| 

دولة واحدة علمانية فلسطينية يعيش فيها «يهود»؛ دولة واحدة يهودية يعيش فيها «فلسطينيون»؛ دولة واحدة لكل مواطنيها يتساوى فيها الجميع؛ دولة ثنائية القومية... إلخ. طرحت هذه المشاريع على امتداد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعضها استند إلى الحقوق التاريخية إلى المبادئ، والبعض الآخر استند إلى ميزان القوى والأطماع الكولونيالية. وبعضها جاء من باب ردة الفعل والمناورة الفاشلة على التعنت الإسرائيلي في المفاوضات. ما يهم هنا هو مشروع (دولة واحدة لكل مواطنيها) الذي يأتي في مواجهة المشروع الكولونيالي والعنصرية ويستند إلى نضال مشترك فلسطيني - إسرائيلي، وفي سياق تحرّر الشعوب العربية وشعوب المنطقة من علاقات التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية. وهي وفق الرؤى والتصورات دولة ما بعد كولونيالية، ما بعد صهيونية وعنصرية. هذا المشروع طرحه إدوارد سعيد وإيلان بابيه ومجموعات فلسطينية وإسرائيلية وعالمية.
قبل البدء بنقاش فكرة دولة واحدة ومقوماتها، ثمة حاجة لوضع خطوط فاصلة مع مشروع «الدولة الواحدة» ذات الطبيعة الكولونيالية والعنصرية التي تسوق تحت المسمى ذاته «دولة واحدة» بين النهر والبحر أو في حدود فلسطين التاريخية. معسكر اليمين الإسرائيلي يقف الآن بقوة وراء شعار «الدولة الواحدة». ويرى فيه تتويجاً لشعار «أرض إسرائيل الكاملة» التي يعيش فيها اليهود والعرب تحت «السيادة اليهودية»، كما جاء في فكر فلاديمير جابوتنسكي أوائل القرن العشرين. ومن أبرز دعاة الدولة الواحدة بالمفهوم الكولونيالي العنصري موشي آرنس وزير «دفاع» سابق، وأوري أليتسور الرئيس الأسبق لمجلس المستوطنات، وحنان بورات عضو الكنيست، ورؤوفين ريفلين رئيس الكنيست السابق. ويتناوب هؤلاء على طرح تصوراتهم التي تتلخص بالآتي: ضم الضفة الغربية بالكامل، وفرض القانون الإسرائيلي عليها، عدم الاعتراف بحقوق قومية للفلسطينيين في «أرض إسرائيل»، والاعتراف فقط بحقوق مدنية للأفراد كمنح الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين بشروط وتدريجاً، والفلسطيني «المخلص» الموالي للدولة ولقوانينها يمنح مواطنة كاملة، ومن يوافق على «السيادة اليهودية» ولا ينفذ واجباته يعطى إقامة دائمة، أما الذي يريد دولة عربية من خلال «الإرهاب» فيطرد من البلاد. يضاف إلى ذلك، الحفاظ على نسبة ثابتة بين اليهود والعرب (70% يهود و30% عرب). لذا فإن قطاع غزة مستبعَد من هذه الدولة، كما أن عودة اللاجئين الفلسطينيين ممنوعة مقابل تشجيع مجيء اليهود إلى الدولة العتيدة بلا حدود.
مقابل ذلك، ظهرت إلى العلن مؤخراً «الحركة الشعبية للدولة الديموقراطية الواحدة»، وهي مجموعة فلسطينية تدعو إلى إقامة «دولة واحدة لليهود والفلسطينيين». وتطرح شعارات عامة، كحق العودة، وحقوق الإنسان، وعدالة الحقوق. وتحدث ناطق باسمها (منير العبوشي) عن شركاء يهود. ولكن لا يعرف أي نوع من الشركاء هؤلاء. المشروع لا يستند إلى رؤية بل لخليط من المواقف غير المتجانسة. كما أن آلية تحقيق هذا الهدف الكبير غير المحدّدة المترافقة مع غموض الشركاء يجعلان من المشروع أشبه ببالون اختبار أكثر من أي شيء آخر.

