| 

حين صدرت رواية «الوارث» لخليل بيدس، عن دار «الرقمية» قبل عامين، وهي التي صدرت اول مرة في عام 1920، كتب على غلافها «الرواية الفلسطينية الأولى»، وهو ما أثار حفيظة عدد من الباحثين والكتاب الذين كتبوا مقالات في مواقع إخبارية وغير إخبارية عدة من الأمر، كان من بينهم الكاتب والباحث سمير الحاج الذي نشر أن الحديث عن كون «الوارث» أول رواية فلسطينية ليس دقيقا لأن الباحثين في الأدب العربي لم يتفقوا على هذا الاستنتاج، فعبد الرحمن ياغي يرى أن رواية «أم الحكيم» لمحمد بن الشيخ التميمي، المكتوبة في القرن التاسع عشر، هي الأولى، بينما يرى حسين المناصرة أن رواية «الضحيّة» المنشورة العام 1912 باسم مستعار (ي) في مجلة «النفائس» التي أسسها خليل بيدس هي الرواية الأولى.
يعد كتاب ياغي، «حياة الأدب الفلسطيني الحديث من النهضة حتى النكبة»، من أهم الكتب في هذا الإطار، حيث يحدد تطور الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 في أربع مراحل، وقد قسمها تقسيماً سياسياً، لما في السياسة من تأثير على تطور الأدب الفلسطيني. وتمتد المرحلة الأولى، وفق ياغي، من القرن التاسع عشر وحتى 1908، وهي مرحلة نشوء الفن القصصي في فلسطين، ويورد في هذه المرحلة التميمي وروايته «أم حكيم»، وميخائيل بن جرجي وخليل بيدس، في حين تبدأ المرحلة الثانية من إعلان الدستور العثماني في سنة 1908، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، فبرز بيدس وروايته المترجمة، ومساهمته في تعريب الروايات الأجنبية، كذلك ظهر رشيد الدجاني وإسكندر الخوري البيتجالي. أما المرحلة الثالثة، الممتدة ما بين نهاية الحرب العالميّة الأولى وبداية الثانية، فبرز خلالها أحمد شاكر الكرمي وترجماته عن اللغة الإنكليزية ونصري الجوزي وجميل البحري ومحمود سيف الدين الإيراني، حيث تنوعت رواياتهم بين الرومانسية ورواية المغامرات، بينما تمتد المرحلة الرابعة من بداية الحرب العالمية الثانية حتى النكبة، فبرز كما في مجمل المراحل السابقة بيدس والإيراني وأسمى طوبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وطغت على هذا الأدب الموضوعات الاجتماعية، فعالجت حياة القرية مقارنة بحياة المدينة، وظواهر اجتماعية مختلفة ظهرت في تلك الفترة.
وصنف ياغي مضمون الروايات الفلسطينية قبل العام 1948 في أربعة اتجاهات: الأول يمثّل التيار المتأثّر بالذوق الشعبي، والثاني يمثل اتجاه السيرة الذاتية ذا الملامح الرومانسية، والثالث يتمثل في المنحى الرمزي التقليدي، أما الرابع فيمثل اتجاها ذا رؤية واقعية.
جاء في دراسة لمركز المعلومات الوطني الفلسطيني ما يلي: «يمكن القول إن الفن القصصي في فلسطين قبل عام 1948 كان يمر في مراحله التجريبية، شأنه في ذلك شأن القصة العربية بشكل عام، والتــــــي كانـــــت تفتقـــــر حينهـــــا إلى النضج الذي يؤهلها لترسيخ نفسها ومزاحمة الشـــــعر. ورغــــم ذلك، عرفت أسماء مثل: خليل بيدس (1875- 1949)، وأحمد شاكر الكرمي (1894-1927)، وجميل البحري (تـــــوفي عام 1930)، في حين صدرت أول رواية فلسطينية تحت عنوان «الوارث» في القدس في العام 1920، ونشر أيضاً مجموعة قصصية بعنوان (آفاق الفكر) عام 1924 في القاهـــــرة». وأضافت الدراسة: أسس كل من هؤلاء الأدباء مجلة أدبية خاصة وأشرف على تحريرها بنفسه، وكــــانت معظم ما تنشره قصصاً مترجمة، كانوا يقومون بترجمتها بأنفسهم من اللغات الأوروبية والآداب العـــــالمية.. وفي عام 1943 أصدر إسحق موسى الحسيني الرواية الفلسطينية الثانية «مذكرات دجاجة» وقد كتب لها المقدمة طه حسين، وقد طبعت مرات عدة، لما حصلت عليه من شهرة آنذاك في العالم العربي.

