| 

أحد أبرز قادة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وواحد من المؤسسين الأوائل لحركة فتح إلى جانب ياسر عرفات وخليل الوزير ومحمود عباس وسليم الزعنون وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان وتوفيق شديد ويوسف عميرة وتوفيق حوري وآخرين. كان سياسياً من طراز خاص ورجل أمن وخطيباً جذاباً.
عاش مراحل النضال الفلسطيني المعاصر كلها، بانعطافاتها الكثيرة، وانقلاباتها المتعددة، بانتصاراتها وهزائمها، بأوهامها ووقائعها. وفي خضم هذه المسيرة الصعبة لم يشاهد يوماً في أي مطعم أو سينما أو مسرح أو حفل، إلا في الاحتفالات الوطنية.
 

******


كثيراً ما كان يروي تفصيلات لجوئه مع عائلته من يافا إلى غزة، ففي المركب الذي أقلهم كان ثمة امرأة تولول بعدما اكتشفت أنها نسيت أحد أطفالها الأربعة على رصيف الميناء. ولما كان من المحال العودة إلى الشاطئ حيث المدفعية الصهيونية تلاحقهم حتى إلى عرض البحر، فقد رمت المرأة نفسها في الماء، وعلى الفور قفز زوجها وراءها لإنقاذها، لكن مياه اللجج ابتلعتهما إلى الأبد. ويروي بمرارة كيف كان يشاهد تدريبات الشبان اليهود في تل أبيب، فأعجب بالنظام المرصوص والانضباط العسكري لديهم. وبتأثير من استاذه رشاد الدباغ مدير المدرسة المروانية التحق بمنظمة «النجادة». وفي تشرين الأول 1945 وقع شجار مع بعض هؤلاء الشبان تحول إلى معركة بالحجارة. وفي اليوم التالي كمن له بعض اليهود وأوسعوه ضرباً وحطموا دراجته وأصابوه بجروح. ومع ذلك سيق إلى محكمة الأحداث بتهمة طعن فتى يهودي في قدمه. وعندما عاد إلى مدرسته استقبله التلاميذ بحفاوة، وصار قائداً للأشبال في «النجادة».

 

 

******


بعد اللجوء إلى غزة سكنت العائلة في غرفة واحدة في حي الدرج. ولأن والده صار بلا عمل، فقد عمل خفية عن والده لدى صانع كراس لقاء جنيهين في الشهر الواحد، ثم انتقل في سنة 1949 إلى مقهى الكمال لقاء عشرة جنيهات شهرياً. وحين سافر إلى القاهرة للدراسة في سنة 1951 لم يكن معه إلا خمسين جنيهاً، فاستضافه أحد أقربائه في مهجع جامعة الأزهر، وكان المهجع ذا «رائحة بشعة ومنفرة». وفي اليوم التالي اكتشف ان ثيابه التي علقها على الحائط، وفيها الخمسون جنيهاً، قد سرقت، واضطر إلى البقاء في الأزهر عشرة أيام بلا مال أو ملابس سوى «دشداشة» وحيدة. وتمكن، بعد ذلك، من الالتحاق بدار العلوم لأنها كانت تدفع أربعة جنيهات شهرياً لكل طالب.
كان مثل ياسر عرفات يتعاطف مع جماعة الاخوان المسلمين، لكنه، مثل ياسر عرفات أيضاً، لم ينتم إلى هذه الجماعة تنظيمياً. لذلك كان لقاؤهما في سنة 1952 مقدمة لعمل كفاحي تاريخي قلب صورة المنطقة العربية بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967، ووضع قضية فلسطين في نطاق السياسات الدولية. وفي هذا الميدان كان أول نشاط سياسي له في القاهرة التظاهر أمام مقر جامعة الدول العربية في تشرين الثاني 1952 احتجاجاً على قطع المعونة عن الطلبة الفلسطينيين. واقتحم الطلاب مكتب أحمد الشقيري المسؤول عن الشؤون الفلسطينية، فما كان من الشقيري إلا ان استدعى قوات الشرطة التي فضت الاعتصام واعتقلت 19 طالباً. وتمكن أبو إياد من الفرار والاختباء في منزل ياسر عرفات. ثم سلم نفسه إلى الشرطة فاحتجز 35 يوماً في سجن عابدين. واعتقل ثانية في تموز 1954 عشية سفره مع ياسر عرفات إلى صوفيا لحضور مهرجان اتحاد الطلاب العالمي، ولم يفرج عنه إلا بعد 37 يوماً.

