغى على صوت الطائرات، عرفت حينها أن مكروهاً قد حصل. صاروخ واحد حول حياتي إلى جحيم، وحفر في ذاكرتي صرخات عائلتي وصورة الأشلاء الممزقة المتناثرة في كل مكان. سمعنا صوت الصاروخ يضرب سطح غرفة المعيشة، ركضت مع من كان داخل البيت إلى الطبقة السفلية وسط الدخان الكثيف الذي ملأ المكان، ولم أفطن إلى أن أبنائي وابن شقيقي وخطيب ابنتي ليسوا معنا إلا بعد أن انقشع ظلام الدخان وسمعت الأنين والصرخات من الطبقة العلوية. وحين صعدت إلى سطح البيت الذي تدمر بشكل جزئي، فوجئت بما رأيت، وأصابتني حالة من الهستيريا، رأيت أشلاء أبنائي المتفحمة تملأ المكان. حاولت أن أحملهم لكن أجسادهم كانت حارة جداً. واعتقدنا حينها أن جميع من كانوا على السطح قد ماتوا، لكن حسين ابن أخي، وبرغم أن الانفجار قذفه إلى خارج البيت، إلا أنه بقي حياً وفي حالة خطيرة جداً، وإلى اليوم ما زال يعاني. وتستدرك: كان هناك عدد ممن أصيبوا داخل البيت وكانت صرخاتهم تملأ المكان، استدعينا سيارة إسعاف نقلت المصابين تاركة الشهداء في أماكنهم. لم أعرف حينها ماذا أفعل، هل أتوجه مع المصابين إلى المستشفى أم أبقى لأبحث عن أشلاء أبنائي الذين قتلوا؟! كانت جثة ابني أيمن مفقودة ولم نجدها إلا أشلاء صغيرة في بيت جيراننا. لم أُعلم ابنتي بأن خطيبها مات، فقد كنت أقول لها إنه مصاب فقط. وفي المستشفى أدركت بأنني فقدت ثلاثة من أبنائي، لكن كان علي البقاء إلى جانب ابنتي لمنحها القوة، ولذلك لم أحظ بفرصة لتوديعهم.
تضيف: «لم تتمكن عائلتي من العودة إلى منزلها، فقد كانت منطقة الزيتون في غاية الخطورة في ذلك الوقت، وكان المنزل قد أصيب بأضرار جسيمة جدا، وأصبح غير صالح للسكن، فاضطررنا الى الانتقال إلى منزل شقيق زوجي في منطقة الشيخ رضوان في مدينة غزة، وهناك بدأت معاناة أخرى، فنحن لم نكن العائلة الوحيدة التي لجأت إلى هذا المنزل لتحتمي من خطر الحرب، فالمنزل امتلأ بالأقارب الفارين من مناطق سكناهم بحثاً عن الأمان، وكان الوضع بالنسبة لنا غير مريح، وخاصة أن الجو كان باردا جدا ولم يكن لدينا ملابس ولا أغطية ولا نقود، فقد غادرنا منزلنا من دون أن نأخذ شيئا، حتى أنني كنت بلا حذاء، ولم يكن هناك ما يكفي من الأغطية لجميع من نزحوا إلى هذا البيت، إضافة إلى أنني كنت خائفة طوال الوقت من أن يحدث لأبنائي الباقين شيء خلال فترة العدوان.
وتقول غالية: كنت حينها بين خيارين أحلاهما مر، إما البقاء في هذا المنزل الذي امتلاً بالناس أو العودة إلى ما تبقى من منزلي، الذي أصبح بلا نوافذ ودمرت أجزاء كبيرة من جدرانه. ثم قررنا أن نعود سريعاً إلى بيتنا من أجل أخذ بعض الملابس، لكننا لم نجد شيئاً، فقد كان الكثير من حاجيات المنزل قد أحرق وكان البيت قد أصيب بأضرار جسيمة.
تستطرد: فجعت باستشهاد ثلاثة من أولادي، إبراهيم ابني البكر والمعيل الوحيد للعائلة المكونة من 7 أفراد، وعبد الكريم وأيمن، ودمر أغلب منزل العائلة ولم يبق لنا أي معيل، حيث أن زوجي يعاني مرضاً عضالاً يمنعه من العمل. وتضيف: عائلتي لا تمتلك الآن أي مصدر دخل إلا بعض المساعدات التي تأتي من المؤسسات التي تدعم أسر الشهداء، ومن وكالة الغوث، لكن ذلك لا يكفي. وبصوت يملأه الحزن تقول غالية: في العام الماضي اشتد المرض على زوجي، وأصبح لزاماً علينا أن نرمم البيت الذي نسكنه، فحاولت أن أوفر بعض نفقات البيت عن طريق عمل أكلة المفتول وبيعها للناس والمحال التجارية، لكن صعوبة العيش لا تزال تلاحقنا ولا أعلم ما الذي قد يحدث لأبنائي إن حل لي شيء.
عائلة المواطنة غالية نمر ليست العائلة الوحيدة التي عانت ويلات الحروب الإسرائيلية في قطاع غزة، فقصتها مثل قصة مئات من العائلات، قلبت الحرب حياتها رأساً على عقب، ولكنها تبقى شاهدة على نضال شعب أعزل أمام آلة الحرب الإسرائيلية التي لا ترحم كبيراً أو صغيراً.


* صحافي فلسطيني مقيم في غزة.