| 

أظهر استطلاع للرأي بين الفلسطينيين والإسرائيليين نُشرت نتائجه في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2013، أن الأغلبية في الجانبين تؤيد حل الدولتين. ووفقاً لهذا الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله بين الفلسطينيين، ومعهد ترومان لأبحاث السلام في الجامعة العبرية في القدس بين الإسرائيليين، فإن 63% من الإسرائيليين و53% من الفلسطينيين يؤيدون حل الدولتين. وينبغي الانتباه هنا إلى أن الاستطلاع في الجانب الإسرائيلي شمل مواطنين عرباً، ولذلك ربما تكون نسبة مؤيدي هذا الحل بين اليهود في إسرائيل أقل مما تظهر في الاستطلاع. وتبين من الاستطلاع أن 54% من الإسرائيليين و46% من الفلسطينيين يؤيدون تسوية دائمة على نمط أفكار الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون و«مبادرة جنيف»، التي تقضي بانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية مع تبادل أراضٍ بنسبة ضئيلة.
في موازاة ذلك، يتبين من الاستطلاع أن كل طرف يرى في الطرف الآخر تهديداً لوجوده. إذ يعتقد 60% من الفلسطينيين أن هدف إسرائيل في المدى البعيد هو السيطرة على المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط وطرد سكانها العرب. ويعتقد 24% أن هدفها هو ضم الضفة الغربية وحرمان سكانها الفلسطينيين حقوقهم السياسية. وفي المقابل، يعتقد 34% من الإسرائيليين أن هدف الفلسطينيين في المدى البعيد هو «احتلال إسرائيل وقتل معظم سكانها»، كما يعتقد 21% أن هدف الفلسطينيين هو «احتلال إسرائيل».
 

الفلسطينيون وحل الدولتين


في أعقاب نكبة 1948 خسر الفلسطينيون وطنهم؛ فقد طردت العصابات اليهودية، وبعد ذلك الجيش الإسرائيلي، أغلبية الفلسطينيين، وارتكبت مجازر بحقهم وهدمت المئات من قراهم، وأقامت دولة إسرائيل على ديارهم. وفي منتصف الستينيات ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية التي نادت بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين. وحتى نشوب حرب حزيران 1967، لم تكن لدى الفلسطينيين والعرب عموماً رؤية للتوصل إلى حل سياسي. لكن بعد هذه الحرب، التي احتلت فيها إسرائيل بقية فلسطين التاريخية، أي الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان السورية، بدأت توجهات بعض العرب تتغير. وتشير أبحاث وكتب صدرت في السنوات الأخيرة، إلى أن الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، أجرى محادثات سرية مع الولايات المتحدة، من أجل إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل لقاء استعادة سيناء. لكن رئيسة حكومة إسرائيل حينذاك، غولدا مائير، رفضت ذلك. ثم نشبت حرب تشرين الأول 1973 التي بدأت بإنجازات عسكرية عربية، ثم تغيّرت وجهة الحرب لمصلحة إسرائيل، وتم وقف إطلاق النار بعد تدخل الدولتين العظميين: الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وبعد سنوات، زار السادات إسرائيل وأبرمت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل.
في ظل هذه التطورات، وبعد شهور من انتهاء حرب تشرين الأول، عُقدت في القاهرة الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، في حزيران 1974. وتم خلال هذه الدورة التعبير عن استعداد فلسطيني لإقامة «سلطة الشعب الوطنية المستقلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره»، أي ليس في فلسطين التاريخية كلها. وبعد أقل من عام من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة 1987، أعلن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في حينه، ياسر عرفات، في تشرين الثاني 1988، عن «قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف». وتبع ذلك مؤتمر مدريد للسلام في سنة 1991 الذي شارك فيه الفلسطينيون ضمن وفد الأردن إلى جانب وفد سوري ووفد إسرائيلي، وبرعاية أميركية.
أسفرت الانتخابات العامة التي جرت في إسرائيل في العام 1992 عن عودة حزب العمل، بزعامة إسحق رابين، إلى الحكم. وبعد ذلك بعام واحد تم الكشف عن محادثات سرية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، نتجت عنها اتفاقيات أوسلو، و«اعتراف متبادل» بين الجانبين (الاعتراف بإسرائيل كدولة، مقابل الاعتراف بالمنظمة كممثل للفلسطينيين!). وانطلقت في أعقاب ذلك محادثات سلام إسرائيلية فلسطينية في شأن ما بات يعرف باسم «حل الدولتين». وعلى الرغم من مرور عشرين عاماً على توقيع اتفاقيات أوسلو، إلا أن الجانبين لم يتوصلا حتى الآن إلى اتفاق سلام.

