| 

تعالج هذه المقالة مواقف ثلاثٍ من الحركات الإسلامية السياسية في فلسطين: حماس والجهاد الإسلامي وحزب التحرير، من الحلول المقترحة لإنهاء الصراع مع إسرائيل، وهي حلول تتباين بين:
1ــ حل الدولتين: دولة فلسطينية ذات سيادة تقوم إلى جانب دولة إسرائيل وتقيم معها علاقات اعتراف وتعاون وحسن جوار، وهو الأكثر رواجاً على الساحة السياسية كونه المطروح والذي تدعمه الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الأخرى التي ترعى مسيرة التسوية، والذي تدعمه أيضاً الدول العربية التي تبنته في مبادرتها للسلام (وأساسها مبادرة الملك فهد)؛
2ــ حل الدولة الواحدة ثنائية القومية التي تضم العرب، مسلمين ومسيحيين، واليهود، ويحكمها نظام ديموقراطي ينتخب الشعب مؤسساته التشريعية والتنفيذية وتُحترم فيها المزايا الثقافية لكل مجموعة سكّانية، وهو حل تطرحه وتتناوله بالبحث والنقاش شخصيات أكاديمية وسياسية غير رسمية، وهو لم يدرج في أي مفاوضات رسمية جرت في الماضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما أنّه غير مطروح حالياً للنقاش في المفاوضات الجارية؛
3ــ حلٌّ فلسطيني قديم، طرح بقوة منذ النكبة الفلسطينية عام 1948 وتبلور في الميثاقين القومي (1964) والوطني (1968) ويقضي بإزالة دولة إسرائيل، ككيان سياسي صهيوني، والبديل منه إقامة دولة عربية مستقلّة يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود على قدم المساواة، وهو حل يقوم على أساس التأكيد على الحق التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني في أرضه، وعلى إمكانية التعايش المشترك بين أتباع الأديان المختلفة، لكن ليس تحت سيادة صهيونية. وهذا الحل، وإن كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد تخلّت عنه رسمياً وعملياً، إلاّ أنّه ما زال يطرح في الأوساط الشعبية، وما زال يلاقي تعاطفاً غير قليل.
 

إطار تحليلي


من الضروري لعرض مواقف الحركات الإسلامية من هذه الحلول وضع المسألة في إطار نظري يوضّح الأسس المبدئية التي تستند إليها هذه الحركات في رؤيتها للصراع مع إسرائيل، ورؤيتها بالتالي لأساليب حلِّه. ويتضمّن هذا الإطار كشفاً لموقف هذه الحركات المبدئي من إمكان التوصّل إلى تسوية سلمية-سياسية دائمة للصراع مع إسرائيل، وما يقتضيه ذلك من اعتراف وتسليم بحق اليهود الصهاينة في إبقاء كيانهم السياسي السيادي على جزء من الأرض الفلسطينية، وإقرار بضرورة التعايش العربي الفلسطيني السلمي مع هذا الكيان مستقبلاً، وعدم السعي لقتاله أو القضاء عليه. كما يتضمن الإطار توضيح طبيعة النظام السياسي المطلوب إنشاؤه في فلسطين بعد تحريرها من الهيمنة الإسرائيلية.

 

 

