| 

«اختفت الملصقاتُ التي تكرّم شهداء الانتفاضة الفلسطينية من شوارع رام الله، لتحل مكانها اللوحات الإعلانية الضخمة الداعية إلى الحصول على التسليفات العقارية (...)»، «وفي الضفة الغربية - مسرح البارود الأخير لياسر عرفات الذي حاصرته في العام 2002 الدبابات الإسرائيلية وتحول مقرّ قيادته العامة إلى أنقاض - تحولت بلدة إلى مدينة صغيرة منفتحة على العالم، وتتوزع فيها الحانات العصرية والمساكن الفاخرة».
تعبّر هاتان الفقرتان، باختصار، عما جرى لمدينة رام الله بعد اتفاقية أوسلو، وعودة القيادة الفلسطينية إلى الضفة، بموجب هذه الاتفاقية. هذا ما يتوصل إليه الصحافي الفرنسي بنجامن بارث، الذي عاش في رام الله مراسلا لجريدته اللوموند بين 2002 و2011، في كتابه «حلم رام الله: رحلة في قلب السراب الفلسطيني».
وهذا الكتاب يجمع أسلوب البحث إلى الريبورتاج الصحافي، وإلى ما ينطوي عليه من عناصر الصدمة للفلسطينيين في الداخل والشتات، يتوزع على محاور عدة، أبرزها فساد السلطة وأجهزتها، إداريا وماليا وأمنيا وثقافيا، وممارسات الاحتلال. وهو يبدأ فصله الأول بخبر «طاف حول العالم»، في بداية تشرين الثاني 2010، ولم يكن الخبر يتعلق باختراق ديبلوماسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولا بمصالحة بين حماس وفتح، بل بافتتاح فندق لسلسلة فنادق موفينبيك السويسرية الشهيرة، ويضم جناحين رئاسيين كلفة الليلة فيهما 900 دولار.
أن يكون هذا الحدث على هذه الدرجة من الأهمية، يعني أنه مؤشر أساس على ما جرى ويجري في الأراضي الواقعة ضمن السيطرة، ولو الجزئية، للسلطة، لأن الهيمنة الكلية في نهاية المطاف هي للدولة العبرية وجيشها.
في هذا السياق يعبر صاحب سلسلة الفنادق الشهيرة جان غبريال عن إعجابه بـ«رام الله» وكونها مدينة طبيعية «الجو هادئ جداً والعيش يطيب فيه». ليعقب المؤلف بالقول: «لا تخلو العبارة من الإثارة في مدينة ترزح تحت الاحتلال. انعطاف سريع عبر حاجز التفتيش في قلنديا الذي يشكل مصفاة الدخول إلى القدس، جنوب رام الله، قد يسمح بإضفاء بعض التعديلات على الصورة». ويعرض المؤلف مشهد آلاف الفلسطينيين على الحاجز «كما لو كانوا في حظيرة ماشية». ومن بين التعقيدات والعقبات الكثيرة التي وضعتها إسرائيل أمام إقامة الفندق، وهي تستحق وقفة خاصة لأنها تتعلق بفندق عالمي وليس بمجموعة إرهابية، يستهجن المؤلف رفض إسرائيل، لأسباب غامضة «استيراد بوظة موفنبيك، الحلوى الإجبارية في سلســـلة الفنادق هذه».
يرصد المؤلف المسافة بين هذا الفندق ومحيطه، وبين فنادق أخرى وما يحيط بها من مخيمات، فهي مسافة تبيّن الفارق الاجتماعي بين عالمين. يقول: «بالقرب من الفندق تكفي إطلالة على مخيم الأمعري، وهو منطقة مخصصة لنبذ البروليتاريا الفلسطينية، لأخذ فكرة عن «رغد العيش» الذي تحدث عنه رئيس موفنبيك». يلاحظ أيضاً أن فندقين آخرين من فئة خمس نجوم، هما إنتركونتننتال بيت لحم وإنتركونتننتال أريحا، شيدا قبالة مخيمين للاجئين، هما عقبة جبر (للأسف تسميها المترجمة جابر) ومخيم عايدة».
يوغل المؤلف في الوصف الكارثي لحال رام الله وما تمثله، فيرى أن «هذا البلد المستحيل والمأساوي والعبثي الرائع الذي يشبه بأجوائه روايات فرانز كافكا، ولويس كارول، اسمه فلسطين، أو بالأحرى الضفة الغربية. رام الله أقل مجوناً من تل أبيب، وأقل بهرجة من بيروت، لكنها أكثر إثارة للدهشة من الاثنتين، وهي الآن الفقاعة الجديدة في الشرق الأدنى». ويعتقد أن هذه التناقضات في المدينة هي محاولة للظهور بمظهر الحياة الطبيعية، فمنذ العام 2007، تفتتح حانة جديدة أو مطعم عصري في كل ثلاثة أو أربعة أشهر.