 

 

تأييد عربي ودولي لـ«حل الدولتين»


يتحدث مؤيدو «حل الدولتين» في إسرائيل عن وجوب «الانفصال عن الفلسطينيين» من أجل الحفاظ على «الطابع اليهودي لإسرائيل». وفي بداية السبعينيات أعرب عدد قليل من الشخصيات اليسارية الإسرائيلية عن تأييدها لقيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع. لكن حكومات إسرائيل وأحزابها عارضت ذلك، ومنها حزب العمل الذي عارض، حتى مطلع الثمانينيات، فكرة إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين. واليوم، يتحدث الإسرائيليون المؤيدون لتسوية مع الفلسطينيين عن «حل الدولتين للشعبين» وليس «حل الدولتين»، بمعنى أن الحل يجب أن يقود إلى أن تكون إسرائيل «دولة الشعب اليهودي» ولا يُطبق فيها حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وفي المقابل، جرى اتخاذ قرارات عدة في الأمم المتحدة، في العام 1976، أيدت «حل الدولتين» استناداً إلى خط وقف إطلاق النار في حرب 1948، أو خط الرابع من حزيران 1967. ويحظى هذا الحل بتأييد أغلبية دول العالم. كما أعلنت جامعة الدول العربية تأييدها «حل الدولتين» من خلال «مبادرة السلام العربية» التي أقرّتها القمة العربية التي عُقدت في بيروت في العام 2002، وعادت الجامعة وأكدت تمسكها بهذه المبادرة في قمم عربية لاحقة.
كذلك، عبّر رؤساء حكومات إسرائيل، يتسحاق رابين وشمعون بيرس وايهود باراك وايهود أولمرت، عن تأييدهم «حل الدولتين». كما أعلن رئيس حكومة إسرائيل الحالي، بنيامين نتنياهو، في بداية ولايته السابقة، في العام 2009، عن تأييده قيام «دولة» فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وذلك بعد ضغوط دولية مورست عليه، وخاصة من جانب الولايات المتحدة.
في غضون ذلك، تم طرح مبادرات إسرائيلية فلسطينية مشتركة لتسوية الصراع، أبرزها «مبادرة جنيف» ووثيقة «أيالون نسيبة»، اللتان نصتا على إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب إسرائيل، في الضفة الغربية وقطاع غزة مع تبادل أراضٍ، وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية. وفيما يتعلق بقضية اللاجئين، نصت «مبادرة جنيف» على أن تقرر إسرائيل بنفسها احتمال تطبيق حق العودة بشكل رمزي.