الحركات الإسلامية وإمكان التسوية


ثمة ثلاث قضايا أساسية يمكن من خلالها توضيح الموقف المبدئي المشترك للحركات الإسلامية الفلسطينية من إمكانية تحقيق تسوية سلمية - سياسية دائمة للصراع العربي الصهيوني، وهذه باختصار:
أولاً، إنّ الطرح الواضح في أدبيات الحركات الإسلامية الفلسطينية هو أنّها لا تعترف، وليست على استعداد للاعتراف، بشرعية دائمة أو حتّى موقتة لدولة إسرائيل على أي جزء من الأرض الفلسطينية، وهي رغم استعدادها للقبول بوجود يهودي في فلسطين، على اعتبار أنّ مثل هذا الوجود كان قائماً في العهود الإسلامية التي عاشتها فلسطين، وعلى اعتبار أن اليهودية ديانة وليست قومية، ليست على استعداد للقبول بكيان سياسي يهودي - صهيوني له سيادة على فلسطين، أرضاً وشعباً وموارد ومقدسات. إنّ التعايش مع السيادة الصهيونية على فلسطين، أو على أي جزء منها، مسألة غير واردة على الإطلاق في فكر الحركات الإسلامية، ويعدّ مثل هذا التعايش في أدبيات هذه الحركات كفراً وخروجاً عن العقيدة الإسلامية ونصوص القرآن الكريم التي أعلنت إسلامية هذه الأرض، وخيانةً لتاريخ وتراث الأمّة الإسلامية التي فتح أجدادها هذه الأرض ورووها بدمائهم. والنتيجة المنطقية لهذا الطرح هو أنّ الحركات الإسلامية الفلسطينية لا تؤمن بإمكانية تحقيق تسوية سلمية - سياسية للصراع مع إسرائيل، يمكن اعتبارها نهايةً لهذا الصراع.
ثانياً، تنبثق من هذه القاعدة المستندة لاعتقاد ديني، إيمان الحركات الإسلامية الفلسطينية بأنّ مصير إسرائيل محسوم بقرار وتقدير ربّاني، فهي إلى زوال مهما طال الزمن، وهي لن تعيش أكثر ممّا عاش الغزاة السابقون. فلا يمكن بهذه الحالة التسليم بموازين القوى البشرية/الدولية، والتي هي حتّى الآن لصالح إسرائيل، لأنّ الأمور في النهاية بيد الله عزّ وجلّ، ولا يمكن لأية قوة بشرية أن تخرج عن إرادته تعالى وقدرته. ويشكِّل هذا الاعتقاد الديني جوهر العقل الباطن للحركات الإسلامية والدافع الأساسي وراء رفض التسليم بإسرائيل كأمر واقع، ورفض السعي للتعايش معها، فالحركات الإسلامية، بناءً على الاعتقاد والإيمان الديني، ترفض أطروحات المدرسة الواقعية السياسية، وعلى رأسها السعي الفلسطيني الرسمي لتحقيق ما هو ممكن من خلال المفاوضات والشرعية الدولية بدلاً من الإصرار على الحلّ المثالي بعيد الإمكان، وتعتبر هذا استسلاماً للغرب وإسرائيل، وخروجاً عن الحق الفلسطيني الراسخ.
ثالثاً، لا تطرح الحركات الإسلامية الفلسطينية انتظار حدوث معجزة إلهية من أجل تحرير فلسطين، بل هي ترى أنّ السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو الجهاد الذي تقوم به الأمّة الإسلامية، وفي طليعتها الشعب الفلسطيني، ضد هذا الكيان الغاصب، وهو جهادٌ مستمرٌ، بناءً على حديثٍ للرسول محمدٍ (صلّى الله عليه وسلّم)، إلى يوم القيامة. أي أن الحلّ العسكري-الجهادي هو جزء من التعاليم النبوية التي لا يمكن الخروج عنها، أو المماراة في حتمية حدوثها على أرض الواقع. وهذا الحلّ العسكري-الجهادي هو بالتأكيد نقيض التسوية مع إسرائيل والاعتراف بحقٍ لها في فلسطين.

 

 

 

 

