| 

في العدد 127 من مجلة «المجلة» المصرية (صيف 1967) اشترك غسان كنفاني في ندوة كان محورها «الموقف الحاضر في القصة العربية» سوية مع حليم بركات وزكريا تامر ويحيى حقّي وصبري حافظ، وفيها قدّم ما يمكن أن نعتبره «مقاربة فلسطينية» لمعنى أن يكون الإنسان الفلسطيني كاتباً، وكان أشدّ ما لفت قوله: «إن الفلسطيني ككاتب يستطيع أن يستكشف الصفة الخاصة جداً للقضية الفلسطينية أكثر من أي شخص آخر». وقد أرجع ذلك ضمن أشياء أخرى إلى وجود «نبض فلسطيني» في كلام هذا الكاتب مؤكداً أنه يخشى «ألا يستطيع كاتب غير فلسطيني أن يصنعه في ما يكتبه عن فلسطين». وفعلاً ليس من المبالغة القول إن الرواية الفلسطينية في مناطق 1948 كانت ولا تزال المستكشف للصفة الخاصة جداً للقضية الفلسطينية لدى هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، منذ بواكير ظهورها في أوائل خمسينيات القرن الفائت حتى الآن. وقد تأخر ظهور الرواية في مناطق 1948 لعوامل موضوعية مرتبطة بوقائع النكبة وآثارها، وظلت تبحث عن ذاتها وهويتها الفنية حتى سنة 1967 مع ظهور أولى روايات إميل حبيبي «سداسية الأيام الستة»، وبعدها ظهور روايته الثانية «المتشائل» التي كرسته كرائد الرواية في الداخل.
اشتغل حبيبي كثيراً على الشكل الفني للكتابة الروائية. والتركيز عليه كداعية سياسي، كما لا ينفك البعض يفعل، يتساوى مع محاولات لم تتوقف لاغتيال فنيّة مشروعه التي كانت آصرة عضوية في الجسد المتكامل لإبداعه الأدبيّ. ولا أدعيّ أني بذلك أكشف جديداً؛ فقد سبق أن اعتبر النقد الفلسطيني وكذلك العربي حبيبي، إلى جوار غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا، في منزلة الآباء المؤسسين للرواية الفلسطينية المعاصرة، لا بمعنى الأسبقية الزمنية - فثمة من سبقهم- وإنما بالمعنى الأعمق للتأسيس، فهم مؤسسو فنية الرواية ذاتها روحياً.
حتى الآن لم تحظ الرواية الفلسطينية في الداخل إلا بدراسات قليلة، لعل آخرها دراسة جهينة عمر خطيب «تطوّر الرواية العربيّة في فلسطين 48» التي صدرت في سنة 2012 عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر ومكتبة كل شيء. وقد أشارت فيها على وجه الخصوص بأن التتبّع التاريخي الدقيق لهذه الرواية من شأنه أن يوصل إلى الاستنتاج بأن النتاج الروائي في الداخل شمل أساساً أربعة جانرات هي رواية السيرة الذاتية ومن أبرزها روايات حنا أبو حنا وأنطون شماس ومحمد علي طه، والرواية الساخرة التي أبدع فيها إميل حبيبي وحذا حذوه فيما بعد كل من سلمان ناطور ورياض بيدس وسهيل كيوان، والرواية السياسية الاجتماعية ومن أبرز كتابها عيسى لوباني ومحمد نفّـاع وزكي درويش وإدمون شحادة ومصطفى مرار وناجي ظاهر، والرواية النسويـة ولا سيما روايات فاطمة ذياب ورجاء بكريّـة.

حماية الهويـة عبر بناء الذاكرة

ساهمت الرواية الفلسطينية في الداخل، مثل سائر مضامير الثقافة الفلسطينية، في الحفاظ على الهوية القومية والوطنية، وخصوصاً في وجهتين محددتين فرضتهما العوامل الموضوعية:
* أولاً: وجهة التمرّد على نسيان أو تناسي ما كان. وهو ما سعت إليه ولا تزال ممارسات سياسية وثقافية صهيونية عديدة ومتنوعة.
