| 

نقاش مسألة الدولة الواحدة ليست مسألة جديدة، بل يتم تداولها منذ بداية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني على السيطرة على الأرض وما تحتها وفوقها، وفي كل مرة يلبس هذا النقاش شكلاً جديداً على الرغم من أن الجوهر الأساس هو واحد، يتعلق بقدرة هذا البلد على تحمل حمى الفصل القومي من خلال حلّ مبني على الفصل الجغرافي.
قبل النكبة، لم يكن معقولاً أصلاً التفكير فلسطينياً بغير حل الدولة الواحدة، بينما في الجانب اليهودي اختلفت الآراء بين الدولة وحل الفصل الجغرافي بين الشعبين في كيانين. وبعد النكبة استمرّ النقاش في حلقات مختلفة في شأن الحل الأكثر ملاءمة لحل المشكلات، بين الدولة العلمانية والدولة العربية والدولة اليهودية، وصولاً إلى اتفاق أوسلو الذي بُني على فرضية الفصل من غير تحديد واضح لمعاني هذا الفصل ولإسقاطاته على الأرض.
منذ أوسلو، ترافق هذا النقاش، وبوتيرة متشابهة، مسألة الحراك الديبلوماسي للتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، فكلما اقتربنا من إعلان تقدّم جدي في المفاوضات، تتحرك الأقلام التي تعارض إطار الحل الذي يقوده الأميركيون وتلوح بحل بديل، يعتبره مناصروه أكثر شمولية وصدقاً في التعامل مع مستقبل الشعبين.
إن ربط النقاش في شأن الدولة الواحدة بحالات الصعود أو الهبوط المتواتر للحل السياسي الذي تعرضه الإدارة الأميركية، أو حتى اللجنة الرباعية الدولية وغيرهما، هو خطأ استراتيجي يرتكبه من يريد حلاً عادلاً في فلسطين التاريخية. هذا الارتباط يعطي الحل الأميركي، والذي يرتبط بمقايضات في شأن ما يعتبر مصالح إسرائيلية ومصالح فلسطينية أو على الأقل مصالح جزء من كلا الشعبين، تفوقاً سياسياً ويجعل منه الأصل الذي يقود التفكير والعمل السياسي نحو المستقبل، حتى أن بعض مروّجي الحل المبني على فكرة الدولتين، أصبحوا قادرين على تسويق فكرة أن كل من لا يروّج ويقبل فكرة حلّ الدولتين يتهرّب من مواجهة الواقع. وهنا يروج هؤلاء للحل الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يأخذ بالمصالح والمواقف الإسرائيلية كمقدسة يجب السعي إلى تثبيتها على حساب الموقف والمصالح الفلسطينية. بينما الوضع الصحيح والسليم، أن يكون الحل الشامل المبني على اعتبار فلسطين التاريخية وحدة واحدة، كما هي الحقيقة، هو الأصل والناشط الموجّه للنقاشات ولأفكار الحل المستقبلية، حتى لو أن البعض اعتبر ذلك ضرباً من الخيال في ظل الأوضاع الحالية على الأرض، لأن الحقيقة هي أن الحل الذي يفتقر أي أرضية من الشرعية على الأرض هو حلّ الدولتين وليس العكس، وتكاسل القائمين على الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤيدي الحل العادل هو الذي أعطى متسعاً لتبريرات الالتصاق بحل الدولتين. هذا لا يجعل من حل الدولتين أفضل، ولا يحلّ المشكلة أو القضية كما تشكلت خلال النكبة وبعدها.

أوهام الحلول

نجح أصحاب مشروع حل الدولتين، من إسرائيليين وفلسطينيين وغيرهم، في زرع أوهام المشكلة والحل في مخيلة كثيرين بشكل غير ملائم ومنافٍ للحقيقة. حل الدولتين الذي تتم المداولات السياسية والأكاديمية والصحافية في شأنه، وعلى اعتبار أنه سوف ينفذ بشكل كامل بناء على القرارات الدولية والمبادرة العربية لقمة بيروت 2002، هو حل لمشكلة نشأت خلال حرب 1967 جراء احتلال إسرائيل لأراضٍ فلسطينية لم تستطع الإجهاز عليها العام 1948. وبهذا فإن حل الدولتين المؤسس على أن المشكلة الأساس هي المناطق التي احتلتها إسرائيل العام 1967 ومشكلة شرقي القدس والاستيطان في الضفة الغربية (وغزة) هو حل جزئي لا يتلاقى مع أدنى درجات الاستعداد لحل المشكلة كما هي على حقيقتها، ويوفر غطاء للهروب من حل المشكلة من خلال حل جزئي سوف يؤسس لسنوات طويلة من الصدام والخلاف والصراع العنيف، وذلك ببساطة لأن هذا الحل الجزئي سوف يوفر مناخاً من الاعتقاد بحل المشكلة ويبعد ضرورات التفتيش عن حلول جذرية وشاملة عن جدول الأعمال اليومي. فالمشكلة أو القضية لها أربع مرجعيات مركزية تتفرع عنها كل الجوانب الأخرى، التي يتم تداولها في المفاوضات، وتلك التي يتم تجاهلها، لأجل الوصول إلى حل بدلاً من تفجير المفاوضات والحل المعروض. المرتكزات الأربعة هي: أولاً، تلك المتعلقة بنتائج النكبة وتهجير الفلسطينيين؛ وثانياً، منع الفلسطينيين من حق تقرير مصيرهم؛ وثالثاً، إقامة نظام مبني على التفوق العرقي اليهودي في فلسطين التاريخية من جهة؛ ورابعاً، انعدام حل سياسي منطقي للحقوق المكتسبة لليهود، الفردية والجماعية، في فلسطين التاريخية من الجهة الأخرى.
إن التعامل الجدي مع هذه القضايا الأربع هو الأساس لأي حل مستقر في فلسطين التاريخية، ولا يمكن أن يكون مثل هذا الحل قادراً على الاستمرار إلا إذا أخذ بالحسبان مصالح الطرفين، بالمستوى نفسه وبالطريقة نفسها ومن خلال حل أساسه التكافؤ والتوازن بين الشعبين على قاعدة المساواة الليبرالية بين المواطنين كافة، متزامنة مع الحفاظ على الحقوق الجماعية للمجموعتين، وهذا بالضبط ما يُسمّى في الأدبيات السياسية بحل الدولة ثنائية القومية.