الاختلاف بين هذه الحركات


على الرغم من الاتفاق بين الحركات الإسلامية حول القضايا الثلاث السابقة، إلاّ أنها تختلف في عدة تفاصيل، وهي تفاصيل واضحة لأي متابع لهذه الحركات ولمواقفها من القضية الفلسطينية، ومن مجمل التغيرات في العالم العربي. وأهم هذه الاختلافات يكمن في التصور المطروح لطرق تحقيق الحلّ الإسلامي للقضية الفلسطينية، وهل يمكن القبول بحلّ مرحلي موقت (وهو ما عبَّرت عنه حركة حماس بالهدنة) قبل التحرير الكامل لفلسطين من الاحتلال الإسرائيلي؟ ويأتي في سياق هذه المسألة الموقف من النظام القطري العربي، الذي تحكم نخبه العالم العربي وتقود صراعه مع إسرائيل والإمبريالية الغربية، فهل نقبل بهذا النظام القطري ونتعايش معه، أم نرفضه ونسعى لقلبه وتغييره؟ لقد انعكس اختلاف الرؤية في هذا الموضوع ليس من مسألة حل الدولتين فحسب، بل من الموقف من تغيرات ما سمي بالربيع العربي أيضاً وخصوصاً في الموضوع السوري.
فحزب التحرير، وهو أكثر الحركات الإسلامية الفلسطينية عنايةً بالطرح النظري، يركِّز في طرحه على ضرورة استعادة الخلافة الإسلامية أولاً كخطوة ضرورية وأساسية من أجل العمل على تحرير فلسطين، لأنّ تحرير فلسطين هو جزء من تحرير الأمّة الإسلامية كلّها من الخضوع لهيمنة الغرب، الذي يطلق عليه الحزب نعت «الكافر المستعمِر»، ولا يتمّ هذا التحرير الكلّي إلاّ بإعادة نظام الخلافة، وفور تحقيق ذلك يقوم الخليفة بتجهيز جيش التحرير وبإعلان الحرب على إسرائيل. لذا لا يقبل الحزب بأي شكل من أشكال التفاوض مع إسرائيل، أو الاعتراف بها وعقد الصلح الدائم معها، أو عقد هدنة بفترة زمنية محددة بدلاً من الصلح الدائم.
والحزب ضمن هذه الرؤية غير مستعد للمساهمة في أي نشاط سياسي يصرف الأمّة عن هدف إقامة الخلافة، ويعتبر أنّ أي مسعى آخر غير مسعى تحقيق هذا الهدف مضيعة للوقت ولن يؤتي الثمار المطلوبة بالتحرير. ويأتي مع هذا الطرح رفض الحزب للدولة القطرية العربية، التي هي، بحسب اعتقاده، صنيعة «الكافر المستعمِر»، كما تأتي المناداة بإسقاطها، لأنّ وجودها بذاته هو حائل دون استعادة الخلافة، فهي دولة تجزئة وليست دولة وحدة، وهي رغم ادعائها الاستقلال ما زالت مرتبطة بالاستعمار، الذي هدم الخلافة وأقام إسرائيل، وما زالت تنفّذ سياساته وأهدافه في العالم الإسلامي. وبالتالي فإنّ النخب الحاكمة في الدول القطرية هي نخب خائنة لقضايا الأمّة، وغير مؤهلّة للدفاع عنها وعن ثرواتها.
ولعلّ في هذا الإيجاز لموقف حزب التحرير ما يوضّح حماسة الحزب لتغيير النظام السوري، ومشاركة أعداد من شبابه في مقاتلة النظام، وتحالفه مع جبهة النصرة، في حين أنّه لم يطلق طلقةً واحدة ضد إسرائيل منذ تأسيسه وحتّى الآن. فاعتقاد الحزب راسخ بأنّ تغيير الأنظمة القطرية سيقود لإقامة الخلافة التي هي الشرط الأساسي لتحرير فلسطين.
مقابل طرح حزب التحرير الذي بقي في الشأن الفلسطيني طرحاً نظرياً لم يبلور أية خطوات عملية، ولم يحدث أية تأثيرات على مجمل القضية الفلسطينية، تركّز حركة حماس أملها في تحرير فلسطين على نجاح الإخوان المسلمين في الوصول إلى سدّة الحكم في واحدة أو أكثر من الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وبالتالي تهيئة الجغرافيا اللازمة لقتال إسرائيل، وتهيئة الظروف العسكرية لذلك. ولحين تحقيق مثل هذا الهدف، تقوم «حماس» بالجهاد ضد إسرائيل، وبدعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها في التوسع على أرضهم وطردهم خارجها. فالحركة تبني رؤيتها على قدرات جماعة الإخوان التي نشأت من أجل النهوض بالأمة وإعادتها لمجدها التاريخي المفقود. ولنا بهذا أن نفهم «سياسة» حركة حماس عقب وصول الإخوان المسلمين للحكم في مصر وتونس وسعيهم للوصول إليه في سوريا، وكيف أدى هذا إلى التغيّر في تحالفاتها ومواقفها السياسية.