 

 

 

 

إفراغ التسوية من مضمونها


إذا نظرنا إلى تاريخ المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، على مدار الأعوام العشرين الماضية، فسنجد أن الأمر اللافت هو أن الموقف الإسرائيلي من «حل الدولتين» متغير، وأن إسرائيل تمتنع عن تنفيذ خطوات تعهدت بها. فقد تعهدت إسرائيل في اتفاقيات أوسلو بأن تنفذ انسحابات من الضفة الغربية على مراحل عدة، لكنها لم تنفذ ذلك، وما زالت تسيطر بالكامل على المنطقتين «ب» و«ج»، وما زال جيشها يغزو المنطقة «أ» في كل ليلة ويعتقل فلسطينيين. وتتذرع إسرائيل بعدم تنفيذ هذه الانسحابات باندلاع الانتفاضة الثانية وحاجتها إلى تحقيق «الأمن» ومنع هجمات فلسطينية ضد أهداف إسرائيلية، في الضفة وداخل الخط الأخضر.
وكانت المفاوضات في شأن «حل الدولتين» تتقدم وتتعثر وفقاً للحزب الحاكم في إسرائيل. وفي الحالتين، كان الأمر يؤدي إلى حل الحكومة الإسرائيلية وإجراء انتخابات عامة مبكرة. وهذا يشمل ولاية أريئيل شارون الأولى، بين الأعوام 2001 2003 الذي عارض «حل الدولتين». وخلال ولايته الثانية، نفذ شارون خطة الانفصال عن قطاع غزة، في العام 2005، وانسحبت إسرائيل منه بعد أن فككت مستوطناتها فيه. وأدى ذلك إلى انقسام حزب الليكود وتأسيس حزب كديما بزعامة شارون. وعلى ما يبدو أن شارون كان يفكر بتنفيذ خطة أحادية الجانب مشابهة في الضفة، بحيث ينسحب من مناطق ويحول الضفة إلى مناطق، أو ما سُمّي في حينه «كانتونات»، معزول بعضها عن بعض. ويدل على ذلك أنه في أعقاب غياب شارون عن الساحة السياسية، بعد إصابته بجلطة دماغية أدخلته في غيبوبة منذ مطلع العام 2006، أعلن القائم بأعماله حينذاك وخلفه في رئاسة الحكومة، ايهود أولمرت، خلال حملة الانتخابات التي جرت في آذار من العام نفسه، أنه ينوي تنفيذ «خطة الانطواء». لكن في العام التالي بادرت الولايات المتحدة إلى عملية أنابوليس، التي انطلقت من خلالها المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين مجدداً.
يعتبر الإسرائيليون أن أولمرت قدّم للفلسطينيين، خلال محادثات أجراها مع الرئيس محمود عباس، أكثر الاقتراحات «سخاء». وقضى اقتراح أولمرت (كما روج له إعلامياً) بانسحاب إسرائيل من حوالى 94% من مساحة الضفة وتبادل أراض مقابل 6% متبقية فيها المستوطنات، والانسحاب من مناطق في القدس الشرقية وتنفيذ رمزي لحق العودة، بحيث يسمح لبضعة آلاف من اللاجئين بالعودة إلى داخل مناطق الـ1948. لكن أولمرت قدم هذا الاقتراح، في العام 2008، وفي وقت تم فيه الكشف عن شبهات بارتكابه مخالفات فساد، اضطر في أعقابها إلى الاستقالة وإجراء انتخابات مبكرة.
بعد عودته إلى رئاسة الحكومة، في انتخابات العام 2009، أعلن نتنياهو أنه ليس ملتزماً مقترح أولمرت لتسوية الصراع. كما أنه امتنع عن طرح خطة سلام، أو رؤية للتسوية. وفي مقابل ذلك، راح نتنياهو يطرح شروطاً للتسوية تفرغها من أي مضمون. فقد طالب الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية إسرائيل والتنازل عن حق العودة. وأعلن عن معارضته الانسحاب من القدس الشرقية، وبقاء السيطرة الإسرائيلية على منطقة غور الأردن، بادعاء الحفاظ على الحدود بين الضفة الغربية والأردن والسيطرة على المعابر فيها، من أجل منع دخول أسلحة إلى الضفة والدفاع عن إسرائيل من هجوم من الشرق. واعتبر أن الغور هو منطقة «عمق استراتيجي». ويشدد نتنياهو على أن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون منزوعة السلاح.
إضافة إلى ذلك، يمتنع نتنياهو عن التحدث عن تبادل أراض، في موازاة تشديده على أن المستوطنات ستبقى تحت «السيادة الإسرائيلية». وكثفت الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو من أعمال البناء في المستوطنات في الضفة الغربية، الواقعة شرق جدار الفصل وغربه، وفي القدس الشرقية، وبضمنها تلك الموجودة في قلب الأحياء الفلسطينية. وقال نتنياهو خلال اجتماع حكومته، في 5 كانون الثاني/ يناير الحالي، عقب اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إن السلطة الفلسطينية «مستمرة في رفض الاعتراف بالدولة اليهودية وبحقنا بالوجود هنا. لسنا غرباء في القدس ولسنا غرباء في (مستوطنة) بيت - إيل ولسنا غرباء في (البؤر الاستيطانية في) الخليل».
يُشار إلى أن الأحزاب التي تشكل حكومة نتنياهو تعارض «حل الدولتين»، باستثناء حزبي «يوجد مستقبل»، برئاسة يائير لبيد، و«الحركة» برئاسة تسيبي ليفني، اللذين يؤيدان إجراء عملية سلمية من أجل تحسين صورة إسرائيل في العالم، ويحذران في الوقت نفسه من أن حل الدولة الواحدة سيقضي على الحلم الصهيوني بوجود أغلبية يهودية في إسرائيل. لكن هذين الحزبين يؤيدان استمرار البناء في المستوطنات. أما حزب الليكود، الذي يتزعمه نتنياهو، وحزب «إسرائيل بيتنا»، برئاسة أفيغدور ليبرمان (الذي يدعو إلى تبادل أراضٍ وسكان)، فإن غالبية نوابهما في الكنيست تعارض إقامة دولة فلسطينية، فيما حزب «البيت اليهودي» يرفض إقامة دولة فلسطينية.

