| 

آفي شلايم في كتابه الجديد «إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم ومراجعة ودحض وتفنيد»، (ترجمة حسين محمد ياغي وبسمة محمد ياغي وتقديم محمد شاهين عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013) يورد ما كتبه في القضية الفلسطينية على مدى ربع قرن، فرتب مواضيع كتابه، باستثناء الفصل المتعلق بوعد بلفور (1917)، بدءاً بحرب 1948 وانتهاءً بالحرب التي شنتها إسرائيل على غزة في كانون الأول/ ديسمبر 2008، لأن الأحداث التي تطرق إليها الكاتب جرت إلى حد بعيد بين هذين الحدين التاريخيين. صحيح أن مواضيع هذا الكتاب سطّرها الكاتب في فترات زمنية متباينة إلا أنها جميعها تعبّر عن وجهة نظر مخالفة للمعهود، فهي تحلل الماضي وتنتقده، وتستند إلى مبدأ يقول إن الماضي هو أفضل وسيلة لفهم الحاضر والتكهن بالمستقبل، ومنطلق الباحث أن فهم حقيقة الصراع في فلسطين لا يتحقق إلا من خلال فهم الأحداث التاريخية المتشابكة.
ينتمي آفي شلايم إلى مجموعة صغيرة من العلماء يطلق عليهم أحياناً لقب «مؤرخو ما بعد الصهيونية» وأحياناً أخرى يدعون «المؤرخون الجدد»، ويتزعم هؤلاء بيني موريس من جامعة بن غوريون في النقب وإيلان بابي من جامعة حيفا، وكان أطلق على هؤلاء لقب «المؤرخون الجدد» لأنهم تحدوا المفهوم الصهيوني لأسباب الصراع الإسرائيلي العربي ومسيرته، ودحضوا كثيراً من الروايات التي لفقت في شأن نشأة دولة إسرائيل والحرب العربية الإسرائيلية في 1948. كان بيني موريس أول من اخترع مصطلح «علم التأريخ الجديد» لكنه غيّر مواقفه تغييراً جذرياً عقب اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 حين لجأ الفلسطينيون إلى العنف ونفذوا هجمات انتحارية، فحمّل بيني موريس الفلسطينيين مسؤولية فشل التوصل إلى حل سياسي، في حين تمسك آفي شلايم وإيلان بابي بآرائهما القائلة بأن إسرائيل هي وحدها المسؤولة عن استمرار الصراع وتصعيده.
رتب شلايم كتابه إسرائيل وفلسطين وفق التسلسل الزمني للمسائل التي عالجها، فمادة الكتاب تطرقت إلى ثلاثة موضوعات رئيسة هي: قيام دولة إسرائيل في أيار 1948 وحرب الأيام الستة في حزيران 1967 وتوقيع اتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993.
يرى شلايم أن الموضوع الخلافي الأساسي هو حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل. وهو يقر بأن قيام الدولة العبرية تمخض عنه ظلم كبير بحق أهل فلسطين، إلا أنه يعترف بشرعية دولة إسرائيل بحدود ما قبل عام 1967. ويشير الكاتب إلى تعرض النقاد له حين يناقض نفسه لكنه يرى أن نكبة 1948 تسببت بمحنة وطنية وكارثة قومية، ترتب عنها تجريد أهل فلسطين من ممتلكاتهم ثم تشريدهم. إلا أنه يقر في الوقت نفسه بأن اليهود أيضاً عانوا ظلماً كبيراً، وعليه يرى أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبح قيام دولة يهودية قضية أخلاقية ملحة، فأعطى قرار الأمم المتحدة 181 الشرعية لقيام إسرائيل، ولكن شلايم ينظر بحذر إلى هذا القرار، فيرى أن هذا القرار ربما لم يكن عادلاً، لكنه شرعي، مستنداً إلى حجته القائلة «العدالة والشرعية شيئان مختلفان، فما هو شرعي ليس بالضرورة عادلاً. لقد عقدت إسرائيل عام 1949 اتفاق هدنة مع جاراتها لبنان وسورية والأردن ومصر. وهذه هي حدودها المعترف بها دولياً. وهذه هي الحدود الشرعية التي أعترف أنا بها». بهذه البساطة وبهذا المنطق ينظر شلايم إلى شرعية قيام إسرائيل؛ مسألة حسابية بسيطة: خسارة وظلم في أوروبا يقابلهما خسارة وظلم في فلسطين، من باب تسوية حسابات وقائمة خسائر وبيان أرباح.
 