بيد أنّ «حماس» في أثناء انتظارها انتصار الإخوان تعمل بما تستطيع في حقل الجهاد ضد إسرائيل. وكما هو حال الإخوان المسلمين، فإنّ «حماس» لا ترى مفراً من التعامل مع النظام القطري العربي، بما يتضمنه ذلك من مخاصمته والصراع معه أحياناً، أو محالفته والتفاهم معه أحياناً أخرى، ولذا نرى العلاقات الواسعة التي أقامتها «حماس» مع الدول العربية المختلفة، والتي تستند في غالبها لعلاقات جماعة الإخوان مع هذه الدول. وطبيعي أنّ العلاقة مع النظام القطري العربي تقتضي أحياناً إطلاق تصريحات يبدو من ظاهرها القبول بحل الدولتين على حدود 1967، كما فعل رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل مثلاً، ولكن هذا يأتي في إطار المناورة السياسية، ولا يعكس تغييراً في المواقف المبدئية للحركة.
يرتبط إذاً موقف «حماس» السياسي في الموضوع الفلسطيني من وضع الإخوان المسلمين في العالم العربي، فهي تقبل ما يقبلونه وترفض ما يرفضونه، وهي ترسم سياستها بناءً على ما يستطيعون تحقيقه في العالمين العربي والإسلامي. ومن هنا يأتي طرح الهدنة الموقتة، باعتباره تأقلماً مع الواقع العربي والإسلامي والإخواني، العاجز حالياً عن إلحاق الهزيمة بأميركا وإسرائيل، ولكنه في نفس الوقت طرح لا يمكن اعتباره خروجاً عن الأهداف النهائية بالتحرير الكامل وبإزالة دولة إسرائيل من فلسطين.
أما حركة الجهاد الإسلامي، التي نشأت تاريخياً كتجاوب فلسطيني مع الثورة الإسلامية في إيران، فهي تركّز فكرها حول نهوض الأمّة، وانتصار «الثورة الإسلامية» في العالم الإسلامي، وهي ثورة ضد الغرب الامبريالي وصنيعته إسرائيل وحلفائه من الأنظمة العربية، لذا فالحركة في قطيعة مع الأنظمة العربية التي تسير في الفلك الأميركي، وهي ذات الأنظمة التي تدعم التسوية مع إسرائيل. والحركة تعتبر نفسها جزءاً من هذه الثورة الإسلامية، وهي عملياً أول من باشر من الحركات الإسلامية الفلسطينية في مقاتلة إسرائيل، وقد اعتمدت على الدعم الذي تقدمّه دولة إيران الإسلامية للجهاد ضد إسرائيل، وهي تؤمن بأن هذا الجهاد سيبلغ مبتغاة حين ينتصر مدّ الثورة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي وتصبح الأمّة قادرة على مواجهة الغرب وربيبته إسرائيل مواجهةً حاسمة.
ترفض حركة الجهاد الإسلامي أي شكل من أشكال الاعتراف بإسرائيل، وأي سعي للتصالح والتفاهم معها، ولا ترى في أطروحة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 سوى تنازلاً عن فلسطين المحتلة عام 1948، وتخلياً عن فلسطينيي الشتات، وركضاً وراء الأوهام، لأن طبيعة الفكر الصهيوني، وأساطيره الدينية، لا تسمح لقيادته السياسية تقديم أية تنازلات للفلسطينيين، مهما كانت ضئيلة. لذا فحركة الجهاد لم تشارك في انتخابات السلطة الوطنية، ولا في أيٍ من مؤسساتها، ولا ترى أن منظمة التحرير قد فعلت صواباً حين قبلت بمبدأ التسوية السياسية وتخلّت عن المواجهة مع إسرائيل.
أما عن شكل الدولة التي ترى حركة الجهاد الإسلامي قيامها في فلسطين المحررة، فصحيح أنّ الحركة تعتبر من أهدافها إقامة دولة تحكم بالشريعة الإسلامية في فلسطين، إلاّ أنّها لا تعتبر هذا الأمر مسألة ذات أهمية كبيرة، وهي لا ترى طرحها للنقاش والبحث قبل تحقيق هدف التحرير، كما أنها لا تعتبر إقامة الخلافة الإسلامية شرطاً ضرورياً لمقاتلة إسرائيل والجهاد ضدّها.

محاضر في دائرة العلوم السياسية بجامعة بيرزيت.