* ثانياً: وجهة شحن الذاكرة الجماعية للفلسطينيين في الداخل بحقول خصبة من الدلالات التاريخية والثقافية المرتبطة بالنكبة وآثارها، والمرتبطة أيضًا بالهوية القومية والوطنية للفلسطينيين في إسرائيل.
ثمة العديد من المعاني والدلالات للهوية الوطنية من وجهة نظر الفلسطينيين في الداخل. وهي دلالات عادة ما تتوازى مع القاسم المشترك للهوية الفلسطينية عموماً، لكن يظلّ لبعضها جانباً مخصوصاً يستمد مشروعيته من الكينونة الفلسطينية في الداخل.
مهما تكن هذه الدلالات ثمة حاجة إلى التشديد على ما يلي:
* أولاً: الهوية الوطنية وفقاً لتصوّر الفلسطينيين في الداخل، هي توكيد لمجتمع أنكر أعداؤه وما زالوا ينكرون حتى مجرّد وجوده.
* ثانياً: الهوية الوطنية بالنسبة للفلسطينيين من الداخل، هي المنقذ من الاغتراب في بلد هم أصحابه تاريخياً وقامت عليه، بصورة عنيفة وتزداد عنفاً، دولة (كيان) جرّدتهم من الوطن وتقصيهم من المواطنة وترفضهم، مع ما يمكن أن يترتب على واقع كهذا من افتراق ظاهر عن الذات.
* ثالثاً: الهوية الوطنية هي عنوان كفاح للعودة إلى الحياة التي كانت سائرة في طريق طبيعية وانتهت من جراء النكبة في 1948.
بطبيعة الحال، تشمل الدلالة الأخيرة جوانب جوهرية من الدلالتين الأخريين، حيث أن التمعّن في الآثار الاجتماعية- الثقافية التي ترتبت على النكبة بالنسبة لهذا الجزء من شعب فلسطين، يشي بالتغيير الجذري الذي خلفته في المجتمع الفلسطيني لا من حيث عدده فقط، وإنما أيضاً من حيث الهزّة الجوهرية في التركيبة الاجتماعية ومن حيث تأثيرها، إلى حد كبير، على مدلولات المشهد الثقافي اللاحق في صفوف المجتمع الباقي، الذي تغيّرت حاله من النقيض إلى النقيض، بصورة ليس أبسطها تحوّل هذا المجتمع إلى فلاحيّ بأغلبيته الساحقة إن لم يكن برمتّه.
يمكن القول إنه حتى الآن لا يزال السؤال المرتبط بالنكبة في 1948 أحد أهم الدوافع الرئيسة وراء العودة المستمرة من جانب الروائيين الفلسطينيين في الداخل، جيلاً جيلاً ومرحلة مرحلة، إلى الماضي. فهذا الماضي، بالنسبة إلى المبدع الفلسطيني كائناً من يكون، هو مرتكز الرفض للحاضر على مستوى الصيرورة، من جهة، وهو في الوقت عينه متكأ الكشف عن مفهوم المستقبل والجديد على صعيد السيرورة والرؤيا (الحلم)، من جهة أخرى. وفي صلب هذه العودة المستمرة يتحدّد واحد من الأطر العامة لحداثة التجربة الإبداعية الفلسطينية. كما أنها عودة عادةً ما تحفل بتصوّر للماضي يتمظهر في مناح مغايرة تماماً عن تمظهرات الماضي في إبداعات شعوب أخرى. وخلال هذه العودة نصادف الاشتغال على عنصرين متصلين:
* الأول: عنصر بناء الذاكرة الوطنية.
* الثاني: عنصر بناء المكان، حيث أن الخوف من فقدان المكان بتغيير أسمائه شكل ولا يزال مصدر ألم للروائي الفلسطيني.