******


نقطة التحول الفاصلة الثانية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث هي ما جرى في حزيران 1967، فانتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة نتج عنه احتلال مرتفعات الجولان والضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء. هنا يردّنا شلايم إلى أن إسرائيل فضّلت الأرض على السلام وشرعت في بناء المستوطنات رافضة الانصياع لقرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22 تشرين الثاني 1947، منتهكة بشكل صارخ معاهدة جنيف الرابعة. هنا يتبنى شلايم موقفاً أكثر تقدمية وواقعية من موقفه في شأن حرب 1948، فيرى أنه في أعقاب حرب 1967 «تحولت إسرائيل إلى قوة استعمارية» ويلح على ما قاله سابقاً: «ما زلت أؤمن بشرعية دولة إسرائيل لكن بحدودها التي سبقت حرب عام 1967. أنا أرفض رفضاً تاماً بما لا يقبل المساومة المشروع الاستعماري الصهيوني الذي يتعدى حدود ما قبل عام 1967». وبالطبع فإن موقف شلايم هذا هو أُسّ مدماك المؤرخين الجدد في إسرائيل. أما الحد الفاصل الثالث الذي يراه شلايم مسألة خلافية وموضوع جدل في مجال إعادة كتابة تاريخ دولة إسرائيل تحت خانة «المؤرخون الجدد» فهو اتفاق أوسلو الموقع في 13 أيلول 1993 في حديقة البيت الأبيض في واشنطن وهو الاتفاق الذي وُثق بالمصافحة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين، وكان أول اتفاق يعقد بين طرفي النزاع، وتمخضت عنه ثلاثة أمور هي: اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية، بإسرائيل وبحقها في الوجود، واتفاق الطرفين على حل جميع مشاكلهما العالقة بالطرق السلمية.
يتوسع شلايم في شرح خلافه مع إدوارد سعيد في شأن اتفاق أوسلو، إذ أنه بعد فترة قصيرة من توقيع الاتفاق كانت له مناظرة مع إدوارد سعيد نُشرت في 21 تشرين الأول 1993 في London Review of Books لم يضمها إلى كتابه هنا لاعتقاده أنها لن تكون صالحة على المدى الطويل، لأن سعيد كان ضد اتفاق أوسلو فيما كان شلايم من المدافعين عنه؛ عنوان سعيد مقالته «فرساي الفلسطينية» وكانت حجته أن معاهدة أوسلو لم تكن إلا وسيلة لاستسلام فلسطيني وتنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، فالمعاهدة لم تتطرق حتى إلى الوعد بإقامة دولة مستقلة في نهاية الفترة الانتقالية، فكان «إدوارد يعتقد أن الاتفاقية عُقدت بين طرف قوي جداً وطرف ضعيف جداً، وقد انعكس عدم توازن القوى على بنود الاتفاقية». يلح شلايم على أنه تغاضى عن جميع سلبيات المعاهدة ومساوئها فاعتبرها خطوة في الطريق الصحيح. ويشير شلايم إلى أن اتفاق أوسلو، على الرغم من حدوده، فقد مثل له إنجازاً مهماً في ما يخص نزاعاً له من العمر مئة عام: «كنت أؤمن بأن اتفاق أوسلو سيؤدي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي ومنظم وغير قابل للتراجع من الأراضي المحتلة كافة، وأن دولة مستقلة سوف تقوم في نهاية المرحلة الانتقالية». ويستدرك شلايم فيراجع حساباته ليؤكد أن إدوارد سعيد الآن وبعد مرور ستة عشر عاماً كان محقاً في تحليله لطبيعة اتفاق أوسلو ومحدودياته، وعليه فالكتاب يحتوي أيضاً مقالات عن الذين خلفوا رابين وعن الدور الذي أدوه لتدمير الأسس التي بناها، والتي كان ياسر عرفات يدعوها بسلام الشجعان. ويضيف شلايم «أن إسحق رابين هو رئيس الوزراء الوحيد في تاريخ إسرائيل الذي كان يتمتع بالشجاعة والصدق والإصرار على المضي، جنباً إلى جنب، مع الفلسطينيين من أجل حل الصراع»، فيما يرى أن شارون رجل حرب وهو ممن حطموا أوسلو، «فشارون يجسد أكثر الاتجاهات الصهيونية عنفاً ووحشية ورجعية وعنصرية».