دراسات من دون أدلة

في حديث خاص قال عادل الأسطة قال: الموثق حتى الآن أن «الوارث» هي الرواية الفلسطينية الأولى التي أصدرها خليل بيدس في العام 1920.. وهناك دراسات غير دقيقة تتحدث عن روايات أخرى، ولكن لا أدلة على ذلك، من بينها كتاب عبد الرحمن ياغي الذي تحدث عن رواية «أم حكيم» للتميمي، والتي لم يجد لها هو ولا غيره أي أثر. وثمة دراسة حديثة لباحثة أردنية تدعى جهينة الخطيب، وهي عبارة عن رسالة دكتوراه بعنوان «تطور الرواية العربية في فلسطين» تحدثت فيها عن رواية أخرى، لكني أرى في دراستها كثيراً من الأغلاط، والمعلومات التي تحتاج إلى مزيد من التدقيق. وأضاف: هناك دراسات تتحدث عن مسرحية أو رواية محمد عزة دروزة صدرت في العام 1908، كما يقولون بعنوان «السمسار والفلاح»، لكن دروزة نفسه تحدث عن فكرة عمله الأدبي، ولم يكشف عن نسخة بحوزته من هذا العمل، وبالتالي لا يمكن اعتماد هذه الرواية كونها غير موجودة أصلاً. وتابع الأسطة: بعض الدراسات تحدث عن رواية «مرقِّص العميان» لعارف العارف على أنها رواية فلسطينية للمؤرخ الفلسطيني المعروف. وبعد البحث والاستقصاء تبين أنها رواية لكاتب لبناني يحمل الاسم ذاته، وأعاد نشرها مرة أخرى تحت عنوان «رحلة الظلام»، وقمت بقراءتها ولا إشارة فيها إلى فلسطين من قريب أو بعيد»، حتى أن أسامة العارف ابن عارف العارف اللبناني قال فاروق وادي إن والده هو صاحب هذه الرواية، وليس عارف العارف الفلسطيني، وهذا يدفعنا الى التشكيك في العديد من الدراسات التي لا تبذل العناء والبحث والاستقصاء قبل تعميم المعلومات.