لماذا دولة واحدة؟

«دولة واحدة لكل مواطنيها» هي الحل الجذري والدائم للصراع والأكثر تلبية لطموحات الفلسطينيين، كما أنها تجيب عن مخاوف الإسرائيليين، وذلك بالاستناد إلى الحيثيات التالية:
أولاً: استعصاء «حل الدولتين» بعد تقويض مقوّمات الدولة الفلسطينية المستقلة، عبر تعميق الاحتلال والاستيطان والسيطرة الأمنية والاقتصادية المحكمة على الأرض والمواطنين في أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة» ضمن حدود الرابع من حزيران 1967، وعبر إقامة بنية تحتية راسخة للسيطرة الكولونيالية العنصرية الإسرائيلية. يعتمد هذا الحل على موازين القوى، حيث تتحكّم إسرائيل بمواصفات الدولة الفلسطينية، التي تعمل على أن تكون دولة منزوعة السلاح ومقطعة الأوصال وبلا سيادة على الموارد كالمياه والأرض، تابعة اقتصادياً وأمنياً، وفوق ذلك هناك اشتراطات إسرائيلية من نوع الاعتراف بيهودية الدولة وشطب قضية اللاجئين وإغلاق ملف الصراع وأية مطالبات أخرى عند التوصل إلى اتفاق نهائي. ولا تضيف الوساطة الأميركية لهذه المواصفات شيئاً ذا أهمية، باستثناء عمليات التجميل للشروط الإسرائيلية ذاتها. وهذا يُعنى في حالة الموافقة الفلسطينية على ذلك إقراراً فلسطينياً بنظام الابارتهايد وتصفية القضية الفلسطينية.
ثانياً: وجود مصلحة مبدئية يهودية في دولة واحدة لكل مواطنيها على المديين المتوسط والبعيد، إذ يقول إيلان بابيه: إن وجود «جيب يهودي» ما بعد كولونيالي في ظل استمرار الصراع وسط محيط معادٍ، سيسقط بقوة السيف، والأفضل أن تتحوّل إسرائيل بإرادتها إلى دولة متساوية خشية من الثأر والنهايات غير السعيدة. وبهذا يضمن اليهود شرعية البقاء، بل تنتقل «الشرعية» التي تستند إلى القوة فقط إلى الشرعية الطبيعية التي تتحقق فقط من خلال اعتراف وموافقة الشعب الفلسطيني مقابل حقوق متساوية بين الطرفين ترفع الظلم عن الشعب الفلسطيني. الطرف الوحيد والحصري الذي يملك تطبيع الوجود اليهودي في فلسطين هو السكان الأصليون (الشعب الفلسطيني). هذا التطبيع إذا ما حدث ينقل الوجود اليهودي من حالة العدوان والكولونيالية ومن حالة الغيتو والأسوار المغلقة إلى حالة التعايش السلمي الحقيقي مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية.
ثالثاً: يرى إدوارد سعيد أن دولة إسرائيلية تقام على أساس القوة الساحقة واضطهاد شعب آخر لا تملك مستقبلاً. ويضيف: في الواقع لا الشعب الفلسطيني ولا الشعب الإسرائيلي يستطيع أن يخفي الواحد منهما الآخر ويطمسه. والمخرج الإنساني الوحيد والممكن هو إقامة دولة واحدة يتساوى فيها الجميع. يتشارك الطرفان بشكل متساوٍ في المكان وفي إدارته. هذا المخرج يستدعي من وجهة نظر سعيد نقل النضال من مستوى المفاوضات إلى مستوى الواقع، والتحالف بين الفلسطينيين والإسرائيليين ممن يتشاركون في التوجهات بغية تحقيق الغاية المشتركة.
رابعاً: حل قضية اللاجئين ممكن مبدئياً عبر حل الدولة الواحدة المتساوية، وغير ممكن في إطار حل الدولتين. ويمكن في سياقه إذابة مختلف عناصر الصراع الأخرى، بما في ذلك القدس، وهذا من شأنه إنهاء الصراع المزمن بين الشعب الفلسطيني والإسرائيليين.
خامساً: حلّ الدولة الواحدة ينهي تجزئة الشعب الفلسطيني والقطيعة السياسية والثقافية بين مكوناته، ويؤدي إلى إعادة اللحمة بين الخارج والداخل، بما في ذلك أبناء الشعب في مناطق 1948. فإذا كان حلّ الدولتين عاجزاً عن حل مشكلة اللاجئين، وهناك «استحالة لحل مشاكل الفلسطينيين في مناطق 1948 في الإطار الإسرائيلي» المغرق في عنصريته، فإن حل الدولة المتساوية يقدم إجابات نظرية عن تلك المشكلات.
سادساً: حل الدولة الواحدة يعني رفض مشروع الدولة الدينية اليهودية وتجاوزها، ويقطع مع المشروع الكولونيالي الصهيوني الذي أطلق عملية تأسيس فلسطين بصورة كلية كدولة يهودية ليس فيها متسع لغير اليهود. وتحصيل حاصل فإن حل الدولة الواحدة ينطوي على تجاوز «ايديولوجية المشروع الصهيوني القائلة: يوجد شعب موكل برسالة سامية تنزع حقوق شعب بلا قيمة وفي عداد الغائب». كما يتجاوز حل الدولة المتساوية «قانون حق العودة» لطرف واحد من قطبي الصراع، بما يعنيه هذا التجاوز من وضع حد لعملية إقصاء الشعب الفلسطيني واستثنائه من المكان والزمان، على صعيد الفكر والممارسة والتطبيق.
سابعاً: يضع حل الدولة المتساوية نهاية لما يُسمى بالخطر الديمغرافي النابع من فكر عنصري، فالمساواة في الحقوق والواجبات لا تستدعي مساواة في الأعداد. المساواة تنطوي على احترام متبادل واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية بصرف النظر عن أكثرية وأقلية، وتضع نهاية لمشاريع التطهير العرقي الصامت التي تطبق في القدس والنقب، وكذلك مشاريع الترانسفير بالتضييق والخنق، إذ سيكون من نتيجة التطهير والترانسفير الممارسين بالاستناد لعقيدة كولونيالية عنصرية تأجيج الصراع ودفعه نحو الانفجار داخل فلسطين وفي عموم المنطقة.
ثامناً: العالم صار لا يقبل نظام فصل عنصرياً، وصراعاً محكوماً بغطرسة القوة ومفتوحاً إلى ما لا نهاية، فقد سقط نظام الفصل العنصري سياسياً في جنوب افريقيا، وتوصل المتصارعون في ايرلندا إلى حل، وكذلك الحال في منطقة البلقان والسودان. ولا يمكن بقاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على حاله دون حل عادل يقبل به قطباً الصراع. ولا يمكن فرض حل زائف لا يرضى به الشعب الفلسطيني ولا ينهي الصراع. وفي الوقت عينه، فإن فرض نظام فصل عنصري بقوة السلاح، سيقود إلى عزلة وعقوبات واستقطاب عالمي يؤدي إلى هزيمته في نهاية المطاف. كل هذا يدفع الأمور باتجاه الحل الذي يلبي مصالح المجموعتين الفلسطينية والإسرائيلية.