 

 

******


يقترح شلايم حلاً عادلاً وحيداً يتمثل في تقسيم فلسطين، أي حل الدولتين، فيرفض أن يتخلى عن الأمل لأن هناك دائماً مجالاً للتصرف بعقلانية. ويرى شلايم في نهج إيهود أولمرت الذي خلف شارون عودة إلى استخدام القوة العسكرية وتجنب الديبلوماسية، ففي شنه حرباً على غزة في 27 كانون الأول 2008 كان غرضه إخضاع أهلها.
من وعد بلفور إلى حكومة عموم فلسطين، ومن حسني الزعيم إلى أبو نضال (صبري البنا)، ومن القومية العربية إلى مؤتمر مدريد، ومن حيدر عبد الشافي إلى إدوارد سعيد هو كتاب إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم ومراجعة ودحض وتفنيد هنا ترجمة لكتاب شلايم Israel and Palestine: Reappraisals, Revisions and Refutations الصادر أصلاً بالإنكليزية مع أني أفضل أن تكون الترجمة « إسرائيل وفلسطين: إعادة نظر وتعديل ونقض»، أي ما يتلاءم مع مضمون الكتاب. أما ترجمة الكتاب على الجملة فكافية وافية وشاهدة على اتفاق الياغيين لمهنتهما. ولكن هناك سقطات لا بد من الإشارة إليها مثل:
جون (كيمشي) والصحيح جون كيمحي. (إيسايا بيرلين) هو آشعيا برلين. تعبير «الهجرة اليهودية غير المقننة» ترجمة غير دقيقة والصحيح: غير الشرعية. «الكنجرس الصهيوني» المؤتمر اليهودي. «الملك عبد الله ملك إمارة شرق الأردن» وصف يناقض الواقع. «جيش منظمة التحرير الفلسطيني» الصواب جيش التحرير الفلسطيني. «ألين دولس» هو آلان دالاس. أدولف (ايتشمان) هو أدولف آيخمان. (تشارلز ديجول) هو شارل ديغول. موشيه (شارتر) هو موشيه شاريت. «الفكر العربي في العصر الليبرالي 1798 ـ 1939» هو كتاب ألبرت حوراني الذائع الصيت والذي نقله إلى العربية كريم عزقول: الفكر العربي في عصر النهضة: 1798 ـ 1939. أما ترجمة قصيدة حاوي عن الإنكليزية فهي بائسة أولاً، وغير جائزة ثانياً. وكان عليه أن يعود إلى الأصل وترجمة عنوان كتاب هرتزل der judenstaar «الدولة اليهودية» والأصح «دولة اليهود». و«ممدوح عاقر» ليس إلا ممدوح العكر. و«كتلة عتصيون» هي غوش عتسيون.
كتاب آفي شلايم إسرائيل وفلسطين مادة تاريخية غنية وإن كانت تحتاج إلى غربلة في بعض نواحيها، فالمؤرخون الجدد على الرأس والعين ولكن لهم أيضاً مآربهم في الدفاع عن إسرائيل وإحقاق مطالب الفلسطينيين في آن.