يتم ذلك في الأغلب عبر تفنين السيرة الذاتية أو تصعيد السيرة الذاتية إلى مستوى الأثر الأدبي.
المرحلة الحاليـة
تعيش الرواية الفلسطينية في الداخل الآن ما يمكن اعتباره بمقاييس متعددة مرحلة انتقالية، وهي مرحلة ذات خصوصية يصعب القول إن ملامحها اكتملت، لكن يبدو أن ما يؤثر فيها أكثر شيء هما عاملا الزمان والمكان.
إن تأثير عامل الزمان يستمدّ مشروعيته من السؤال الذي لا يزال يؤرق النقد الفلسطيني. ولعلّ أبلغ تعبير عن هذا الأرق كامن في الدراسات التي يواظب على كتابتها الناقد فيصل درّاج، وهو مرتبط بموضوعة الزمن الذي يتعيّن على النص الفلسطيني أن يخلص له. أما عامل المكان، فقصة أخرى لم تخضع بعد للنقد العميق بالنسبة إلى مختلف أماكن وجود الفلسطيني، وإن في ضوء حقيقة موضوعية واحدة هي أن المكان بالنسبة للفلسطيني هو ليس الحيّز الذي يعيش فيه الإنسان مثل كل شعب في العالم فحسب، وإنما أيضًا «المكان» الذي يعيش في داخل الإنسان الفلسطيني. ولئن كانت مناطق فلسطين الخاضعة لإسرائيل، فيما بات يعرف باسم «مناطق 1948»، هي المكان الذي يعيش فيه الفلسطيني في الداخل أولاً ودائماً، لمساً ورؤية، فإن ملامح المرحلة الانتقالية تتبدى أساساً لدى الأدب الجديد أو أدب الشباب *وليس الأدب الشاب، بحسب ما درجت العادة أن يقول البعض عبر التغاضي عن كون الأدب أدباً فقط، لا يمكن تأطيره ضمن مراحل عمرية.
إلى هذا «الأدب الجديد» يمكن أن ننسب أسماء كتّاب روائيين مثل جمال ضاهر وعدنية شبلي وعلاء حليحل وهشام نفاع ورجاء بكرية. كما يمكن أن ننسب إليه العملين الأدبيين اللذين أنجزهما عزمي بشارة وهما «الحاجز» (شظايا رواية) و«حب في منطقة الظلّ» (رواية شظايا مكان). وبمتابعة ما يكتبه هؤلاء بمقدوري أن استقطر مما يميّز هذا الأدب الجديد العناصر الآتية:
* أولاً: له تعبيره الاجتماعي والثقافي، وله شهادته المخصوصة على المجتمع.
* ثانيًا: فيه انخفاض في نبرة الصراخ والأدلجة.
* ثالثًا: ينطوي على اقتحام مناطق لم تكن الطرق إليها مشقوقة في مجال التجريب والتجديد.
* رابعًا: يتضمن تحدي التابوات الاجتماعية والثقافية (كما تمثل على ذلك بعض الكتابات الأيروسية لهذا الرعيل).
لعل هذه العناصر الأربعة ناجمة عن أن علاقة هذا الأدب الجديد مع المجتمع تبدو، من وجهة نظري، علاقة خالية من الخجل أو التنكر. ومثل هذه العلاقة تندّ عن دلالة مزدوجة: هناك من جهة تصالح مع هذا المجتمع. وهناك من جهة أخرى قدرة فائقة على نقد هذا المجتمع. من هنا نصل إلى عنصر خامس هو الصدق في عرض الواقع. وتتميّز لغة الأدب الجديد بأن فيها إيحاءات، لكنها في الجوهر لغة مباشرة- وهي المؤهلة وحدها للتعبير عن العالم الذي تصفه باعتباره عالماً حاداً، عنيفاً، حاراً، تكذب أي لغة أخرى لو حاولت التعبير عنه. وفي المجمل فإنها لغة تبتعد عن الكتابة الطهرانية سجينة البلاغة العربية.