عقبات أمام حل الدولة المتساوية

حل الدولة المتساوية هو حل افتراضي يستند إلى قواعد سياسية وقانونية وأخلاقية وإرادة من طرفين (رؤية مشتركة). وهو يتطلب بناء حامل سياسي واجتماعي وثقافي مشترك، يتوج بعقد سياسي اجتماعي وبدستور ودولة. وهناك ما هو أقل من نموذج الدولة المتساوية، كالدولة ثنائية القومية، لكنها تستدعي أيضاً استعداداً متبادلاً للتخلي عن الهيمنة وإحلال الشراكة عوضاً عنها، وعلاقات من الثقة المتبادلة. ومن أبرز العقبات أمام هذا الحل:
÷ افتقاده أساساً قانونياً في الهيئات الدولية التي تلتزم حل الدولتين - قرار التقسيم وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة والمؤسسات المنبثقة عنها.
÷ تناقضه مع هيمنة كولونيالية إسرائيلية معززة بفكر تعصبي قومي وديني عنصري، ومدعومة بنظام الهيمنة العالمي بالاستناد لمصالح مشتركة هنا وفي عموم المنطقة.
÷ التباين الهائل بين مستويات الحياة بين المجموعتين يؤدي إلى رفض الإسرائيليين التنازل عن الامتيازات لمصلحة التكافؤ مع شعب أكثريته تحت خط الفقر. ويقول ايلان بابيه: الشعب الإسرائيلي مجتمع عنصري وانعزالي وعاجز عن فهم تاريخه وعن الاعتراف بجرائمه، لذا يصعب التأثير على الإسرائيليين من الداخل»، ما دفع بابيه للعيش في لندن.
÷ فشل معظم الدول متعددة وثناثية القوميات (الاتحاد السوفياتي، يوغسلافيا، قبرص، أكراد العراق، السودان)، وكذلك فشل تجربة الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي تحول إلى حزب فلسطيني.
÷ الانسحاب من حل الدولتين مع الافتقاد للحد الأدنى من مقومات الدولة الواحدة أو ثنائية القومية، ستستخدمه دولة الاحتلال في فرض الدولة اليهودية الواحدة «نظام ابارتهايد»، أو حل إقليمي بمشاركة دول عربية. ويؤدي ذلك إلى فقدان الشعب الفلسطيني لآليات إشراك النظام الدولي في مناهضة وعزل دولة الاحتلال.

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في رام الله.