| 

لا تنفصل ذاكرتي أنا الفلسطيني التائه، الذي شهق شهقة الحياة الأولى في حي العمارة الدمشقي ـ بعد ولادة عسيرة ـ عن ذاكرة والدي الملونة والمركبة، التي تمتد من ذرى جبل الجرمق ومدينة صفد في الجليل، إلى حوض بحيرة طبريا الزرقاء الساحرة، إلى بيارات البرتقال وكروم الزيتون (شجرتنا المقدسة) في طيرة حفا، وبحرها اللازوردي.
عشت طفولتي ويفاعتي ومطلع شبابي في حواري دمشق القديمة، قبل أن تنتقل أسرتي إلى مخيم اليرموك، عاصمة المخيمات الفلسطينية في سوريا. ولأن ملاعب طفولتي لم تكن في المخيم، بل في تجمع آخر للاجئين الفلسطينيين، لا يشبه مخيماتهم، هو الحي اليهودي الدمشقي، حيث سكنا في بيت من بيوت اليهود السوريين الغائبين، بعدما فتحت الحكومة السورية مطلع خمسينيات القرن الماضي أبواب تلك البيوت المغلقة، ووزعت العائلات اللاجئة على غرفها، فبات كل بيت من تلك البيوت مخيماً صغيراً. أقول: لأنني لم أعش طفولتي في المخيم، فقد أشكلت هويتي على الآخرين، ربما بسبب لهجتي الحيادية التي أصبحت خليطاً بين اللهجة السورية والفلسطينية، إذ كثيراً ما كنت أسأل بين الفلسطينيين: أنت سوري؟! وبين السوريين: أنت فلسطيني؟! ودائماً تنتابني الدهشة لهذا السؤال الغريب!
ما كنت لأنبش تلك الذاكرة وأُعمل التفكير فيها لولا الأحداث الجسيمة المحزنة التي طالت سوريا الحبيبة، وفي القلب منها مدينة دمشق. دمشق التاريخ والحضارة الممتدة لآلاف السنين، تلك المدينة التي عشقت حواريها ودهاليزها. دمشق الياسمين التي تغنى بسحرها ابنها نزار قباني، الذي كان يرى فيها ما لا يراه الآخرون، وهو الذي طاف العالم، وعاد إلى حضنها الدافئ، ليدفن في ثراها الطاهر لأنه الرحم الأول، والمنبع الأول، والملاذ الأخير.
لم أشعر في يوم من الأيام، من خلال أحاديث والدي وذكرياته أن لديه مشكلة مع مسألة «الهوية»، وهو المولود في «صفد» عام 1909. كان يقول دائماً: دمشق كانت أقرب إلينا من حيفا ويافا، وطالما تنقلت مع جدك وأخوتي على البغال والأحصنة بين صفد والشام، إذ لم تكن ثمة حدود فاصلة، فهذه كلها بلاد الشام.
في أمسيات الشتاء الطويلة كانت عمتي تشاركنا الحديث متفاخرة بزوجها «راعي المليحة»، كناية عن فرسه العربية الأصيلة التي كان يتنقل على ظهرها بين صفد والشام مروراً بقرى الجولان، ليتفقد مواشيه مع الرعيان المنتشرين في سهول الجولان ووديانه الشاسعة.
أما ذاكرة والدتي فقد كان لهم طعم آخر ملأ أخيلتي بأحلام واستيهامات عن أمكنة أخرى مختلفة لم أرها، لكنها حفرت عميقاً في داخلي. فهي ابنة صياد داعبت أصابعه شباك الصيد، ولفحت وجهه ملوحة البحر، ولأنها ابنة تلك البيئة، فقد تمحورت حكاياتها حول البحر ومغامراته، ومنها سمعت لأول مرة بجبل الكرمل ووادي النسناس و«الهادار»، وكثيراً ما أدهشتني حكاياتها عن احترام الصيادين والرجال عموماً لأماكن محددة على الشاطئ، ترتادها النساء والفتيات للسباحة في أوقات معينة، وكأنها محمية خاصة بهن (تخيلوا تلك الرحابة التي كانت سائدة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي)، بل ثمة طقوس لها جذور ميثولوجية قديمة ومتجذرة في اللاوعي الجمعي كانت مقبولة آنذاك مثل «أربعاء أيوب» وهو يوم محدد في السنة تنزل فيه النساء إلى البحر، لاعتقادهن بأنه يجلب لهن الخصوبة، لا سيما النساء اللواتي تأخر حملهن، لذلك يحتفلن به وهن يدمدمن بالأدعية، فيما مياه البحر تلامس أجسادهن، وتغمرهن بالأمل والتفاؤل.
كانت والدتي سبّاحة ماهرة، لا تحلو لها السباحة إلا إذا توغلت بعيداً عن الشاطئ، وفي واحدة من مغامراتها كادت تغرق في دوامة راحت تشدها إلى الأعماق، لولا قدرتها على المراوغة والخروج من تلك الدوامة، ثم وصولها إلى الشاطئ منهكة القوى، بيد أن هذه الحادثة لم تفسد صداقتها مع البحر، بل ظلت مسكونة بعشقه طوال حياتها، على الرغم من أنها قضت بقية عمرها في دمشق الداخلية بعد اللجوء، ونكبة عام 1948.
