| 

متكئاً على سيره الذاتية التي تبدو عادية لوهلة، وغير عادية لوهلات، استطاع الروائي الفلسطيني الشاب أكرم مسلم، وعبر ثلاثيته «هواجس الاسكندر» و«سيرة العقرب الذي يتصبب عرقاً» و«التبس الأمر على اللقلق»، أن يكرس نفسه «عرّاباً» للرواية الفلسطينية في الألفية الثالثة، حتى إن البعض وصفه برائد الرواية الفلسطينية الحديثة. ففي حين لم يحظ الإسكندر وهواجسه بالاهتمام الكافي من النقاد، استطاع العقرب أن يشم نفسه داخل كل من اقتحم عالمه الورقي، فـ«تشعطب» على مرايا الإعجاب الممزوج بالانبهار والدهشة، فلم يكن غريباً أن تنتزع الرواية جائزة أفضل رواية فلسطينية من مؤسسة عبد المحسن القطان، قبل أن تترجمها إلى الفرنسية عن دار «اكتسود»، ومن ثم إلى الإيطالية عن دار «السيرينتيه»، وتحظى بقراءات نقدية متعددة من كبار النقاد في فلسطين والوطن العربي والعالم، حتى مسْرَحَها مؤخراً الكاتب التونسي يوسف بحري، وأخرجها لمصلحة المسرح القومي العراقي عماد محمد، فيما حظي اللقلق بمنقاره الذي قسم جميع الحكايات إلى نصفين، باهتمام كبير، لما اعتبره البعض تجديداً على مستوى السرد والتكنيك، حيث جار التنسيق لعدة ترجمات لها، فيما تم الاتفاق على تحويلها إلى عمل مسرحي فلسطيني تونسي مشترك.
لاحق مسلم في روايته الأخيرة قصص مجموعة «أبطال» مهمَلين، يتحركون بمنتهى الهدوء، وفي أثناء ذلك يبنون بدأب حكاية تغوص عميقًا في اشكاليات بالغة التركيب. و«اللقلق» شخصية منقسمة إلى نصفين، ينام شبه عار في سرير جده، يتذكر، وينبش في تاريخ جدّ مختلف يجسد تاريخًا مريرًا، ويراجع علاقته الملتبسة مع جدة معمرة، خاصة دورها في تغذية الالتباس الأقسى في حياته، وتقود التباسات اللقلق القاسية المتناسلة الحكاية بكاملها.
الرواية محمولة على سخرية موجعة، ومبنية على الانقسام إلى نصفين متساويين، وعلى التباسات كثيرة ومتنوعة الأشكال والخلفيات، وفي إطار ذلك، تتكشف تجليات الهيمنة في هندسة الأمكنة والأجساد، سواء في حالة الاحتلال المتراكم على شكل طبقات في المكان وفي الوعي، أو في الهندسة الذكورية المتسلطة التي تشتغل الرواية على تعريتها وترويضها.
يقول الروائي مسلم عن روايته: اللقلق ببساطة بطل الرواية، لكنه بطل غير تقليدي، ينسج بطولته من خيوط غير بطولية.. حياة اللقلق مثل اسمه المكون من شقين متطابقين: لق لق، محكومة إلى سلسلة من الانقسامات والحدود المتناسلة، على عدة مستويات، يتداخل فيها التاريخي بالاجتماعي بالسياسي.

حساسيات إنسانية

يقول مسلم: في الموضوع الكتابي أحاول أن استبطن حساسيات إنسانية، أو المشترك الإنساني في العملية السردية، وهي محاولة بالنسبة لي بأن لا يكون المتلقي محدداً بجغرافيا أو بلغة أو بقضية قومية أو وطنية فقط. المهم أن تكتب رواية يشعر بها الناس، ولديّ رهان دائم على الشعوب، ولربما نجاح رواياتي على المستوى الدولي يأتي ضمن هذا الرهان. بهذا المعنى أسعى للارتقاء بالموضع الشخصي والجماعي في الحالة الفلسطينية لينفذ عميقاً داخل دائرة تلقي إنسانية غير محكومة بلغة ذهنية منغلقة. وعن الكتابة بحد ذاتها، قال مسلم: الكتابة بالنسبة إلي احتياج ذاتي، لكن القارئ ليس في مخيلتي بشكل مهيمن، وهذا لا يلغي وجوده بطبيعة الحال، فالكتابة لديّ ليست مناجاة شخصية، أو محاولة تنفيس. الكتابة بالنسبة لي مشروع فيه مرسل ومرسل إليه، وأحاول أن يكون المرسل إليه حاضرا على طريقتي وليس طريقته هو. إلى حد بعيد أكتب ذاتي، ولكن ليس بمعنى السيرة، بل كمن يقوم بعملية «مونتاج للسيرة». وأضاف: في «هواجس الاسكندر» كنت وكأني ألاحق موضوعاً معرفياً، يقوم على تجليات لعبة القوة باللغة، أما في «العقرب» فكنت مسكوناً بثنائية الكتلة والفراغ، وفي «اللقلق» كانت ثنائية الانقسام هي الطاغية، والتي عبرت عنها في عدة حكايات ورموز، ولعل تسمية «اللقلق» وهي لو قسمتها تصبح «لق .. لق» أكبر تعبير عن ذلك. في النهاية، الأدب بالنسبة لي رهان جمالي، وعالم رحب، وتحد عميق وبعيد المدى وواسع الأفق. المشروع الكتابي بالنسبة لي لا علاقة له بأية مؤسسات، أو مرتبط بطابع توظيفي مادي، ولذلك عزلت مبكراً ما بين تجربتي الكتابية وما بين عملي كمحرر صحافي.