 

 

 

 

******


في 28/2/1955 شنت إسرائيل عدواناً على قطاع غزة. وفي آذار 1955 أعلن الطلاب الفلسطينيون في مصر الإضراب عن الطعام احتجاجاً على تقاعس الجيش المصري عن صد العدوان، وطالبوا بإلغاء التأشيرات المفروضة على الفلسطينيين لدى الدخول إلى غزة والخروج منها. وتألفت لجنة للاجتماع إلى الرئيس جمال عبد الناصر من أبو إياد وعبد الحميد الطايع (بعث) وعزت عودة (شيوعي) وفؤاد أحمد (قوميون عرب). وفي سنة 1968 التقى محمد حسنين هيكل وكان معه فاروق القدومي، وقادهما هيكل إلى منزل عبد الناصر، فذكره أبو إياد بذلك الطالب الذي حاوره في سنة 1955، والذي تطوع في المقاومة الشعبية سنة 1956 لصد العدوان الثلاثي على مصر.
كتب في سنة 1958 مسرحية بعنوان «أيام مجيدة» عن اللجوء والصمود، روى فيها قصة الوالدة التي نسيت ابنها على رصيف يافا. وكتب مسرحية أخرى تحاكي محاكمات المهداوي في العراق، لكنها كانت تحاكم الرؤساء العرب هذه المرة. وفي غزة راح يعلِّم ويكتب المسرحيات ويطبع المنشورات، ويلتقي الأعضاء الذين سينضمون إلى حركة فتح في مقهى الكمال الذي عمل فيه في يفاعته.

 

 

 

 

******


حين أُسس «الرصد الثوري» عُين أبو إياد رئيساً لهذا الجهاز، وأبو حسن سلامة نائباً له. وفي سنة 1974 قررت حركة فتح تأسيس جهاز الأمن الموحد، فأوكلت إلى أبو إياد رئاسته، وبهذه الصفة أقام علاقات وثقى بمفكرين وصحافيين وسياسيين أمثال لطفي الخولي ومحمد حسنين هيكل وميشال أبو جودة وغسان تويني وغيرهم كثيرين.
كان صلاح خلف جريئاً في عرض مواقفه السياسية حتى لو كان مزاج الفلسطينيين يخالف هذه المواقف. ففي 10/10/1968 حين كان الفلسطينيون لا يفكرون إلا بالتحرير والعودة، أعلن ان فتح تدعم قيام دولة ديموقراطية في فلسطين التاريخية يعيش فيها العرب واليهود معاً كمواطنين متساوي الحقوق. وفي 15/4/1968، أي في ختام المؤتمر الثاني لحركة فتح، وصلت إليه معلومات متينة عن ان احد قادة فتح يستعد لإعلان نفسه قائداً عاماً لقوات العاصفة. فبادر إلى صوغ بيان ينص على تعيين ياسر عرفات ناطقاً رسمياً باسم فتح والعاصفة. وعمد إلى نشر تصريح باسم عرفات يعلن فيه قبوله هذا المنصب. وقد علم عرفات بهذا الخبر من الإذاعة ففوجئ. وفي أول اجتماع في دمشق لقيادة فتح جرى الموافقة بأثر رجعي.

 

 

 

 

******


إبان الاجتياح الإسرائيلي في سنة 1982 سرت في بيروت شائعات ان الفدائيين سيخرجون من بيروت رافعين الرايات البيض، فاتصل به أبناؤه وبناته من القاهرة قائلين له: لا ترفعوا الأعلام البيض... وبالطبع لم يرفع أحد علماً أبيض، وغادر أبو إياد بيروت في آخر دفعة من المغادرين إلى اللاذقية، بينما أبحر رفيق دربه ياسر عرفات إلى اليونان، وكان يردد: «سيكون لنا ذات يوم وطن». ترى، هل اقترب الوطن أم تناءى!.