| 

حققت الحركة الصهيونية انتصارها الأخطر عندما نجحت في تغليب أساطيرها وتزويرها الفاضح لوقائع التاريخ على الحقائق الثابتة المتصلة بأرض فلسطين وأهلها الذين كانوا على مر الأيام أهلها وفيها.
اصطنعت هذه الحركة ذات النفوذ الدولي الواسع «تاريخاً» جديداً للأرض المقدسة وأهلها، فأحلّت اليهود محل الفلسطينيين وادعت ان فلسطين هي أرض التوراة منذ ما قبل التاريخ وإلى ما بعد نهاياته. ثم دعمت روايتها بحكايات مزعومة عن تدمير الهيكل (الذي لم يجد علماؤها وسائر البحاثة المتخصصين أثراً له فوق أرض القدس يشهد انه كان قائماً في أي يوم).
ثم ان المستقدمين من ألمانيا وسائر دول أوروبا وأميركا من اليهود لا علاقة لهم عبر التاريخ بفلسطين، فهم لم يكونوا فيها يوماً. ومن كانوا في فلسطين وسائر البلاد العربية من اليهود كانوا يعيشون فيها «كمواطنين» شأنهم شأن غيرهم من أهلها، يعملون في مختلف مجالات الحياة، ولا سيما في التجارة والأعمال المصرفية، ولم يتعرضوا لأي اعتداء أو تضييق حتى بعدما أقيمت دولة إسرائيل بالقوة والتواطؤ الدولي والعجز العربي على أرض فلسطين..
وكاذبة هي الروايات التي روج لها الصهاينة مع إقامة دولتهم إسرائيل في أيار سنة 1948 عن ان الفلسطينيين قد خرجوا من أرضهم وبيوتهم وتاريخهم طوعاً، بل ان من تركوا فلسطين إلى أي بلد عربي مجاور قد أُخرجوا قهراً ثم مُنعوا من العودة بالقوة ليدعي الإسرائيليون في ما بعد «أنهم قد وجدوا أرضاً فارغة فسكنوها».
أما الرواية الأصلية المعززة بالوثائق والوقائع التي لا تُدحض فهي ان الإسرائيليين كانوا قد أعدّوا، كمدخل إلى مشروع احتلالهم الاستيطاني لأرض فلسطين، خطة متكاملة لطرد أهلها العرب من كل فلسطين، إذا أمكن، ومن معظمها إذا ما تعذر عليهم «تطهيرها عرقيا» كي يتسلموها ـ بالقوة ـ وقد أفرغت من أصحابها الذين كانوا أصحابها على مر الزمن... وهم الذين بنوها وزرعوها وسقوا ارضها عرق جباههم وغرسوا فيها وانغرسوا حتى باتت منهم وباتوا منها ولا انفصال بينهم وبينها.
معروف أمر الخطة «دالت» لطرد أهل الأرض جميعاً، أي العرب الفلسطينيين من أرضهم التي كانت على مر التاريخ أرضهم، بذريعة أن الأرض العربية فسيحة جداً وناقصة أعداد السكان فيها وان بإمكانها ان تستوعبهم فيكونوا بين أهلهم، في حين ان ليس لليهود المضطهدين والمقهورين والمهددين في حياتهم مكان يعودون به ومعه إلى تاريخهم إلا الأرض المقدسة فلسطين. ومعروف ان المجازر المنظمة والاجتياحات المتكررة للمدن والقرى الفلسطينية كانت بنوداً في خطة متكاملة لتسلم فلسطين أرضاً مفرغة من أهلها لتكون ـ من بعد ـ دولة يهود العالم... الديموقراطية.
... وستبقى فلسطين ــ القضية حاضرة في الوجدان ودليل طريق إلى المستقبل العربي الأفضل.