«الوارث» مجدداً

أشار الأسطة في حديثه الى ملحق «فلسطين»، إلى أن فؤاد العكليك ورفاقه في دار «الرقمية» بحثوا عامين عن رواية «الوارث»، إلى أن وجدوها في مكتبة الجامعة العبرية في القدس، حتى إنهم لم يجدوها في مكتبة ناصر الدين الأسد الذي أعد دراسة اعتمدنا عليها وغيرنا من الباحثين عن خليل بيدس.
بدوره، أكد العكليك ما ذهب إليه الأسطة، قائلا: استغرق البحث عن الرواية أكثر من عامين. بدأت عملية البحث عند ناصر الدين الأسد، وكان كَتب مقالة عنها، لكنه لم يعثر على النسخة التي كانت بحوزته، وعجزنا عن إيجاد أي نسخة في المكتبات العامة ومكتبات الجامعات في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومصر وكثير من مكتبات العالم الشهيرة، قبل أن نعثر عليها أخيراً في جامعة إسرائيلية، وبالتحديد في مكتبة الجامعة العبرية في القدس. وعن هذه التجربة، يقول العكليك: مع انتقال «الرقمية»، وهي أول مكتبة الكترونية فلسطينية، إلى مرحلة الطباعة الورقية، فكرنا في أن تكون باكورة إصداراتنا مميزة وتحمل مضامين عدة، لذا وقع اختيارنا على الرواية الفلسطينية الأولى وهي «الوارث» لخليل بيدس، مضيفاً: تأتي هذه الخطوة في إطار مشروع لإعادة إحياء الكتب الفلسطينية النادرة والقديمة عبر التنقيب عنها، وإعادة طباعتها وتوزيعها، وما رواية «الوارث»، إلا خطوة أولى في هذا الاتجاه. واعتبر العكليك أن إحياء الثقافة المسروقة عبر البحث والتنقيب عن الكتب المفقودة فيه تكريس لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وتأكيد على الحقوق الفلسطينية في فلسطين التاريخية.
تتناول الرواية قصّة عزيز الشاب اليتيم الذي تربى في بيت عمّه الغني الشيخ نعمان، ووقع في حبّ ممثّلة وراقصة يهوديةّ جميلة تدعى إستير، فاستغلت ولعه بها، وقامت بمعية عمتها راحيل، بنهب أمواله وإغراقه في الديون، ومساعدته على الاستدانة من التجار والصيارفة اليهود الذين ابتزوه بالربا والفوائد الكبيرة، ونجحت إستير في إقناع عزيز بالزواج من ابنة عمه نجلاء، على الرغم من رفضه وعدم حبه لها، لضمان حقه في ميراث عمه الذي هو شرط لاستمرار علاقتها به ونهبه أمواله، وحين لم يمت عمه، ولم يصبح عزيز الوارث، تطرده استير، فيعود إلى زوجته نجلاء. وتنتهي أحداث الرواية، والشيخ نعمان الحلبيّ قد تعافى من مرضه تماما وعزيز لم يصبح الوارث، لكنّه تسلم جميع أمور الشيخ نعمان العقارية والتجارية.