ورام الله، بالنسبة إلى بعض الفلسطينيين «منطقة رمادية، غير محتلة مباشرة، وليست حرّة فعليّا، وهي محاصرة ولكنّها تعجّ بالحياة». بينما ينظر إليها البعض الآخر فيرى كيف «تتحول المساحة العامة إلى مساحة تجارية. وتنتشر أشكال التنظيم المدني الليبرالي الجديد في كل مكان». وعن بعض نتائج التحوّل الدراماتيكي انبثق «وهم التعايش بين الحرية والازدهار والاحتلال».
يُفاجأ القارئ إلى حد الذهول بأن حفل خطبة ابنة القائد الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي قد جرى في فندق «موفنبيك»، وحضره كبار السياسيين. ويتساءل المؤلف هل هؤلاء المدعوّون قد لاحظوا «مستوطنة بساغوت» اليهودية التي تطل على المكان من جبل الطويل، و«هل وصلت أصوات موسيقى الحفلة وأصوات أبواق السيارات المتنافرة إلى آذان سكانها؟ لديهم منظر لا يحجب (موفنبيك) من نوافذ صالوناتهم. (حيث) بساغوت هي حارس وسور في الوقت نفسه، وإحدى حلقات النظام الذي يمسك بفلسطين بين فكّي كماشة».
في ما يتعلق بخطط «السلام الاقتصادي»، يعتبر المؤلف أن رئيس الوزراء سلام فياض «ليس مغفلاً. ما يحاول فعله هو إبقاء النظام في قيد الحياة، وكسب الوقت حتى الانفجار المقبل». وقد استطاع استقطاب كثير من النخب في المجتمع، حيث «تحمّست البرجوازية المثقفة التي تدور في نطاق جامعة بيرزيت، فسارع كثير من أفرادها إلى تأسيس منظمات غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان، أو لدراسة الديموقراطية أو لتعزيز دور المرأة، وكلها موضوعات كانت جزءاً لا يتجزأ من برامج الأحزاب والنقابات، التي أُعيد صوغها استجابة لشواغل المانحين. بذلك، دخلت هذه النخبة المثقفة في مسار تغريب يتيح لها سهولة أكبر للحركة الدولية وزيادة للموارد لا يستهان بها.
من جهة أخرى، فقد تم إدماج جميع شبان الانتفاضة الأولى تقريباً في دوائر الأمن التابعة للنظام الجديد. وحُصرت الحماسة القومية في بناء نواة جيش. كما «تَحَوّل بعض مقاتلي الانتفاضة الثانية إلى حراس في المتاجر أو الفنادق ذات الخمس نجوم. وتحول الهوس الثوري إلى الدفاع عن القطاع الخاص». ويتساءل: «هل يتحول الوطن بهذه البساطة إلى مشروع ربحي يربح منه المستثمر الفلسطيني والإسرائيلي والغربي على حد سواء؟».
يعتقد المؤلف باستحالة قيام دولة فلسطينية بسبب الكماشة الإسرائيلية واعتماد السلطة على المعونات، ونمط التسيير الذي تتبعه السلطة الفلسطينية، والقائم على منطق ضخ مساعدات الدول المانحة في مشاريع تستفيد منها في الأخير الدولة العبرية. وهو ينتقد الآلة البيروقراطية التي تكمم دواليب السلطة الفلسطينية، والتي بتركيزها على الجانب الاقتصادي تغيّب البعد السياسي في ظروف تمكن فيها البؤس واليأس من الغالبية العظمى للفلسطينيين.
رام الله، بحسب الصحافي الفرنسي هي «مدينتان في مدينة واحدة. الأولى تتكلم العربية والثانية تتكلم الانكليزية. الأولى يتناول فيها المواطنون وجبات إفطار بالحمص، والثانية بـ«سيزار سالاد» في مقهى عصري. أثرياء يزدادون ثراء وفقراء يزدادون فقراً، وقضية تذروها رياح التغيير. هما مدينتان فلسطينيتان بجغرافية مختلفة. والسؤال الأخير «هل القضية التي كانت مركزية للعرب، تصبح هامشية لكثير من الفلسطينيين؟».