ليست مصادفة

من أبرز الروائيات الشابات عدنية شبلي، الفلسطينية البدوية الأصل، ذات الأرض السليبة التي باتت تسمى رغماً عنا «إسرائيل»، أو ما يطلق عليه الفلسطينيون «الداخل المحتل»، أو «داخل الخط الأخضر»، وهي التي انتقلت من عالم القصة القصيرة إلى الرواية في «مساس»، قبل أن تنطلق إلى عوالم فنية وثقافية أكثر رحابة في أوروبا. وقالت شبلي: هاجس الكتابة عندي رافقني مند الصغر، لذلك فاختيارها كوسيلة للتعبير لم يأت صدفة لأنها طالما عبرت عن الكثير مما يختلج في داخلي، خاصة أن الكتابة في كثير من الأحيان هي تعبير عن المسكوت عنه، وهو السبب الرئيسي الذي دفعني إلى القصة القصيرة التي ينقل كل سطر منها تفاصيل قصص عشتها أو مواقف تعرضت لها، وبذلك كانت البداية، ثم دخلت بعدها عالم الكتابة الروائية متأخرة، لكنني أحاول قدر المستطاع تقديم الأفضل ورسم خط روائي خاص بكتاباتي. وأضافت: أرى أن الكتابة حيلة، وذلك من منطلق أن الكتابة تعوض عدم القدرة على الكلام، وهي الوسيلة الوحيدة التي تفتح المجال أمام الكثيرين ممن لديهم عقدة التعبير الشفهي، أو عقدة الكلام لكن ليس بالمفهوم المرضي كما يعرفه الجميع، أضف إلى ذلك فإن الكتابة فعل يحدث في صمت، لذلك أرى في الكتابة حيلة يتغلب بها المرء على صمته ومكبوتاته الداخلية، ويسعى بواسطتها إلى إخراج ما بداخله إلى السطح بمنطقه الخاص ونمطه الفريد، فيكون بذلك قد احتال على صمته بالكتابة.. وتبقى مثل التنفس الذي لا يستغني عنه الفرد في الحياة.
وعن أسلوبها الكتابي ما بين المحوري والهامشي، وبطريقتها العبثية والعميقة في آن تقول: في كل مرة أقرر فيها الكتابة عن موضوع ما أجدني حدت عن المسار وتناولت مسألة أخرى قد تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها تأخذ سياقها الخاص لتصبح قضية جوهرية، ويبقى موضوعي المحدد مسبقا جانبيا أمرّ عليه مرور الكرام، لذلك فجل كتاباتي تقلب موازين القصة الحقيقية، حيث تحصل فيها الشخصيات الثانوية في مخيلتي على أدوار البطولة، بينما يكتفي أبطال القصة الحقيقيون بالأدوار الثانوية، لذلك أعتقد في كل مرة أنني أصبحت كاتبة بالخطأ، وهو تعبير مجازي عن أسلوب الكتابة لدي.

من غزة

من أبرز الروائيين الشبان في غزة عاطف أبو سيف الذي صدرت له حديثاً مجموعة قصصية بعنوان «حياة ميتة: قصص من زمن غزة»، وكانت صدرت له في السابق أربع روايات هي «ظلال في الذاكرة» (1997) و«حكاية ليلة سامر» (1999) و«كرة الثلج» (2000) و«حصرم الجنة».
يشتهر أبو سيف بكونه يركز في رواياته على المكان الذي هو غزة بطبيعة الحال، لما له من أهمية في التعبير عن الإحساس بالمواطنة، فهو مكان حي معاصر تارة، ومستلب تارة أخرى، فيكون أبو سيف، وعبر رواياته الأربع، صوت غزة البعيد عن الشعارات، والشاهد على المكان وأحداثه وبقائه أو تدميره، كون هذا المكان كان ولا يزال جزءا من فاعلية الوعي. وقال أبو سيف: تملكني وتستهويني الكتابة الروائية، لأنه الطريق الموصل إلى الفلسفة، وإلى اشتباكي مع القارئ العربي، وكان اختياري للرواية لأن آمالي فيها كبيرة. وأضاف: حين فكرت في الكتابة الأدبية، لم يكن أهل الحي مؤهلين لتصديق أنني أصبحت كاتباً، أو أنني في طريقي لأن أكون كاتباً أدبياً. لا أنظر إلى الرواية بوصفها وسيلة للمتعة أو التسلية، أو الهروب من مواجهة الواقع إلى عالم وهمي، بل هي وسيلة لأقدم عبرها الواقع بوضوح، فأرصد ما يدور حولي من تناقضات سياسية واجتماعية، مع غياب الأمل والرؤية العامة حول القضية الفلسطينية. أكتب وأنا أعرف أين يتجه الشكل الروائي، فلا أحاول تبني شكلاً روائياً محدداً حديثاً أو معاصراً، أوروبياً أو لاتينياً. المضمون هو الذي يشكل الروائي في نهاية المطاف. وتابع: الأساليب الفنية يحددها نبض التجربة، فهي التي تختارني بحسب طبيعة الحالة المؤدية للكتابة، فمثلاً عندما أكون في حالة سفر، فإنني ألجأ إلى القصة القصيرة، وعندما أكون داخل الوطن فغالباً ما يكون هاجسي الرواية.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.