الحال باتجاهين

فالفلسطينيون الذين عانوا من دولة التفوق العرقي اليهودي لا يستطيعون المطالبة بدولة عربية فقط، تحفظ لهم تفوقاً عرقياً مغايراً للحالي، والفلسطينيون الذين يطالبون بحقوق جماعية لا يستطيعون إنكار ذلك على المجموعة اليهودية التي لا تقل عنهم تماسكاً جماعياً. وبذلك، وحتى من باب الحلول المرحلية، لا يمكن أن يكون الحل المبشر به ديموقراطياً إلا إذا بني على أساس التوازن والمساواة والشراكة في الوطن الواحد، ولا بدّ من حل المشكلة الفلسطينية كما المشكلة اليهودية في فلسطين التاريخية، وبغير ذلك فإننا نكون قد اقترفنا جرم تدوير الصراع لا حله.
هنا، يجب التأكيد مرة أخرى على أن المسألة لا تتعلق فقط بكونها قضية فلسطينية وحدها، بل قضية إسرائيلية كذلك. قد يكون ما نتج عن النكبة إشارة إلى أن القضية تتعلق بحل الهزيمة التاريخية للفلسطينيين، وهذا صحيح جزئياً، لأن ما نتج عن النكبة وبعدها هو هزيمة للفلسطينيين، ولكنها لم تكن ساحقة لقدراتهم ولإمكانيات لملمة جروحهم، وهذا ما حصل فعلاً، إذا استطاع الفلسطينيون لملمة جراحهم ولو جزئياً، وطرحوا تحدياً لا يزال حياً على إسرائيل ومن يناصرها. وكذلك، إذا استطعنا أن نحوّل مشكلة المستقبل من مسألة القضية الفلسطينية وحدها، إلى سؤال مستقبل إسرائيل في المنطقة وامكانيات استمرار وجودها أيضاً، على خلفية سياسات قامت هي بالمبادرة إليها، وورطت نفسها في مسؤولية تتعدى قدراتها، ما يجعل مستقبلها تحت علامة سؤال، ويطرح علينا سؤال مستقبل اليهود، أو ما أسميه القضية اليهودية، وهي مسألة مستقبلية وتختلف عن مسألة اليهود التاريخية، لكنها جوهرياً تتعلق بتعاملنا الحالي والمستقبلي مع حقوق اليهود، كأفراد وجماعة، في فلسطين التاريخية.
هنا أصل إلى بيت القصيد، على الرغم من أن الأصوات التي ترفض حل الدولة الواحدة، ثنائية القومية، تقول بأنه حل غير منطقي، وهي تعبير عن رأي كثيرين، إلا أنها وبعد أكثر من عقدين بعد أوسلو، لا تستطيع أن تقدم أي دليل حاسم على أننا أقرب اليوم إلى حل الدولتين منه في فترة التوقيع على اتفاق أوسلو، وهي بالتأكيد لا تستطيع أن تقول إن حل الدولتين هو أكثر أخلاقية أو شمولاً في التعامل مع المشكلة الإسرائيلية والفلسطينية من حل الدولة الواحدة. وهم لا يستطيعون تقديم ادعاء جدي في شأن امكانيات تنفيذ حل الدولتين على أرض الواقع، في واقع ثنائي القومية بامتياز، يعاني قصور النخب السياسية في الطرفين في رؤية الامكانيات الحقيقية والواقعية للتقدم من أوضاع مؤسسة على التفوق العرقي إلى واقع متساوٍ وإنساني وأخلاقي ومتوازن في فلسطين التاريخية. وبهذا فإنني أدّعي بأن حل الدولة الواحدة وثنائية القومية هو حل أكثر واقعية من أي حل سياسي سلمي آخر، وهو بذلك يفتح مجالاً لطرحه كحل سياسي وليس مسألة لنقاش فكري وسياسي للحلقات النظرية فقط.

بروفيسورو أستاذ السياسة المقارنة، في كلية العلوم السياسية بجامعة حيفا.