أعود إلى ذاكرتي في دمشق القديمة التي عرفتها حجراً حجراً، بحاراتها ودهاليزها وبيوتها وأسواقها وجوامعها وكنائسها، وبذلك النسيج الغني بفسيفسائه الديني والمذهبي والإثني المتناغم بجمال قل نظيره، ففي الشارع المستقيم أو السوق الطويل الذي يفضي إلى الباب الشرقي، ويسمى اليوم شارع «مدحت باشا» نرى قوس النصر الروماني ينهض بازخاً في منتصفه، مقابل الكنيسة المريمية، مقر بطريركية الروم الأرثوذكس لأنطاكية وسائر المشرق. من هنا مر بولص الرسول مبشراً بالمسيحية الأولى.. ومن هذا الشارع مر خالد بن الوليد وأبو عبيدة الجراح حينما فتح الإسلام بلاد الشام.. وتحولت دمشق إلى عاصمة الأمويين. لكل هذا، وغيره لا تستحق أن تُعامل بلاد الشمس والضوء والحب بهذه الخفة وهذا الجنون اللامعقول!
كتبت مرة حواراً متخيلاً بين الروائي السوري حنا مينة وقيصر الرواية العربية نجيب محفوظ والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. ولا أدري لماذا جمعتهم في مقهى «النوفرة» الدمشقي عند درجات الباب الشرقي للجامع الأموي في منطقة «القيمرية». ربما لسحر هذا المكان الذي يكثف السلام الداخلي في هذه المدينة الروحانية القديمة.
تركت كل واحد من هؤلاء الأدباء يتحدث عن مدينته، ومرجعيتي كانت كتاباتهم عن مدنهم حيث استفاض نجيب محفوظ في الحديث عن حي الجمالية والحسين ومقهى ريش، وعن قاهرة المعز في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي والطبقة الوسطى المصرية. واستعاد ماركيز بطريقته الواقعية السحرية ملامح مسقط رأسه أراكاتاكا «ماكاندو» التي أعاد تشكيلها في رواية مائة عام من العزلة.. بيد أن الروائي السوري الذي كتب آنذاك سلسلة مقالات في صحيفة محلية بعنوان: «هل تعرف دمشق يا سيدي»، فقد تحدث عن فتنة هذه المدينة التي لا تعطي نفسها بسهولة للغرباء، لأن البنية المعمارية لبيوتها من الخارج تبدو مغلقة، بينما تنفتح على الداخل لتظهر مفاتنها، حيث أرض الدار تفوح بعطر النارنج والياسمين تتوسطها فسقية تغتسل بمياه الفيجة العذبة، فيما تتوزع الغرف على الحرملك والسلاملك... التحتاني والفوقاني، فيما الشرفات تطل على أرض الدار المزينة بالياسمين والقرنفل والورد الجوري (الوردة الدمشقية الأشهر).
وصف حنا مينة الروائح المختلفة والمميزة التي تفوح في أسواق دمشق التاريخية ولا سيما سوق «البزورية»، سوق البهارات والشموع والسكاكر وأنواع الفواكهة المجففة، باعتبارها عبق الزمن المعتق، يحكي قصص التاريخ والعراقة في هذه المدينة الساكنة في حضن قاسيون وتتلألأ ليلاً بأبنيتها ومآذنها وأجراس كنائسها... في هذه المدينة عشت حياتي لاجئاً ومواطناً، وتنقلت بين بيتنا في حارة اليهود، ومرسم يوسف عبدلكي (الطيارة) في حواري باب توما، وكنيسة القرمشي في حي الميدان مكان صديقي التاريخي إبراهيم صموئيل، ابن راعي الكنيسة الأب جبرائيل. وفي مدرسة «الأليانس» التابعة للأونروا ومدارس الرهبانيات في القصاع تلقيت تعليمي. وفي مرسم يوسف عشنا أجمل لحظات عمرنا في مطلع السبعينيات. فنانون وشعراء وكتاب شباب وموسيقيون جمعتنا ليالي السمر والحوارات الساخنة في الثقافة والسياسة والماضي والمستقبل. في هذا المرسم الجميل وهو عبارة عن غرفة واحدة على السطح، وأمامها فسحة صغيرة تعرفنا إلى رموز الثقافة السورية والعربية: محمد الماغوط وممدوح عدوان وفواز الساجر والشاعر العراقي مظفر النواب الذي كان يغني بصوته الحزين المجروح «للريل وحمد» وأهازيج الصيادين في الأهوار، فتهتز جدران المرسم وتطير بنا محلقة في عوالم ما ورائية بعيداً عن الزمان والمكان.
في هذا المرسم تفتح شغفنا بالثقافة والفن، وتعلمنا الحب أيضاً والصداقة. كتب إبراهيم صموئيل قصصه المبكرة التي لم ينشرها. وجميل حتمل كان يملأ المكان بانفعالاته ورنين ضحكاته، وفيه خط يوسف عبدلكي بالأبيض والأسود أولى لوحاته المدهشة. في هذا المكان الذي اختزل المدينة مر معظم الشعراء والكتاب والفنانين العرب. مصريون وتوانسة ومغاربة وعراقيون وفلسطينيون... وكان فضاءً مفتوحاً ومجتمعاً مدنياً يضم جميع الطوائف والديانات والأثنيات... هذا هو المكان الذي يشبهنا، فأين دمشق الآن؟! وأين سوريا الحلم... والصورة المشتهاة؟! أين دمشق سعد الله ونوس ومحمد ملص وعمر أميرالاي ونزيه أبو عفش وفاتح المدرّس ونذير نبعة؟! أين دمشق الثقافة والفنون بين هذا الركام الذي دمر كل شيء، وبات يهدد الحاضر والمستقبل.
كل من عرف دمشق وعرف سوريا وشرب ماءها وأكل من خيراتها وتجول في مدنها وسهولها ووديانها وباديتها وجبالها يشعر بالمرارة وينزف حزناً فاجعاً أشد إيلاماً من جميع تلك الجروح الدامية وهذا الموت والخراب.

روائي وقاص فلسطيني مقيم في دمشق ولاجئ إلى لبنان موقتاً.