 

 

 

 

فرض وقائع على الأرض


يرى جزء كبير من الفلسطينيين والإسرائيليين أن «حل الدولتين» هو الحل الأكثر واقعية، إلى جانب أن من شأن تحقيقه أن يسهل حياة الفلسطينيين ويحقق استقلالهم، ويبعد عن الإسرائيليين شبح الدولة الثنائية القومية، مع أن «عدالة» هذا الحل موضع خلاف بين الفلسطينيين، لكونه لا يحقق أمانيهم من حيث حق العودة وإقامة الدولة في 22% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.
وفي موازاة ذلك، يتزايد حراك الأسرة الدولية الرامي إلى التوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي جديد ينقذ «حل الدولتين» من خطر التلاشي، ويمكن رؤية ذلك من خلال الزيارات المتكررة لوزير الخارجية الأميركي إلى المنطقة وجولاته المكوكية بين إسرائيل والضفة الغربية لدفع المفاوضات الحالية بين الجانبين. كذلك، فإن الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارات فعلية ضد السياسة الاستيطانية لدولة الاحتلال من خلال مقاطعة بضائع المستوطنات ومقاطعة مؤسساتها. كذلك هددت الدول الأوروبية المركزية بأنها ستوجه إصبع الاتهام إلى إسرائيل في حال فشل المفاوضات ووصولها إلى طريق مسدود. ومع ذلك، يبدو أن حكومة نتنياهو غير متأثرة بهذه الضغوط وماضية في سياستها وبتنفيذ المزيد من البناء في المستوطنات. ويعتبر الكثير من المحللين الإسرائيليين أن نتنياهو يريد حلاً يفصله على مقاسه ومقاس اليمين المتطرف والمستوطنين. وبعد أن افتتح مفترق طرق في شمال القدس الشرقية، يسهل تنقل المستوطنين إلى مركز القدس ووسط إسرائيل، وأطلق عليه اسم والده، يصعب التفكير بأنه سيتخلى عن سياسة فرض الوقائع على الأرض لمصلحة تسوية مع الفلسطينيين.

كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في مدينة الناصرة.