النكبة والسرقة الكبرى

في شأن حالة «التوهان» لدى بعض الباحثين بخصوص تاريخ الرواية الفلسطينية، وأسبابها، قال الأسطة: أعتقد أن نكبة العام 1948 وتبعثر كثير من الكتب الأولى وضياعها ساهمت في حالة التوهان هذه أو عدم الدقة، إن جاز التعبير. وأضاف: في النكبة ضاعت فلسطين وضاعت مكتبات أكثر أدبائها هم الذين أسسوا حركة أدبية، وما لم يضع منها سرقه الذين سرقوا وطناً بأكمله. وكان علينا، ونحن نبحث عن كتبنا الضائعة، أن نبحث عنها في ما تبقى من مكتبات شخصية استطاع أصحابها إما حفظها أو نقلها بعيداً من أيدي الغاصبين. وكان عرض فيلم «السرقة العظمى للكتب» للمخرج الهولندي الإسرائيلي بيني برونر، في مركز خليل السكاكيني في مدينة رام الله، مطلع العام الماضي، قد أثار ردات فعل ما بين الأسى والغضب، وصلت إلى درجة أن وزيرة الثقافة السابقة سهام البرغوثي وجدت أن الوقت بات ملائماً للمطالبة باسترداد الكتب الفلسطينية التي نهبتها العصابات الصهيونية، والموجودة بالآلاف، وفق الفيلم، في «المكتبة الوطنية الإسرائيلية»، بعد أن اختفت من بيوت الفلسطينيين المهجرين عقب النكبة، واستولى عليها العاملون في هذه المكتبة بالدرجة الأولى، وغيرها من المكتبات الإسرائيلية، وهي كتب تقع تحت مسؤولية ما يعرف بـمؤسسة «حارس أملاك الغائبين»، التي تقوم على قانون عنصري لمصادرة أملاك الفلسطينيين الذين لجأوا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، أو دول الشتات، وباتوا يعيشون في مخيمات تتفاوت في مستويات مأساوية العيش فيها.
قالت البرغوثي: حان الوقت لتقديم طلبات لاسترداد الكتب المنهوبة، خاصة بعد حصول فلسطين على عضوية اليونسكو، وعضوية دولة مراقب في الأمم المتحدة. علينا ألا نتخاذل في هذا الأمر على الإطلاق. وفي حديث خاص معها، قالت البرغوثي: تعاطينا في أثناء وجودي في منصبي الوزاري مع الأمور بجدية كبيرة، وأطلقنا حملة لاسترداد الكتب، وشكلنا عدة لجان، وتم تعميم الفيلم على السفارات الفلسطينية في الخارج، وعرضته بالفعل بعض السفارات، ووضعت اللجنة الإعلامية خطة جيدة للتعاطي مع الأمور، لكن العقبة الوحيدة كانت قانونية، حيث إنه لاسترداد هذه الكتب لا بد من تفويضات من مالكي المكتبات المنهوبة أو ورثتهم أو أصحاب الكتب والمخطوطات المسروقة أو ورثتهم، وهذه عملية معقدة للغاية.
يسلط الفيلم الذي أخرجه برونر المقيم في أمستردام، والذي أنتجته قناة «الجزيرة الدولية»، الضوء على جانب لم يسبقه إليه أحد في السينما، ويتعلق بنكبة العام 1948، وأثار حفيظة الإسرائيليين عند عرضه في تل أبيب، قبل عرضه في رام الله. وكان برونر قال في تصريحات صحافية: إن إسرائيل مسؤولة عن الظلم الذي وقع على الفلسطينيين لسنوات عدة.. أتصوّر أننا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن نكون في الجانب الصحيح من التاريخ، عبر الاعتراف بالتسبب بمأساة أناس آخرين. وأضاف برونر في لقاء تلفزيوني مع فضائية «بي بي سي» البريطانية: عند عرض الفيلم في تل أبيب وجهت إلي وإلى الفيلم انتقادات، وصلت إلى أن البعض وصفه بأنه الفيلم الأسوأ الذي يشاهدونه على الإطلاق، وأنني زورت الحقائق عندما تحدث عن سرقة الكتب الفلسطينية بعد حرب العام 1948، في حين أن ما قام به العاملون في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، كما يرى المنتقدون، يندرج في إطار إنقاذ الكتب وحمايتها.
وعلى مدار 48 دقيقة، هي مدة عرض الفيلم، يروي هذا الفيلم الوثائقي المثير للجدل، كيف اقتحم، خلال الأشهر الأولى للنكبة الفلسطينية، أفراد العصابات الصهيونية المنازل الفلسطينية في المدن والقرى المهجرة، وكان من بين مهماتهم جمع أكبر عدد من الكتب القيّمة والمخطوطات التي تواجدت في هذه البيوت. وقال المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في مقابلة معه في الفيلم: لا يهمني ما الطريقة التي حفظت فيها هذه الكتب، ما يهمني عودة هذه الكتب إلى المكتبات الفلسطينية، مضيفاً: إن الإسرائيليين يعملون من خلال سرقة هذه الكتب على محو التاريخ الفلسطيني بطريقة أو بأخرى، وهو أمر عنصري ومرفوض كلياً.

المطلوب الآن

قال الأسطة: المطلـــــوب الآن أن نبـــــحث عن العــــناوين الأولى في الرواية وعموم الصنوف الأدبية الفلسطينـــــية، والعمل على إعادة طباعتها، وهذا المشروع الذي بدأه شباب فلسطينيون لابد من دعمه من الحكومة والقــــــيادة الفلسطينية. في بيروت، بادرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إطلاق مشروع إعادة إحياء التراث، وتمت طباعة بعض الأعمال الأدبية، من بينها المجموعة القصصة «مسارح الأذهان» لخليل بيدس، وهي أول مجموعة قصصية فلسطينية ظهرت لأول مرة العام 1924، كما سبق لوزارة الثقافة الفلسطينية القيام بين فترة وأخرى، ومنذ تأسيسها مع قيام السلطة الفلسطينية، بطبـــــاعة أعـــــمال مهمة، لكن بقي كثير من الأعمال القيمة والأولى خارج هذه المشاريع، لربما لجهل القائمين عليها بها وبمؤلفيها. أتذكر أنني من عرّفتهم في الوزارة بالقاص نجاتي صدقي. لم يكونوا قد سمعوا عنه، وحين عرفوا أهمـــــيته أطلقوا جائزة للقصة القصيرة حملت اسمه، لكنها لم تســـــتمر لأكثر من عام، وللأسف حتى الآن لم تُعَد طباعة أعماله، وهـــــــذا يعكس حالة من غياب الاستراتيجية في حفظ الهوية الفلسطينية من خلال الأدب والثقافة والفنون.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله