| 

تعاني الفرق المسرحية الفلسطينية في مختلف المناطق، مشاكل جمة، على رأسها مشكلة التمويل، حيث الشح في الموازنات الحكومية التي ترصدا وزارة الثقافة الفلسطينية، أو لامبالاة القطاع الخاص، إضافة إلى قلة الإقبال الناجمة عن ظروف اقتصادية صعبة، وثقافة مسرحية فقيرة، وغيرها.. ما يجعل الأعمال المسرحية الناجحة محض مبادرات فردية، والحركة المسرحية الفلسطينية، إن وجدت، فإنها تحتضر بشكل أو بآخر.
 

لا تواصل بين الأجيال


ومن بين الإشكاليات التي يعاني منها المسرح الفلسطيني هذه الأيام، «قلة التواصل»، وفق المخرج المسرحي فتحي عبد الرحمن، الذي قال: التواصل بين الفرق المسرحية متقطع في الفترة الحالية بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية، فلا يوجد رسوخ قوي للجيل المسرحي الجديد، الذي لا يستمد التجربة من الجيل المسرحي السابق. في الدول الأخرى، يصبح المسرحيون والفرق المسرحية مدارس للأجيال التي تليها. المشكلة لدينا في فلسطين أن كل جيل يريد أن يبدأ من جديد ويؤسس للمسرح كما يرى، وهذا لربما بسبب عدم وجود دولة ومؤسسات دولة قوية معنية، فلا يزال المسرح يقوم بجهود أفراد أكثر ما يقوم بجهود مؤسسات، وهذه هي العقبة الأساسية أمام تطور المسرح الفلسطيني، لأنه منذ نشأ وهو يقوم على جهود أفراد. وإذا توقف الفرد في هذه الفرقة أو تلك توقت التجربة بالكامل.

 

 

وزارة الثقافة


أما عن وزارة الثقافة ودورها في دعم المسرح، فقال عبد الرحمن: منذ نشأتها لم تهتم وزارة الثقافة بالمسرح بشكل خاص، وبالثقافة والفنون بشكل عام، بل إن اهتمام السلطة الفلسطينية بالوزارة لا يذكر، وأكبر دليل على ذلك أن موازنة وزارة الثقافة الفلسطينية لا تزيد عما نسبته 3 بالألف في مقابل وزارات وأجهزة أمنية لها نصيب الأسد من موازنة السلطة. وتابع: عدم الاهتمام من وزارة الثقافة لم يوفر البنية التحتية للمسرح، وأقصد بذلك أنه لا يوجد مسارح وقاعات تتيح للفرق المسرحية التدريب وأن تلتقط المواهب. افقتارنا إلى قاعات يحد من العرض في المدن المختلفة، كما أن عدم وجود بنية تحتية خلق العديد من الصعوبات في إنتاج أعمال مسرحية وحد من فرصة أن يكون هناك مسرحيون جدد. كما لا توجد في فلسطين معاهد مسرحية مثل مصر وسورية والعراق، وليس في جامعاتنا تخصص له علاقة بالمسرح، وأقسام الفنون لا تدرس المسرح أصلا الذي لم يجد أي اهتمام من السلطة الفلسطينية. وشدد عبد الرحمن على أن «ما تقدمه وزارة الثقافة للحركة المسرحية، سواء على مستوى الإنتاج، أو دعم العروض، أو دعم المبدعين، محدود جدا. عندما كنت أعمل في وزارة الثقافة كانت أعمال كثيرة تقدم لوزارة الثقافة بهدف دعمها، وكانت في بعض السنوات تفوق 400 عمل يتم قبول قرابة الثلاثين منها فقط، وهنا تظهر هوة كبيرة. واكتفت الوزارة بدعم المسرحيين من خلال ترشيحهم لبعض العروض في بعض الدول.

 

 

 

 

تمويل أجنبي


يرى عبد الرحمن، أنه «نظرا لانحسار دور وزارة الثقافة في دعم المسرح إلى أدنى حدوده، بات المسرح الفلسطيني مرهوناً للتمويل الأجنبي، فبقاء كل فرقة أو مؤسسة مسرحية مرهون بقوة علاقاتها بالجهة أو الجهات المانحة، وبالتالي أصبحت بعض الفرق تطلب مبالغ هائلة مقابل عمل معين وكأنها تتوقع عدم الدعم في المرات القادمة، فالعمل الذي يحتاج إلى أقل من 10 آلاف دولار يطلب تمويل له قد يصل إلى 200 ألف دولار على سبيل المثال! وهكذا ارتهن المسرح للتمويل الأجنبي ولفكرة الفرصة التي يستغلها المسرحي إذا ما أتيح له الدعم».
وفي ذات الإطار، قال عبد الرحمن: شروط الجهات المانحة وقيودها حوّلت المسرح الفلسطيني من مسرح ابداعي ووطني يعبر عن هموم البلد في كل الاتجاهات إلى مسرح يتواءم مع أجندة الجهات المانحة، وبالتالي أصبحت الأعمال المسرحية لا تشكل أولوية للشعب الفلسطيني لكنها تتماشى مع أجندات المانحين، والتي في مجملها تركز على قضايا إنسانية كالمرأة والاغتصاب وغيرها، وابتعدت الأعمال المسرحية عن الهم السياسي.
وختم عبد الرحمن حديثه بالقول: ليست فقط مشكلة وزارة الثقافة التي تواجه المسرح، وإنما غياب الكتاب والنصوص في المسرح، فلا نصوص مسرحية لدينا غير بعض نصوص غسان كنفاني ومعين بسيسو ونص لإيميل حبيبي، وجزء منها لم يتم تناوله في المسرح لأنها غير مبنية دراميا ومسرحيا، فهم في الأساس كتاب يكتبون الرواية ولم يخرجوا من رحم المسرح ليكتبوه، علاوة على غياب الابداعات الفردية وغياب الحركة النقدية، وعليه لا يعرف المسرحي أين أصاب وأين أخطأ في ظل غياب الحركة النقدية.

 

 

 

 

تحديات كبيرة وعميقة


يقول الفنان والمخرج المسرحي كامل الباشا: يواجه المسرح الفلسطيني تحديات كبيرة وعميقة تنبع من اشكالية فهم المجتمع الفلسطيني بكافة مركباته لطبيعة هدف ودور المسرح في المجتمع، كما تساهم الثقافة الاستهلاكية للفنون على تنوعها بزيادة تلك الاشكالات تعميقا، فنحن ننتمي لمجتمع راديكالي بتوجهاته على اختلافها، فلا وسطية في الفكر أو الممارسة. كلنا منتمون بشكل أو بآخر وكل منّا يتعصّب لانتمائه.
وأضاف الباشا: فن المسرح حديث النشأة في المجتمع الفلسطيني خصوصا، وفي المجتمع العربي عموما، بمعنى أنه يخطو خطواته الأولى وهو بحاجة للرعاية والاهتمام في مجتمع ينهكه الاحتلال والانقسام والفساد والتفكك التنظيمي والعشائرية وعشوائية النظام السياسي المضطرب، والضغوطات العربية والدولية لإجبار الشعب الفلسطيني على القبول بأي حل سياسي، مرة بالترغيب عن طريق ضخ المساعدات، ومرة أخرى بالترهيب عن طريق وقفها. ولكن، إذا قسنا مجمل ونوعية الإنتاج في المسرح الفلسطيني وسط كل ما سبق، فإننا سنجد أنه في وضع أفضل بكثير مما يمكن أن نتخيّل، ولا أعتقد أنه في تراجع بل على العكس تماما هو في تقدم مستمر وانجازات مؤسساتنا المسرحية على أرض الواقع في الأعوام المنصرمة تثبت ذلك للمتتبعين، كما أن مشاركاتنا في المهرجانات العربية والدولية تؤكد هذه الحقيقة، وكذلك جولاتنا الفنية في الوطن وفي الخارج. نقترب الآن من جمهورنا أكثر ونركّز على مشاكلنا الداخلية ببعدها المحلي والإنساني ونحتاج لجود الجميع للمزيد من الإنجاز.

 

 

 

 

دعم الثقافة نوع من النضال


في المقابل، قالت الفنانة والمخرجة إيمان عون، مديرة مسرح «عشتار»: هناك مجموعة من التحديات المختلفة التي تعيق التطور الطبيعي للمسرح الفلسطينية، فالإرادة السياسية المحلية غير مكترثة بهكذا تطوير، حيث لا يوجد التفات حقيقي داعم للثقافة ممثلا بوزارة الثقافة الفلسطينية في تبني الحركة الثقافية بشكل عام، والمسرحية بشكل خاص. الدعم يكون «حسب الوزير».. في كل سنة يكون الدعم معنوياً أكثر منه ماديا، فصندوق دعم الثقافة الذي يغذيه النرويجيون عادة ما تكون حصة المسرح منه منحة قليلة، وهي تتبع رغبات وقرارات اللجنة المسؤولة، وتوجهاتها، وما إذا كانت منحازة إلى هذا النوع من الفنون أم غيره. وأضافت عون: تحتاج الوزارة إلى حث كبير للالتفات للمسرح. وللأسف أحيانا تكون «عاملاً مخرباً» وليس عاملاً مشجعاً، وأكبر مثال على ذلك عمل المسارح والفرق المسرحية المختلفة في مدارس وزارة التربية والتعليم، أي المدارس الحكومية، حيث أفشلته وزارة الثقافة. وتابعت: يجب أن يكون دور وزير الثقافة أكبر في زيادة حصة دعم الثقافة من موازنة الحكومة، حيث إن حصة الأجهزة الأمنية قاربت في بعض الفترات 40% من الموازنة، والوزارات الأخرى مثل التربية والصحة وغيرهما حصصها أكبر بكثير من وزارة الثقافة. أين دور وزير الثقافة والوزارة في زيادة النسبة؟ يجب أن ينظر إلى دعم الثقافة على أنه نوع من النضال والمجابهة، فغياب الثقافة يؤدي إلى تدمير المجتمع فكريا ونفسيا.
مع ذلك، شددت عون على أن «المسرح الفلسطيني في مرحلة ازدهار، ولا تراجع في الحركة المسرحية من حيث الإنتاجات المسرحية. وباتت لدينا أكاديمية مسرح في رام الله، ومدرسة مسرح في جنين، وهناك طلاب وطالبات، ولدينا برامج تدريب في عدد من المسارح مثل «عشتار» و«الحارة» و«نعم»، فهي مستمرة ومنتشرة، كما توجد لدينا برامج لتدريب المعلمين وبأعداد كبيرة، لكن هذه الحركة غير معروفة لأن الإعلام مقصر.. ولا تستطيع كل المؤسسات توظيف إعلامي لديها بشكل دائم.
«أما الاحتلال، فهو الغلاف للكثير من المشاكل، فنحن في فلسطين مدن مقطعة عن بعضها البعض»، وفق عون، التي أضافت: لا نستطيع دخول القدس والعرض فيها كما أننا لا نستطيع الوصول إلى داخل الخط الأخضر، وكذلك غزة، وبالتالي تنحصر عروضنا في مدن وقرى ومخيمات الضفة، وغالباً جمهورنا لا يستطيع التنقل بين المدن، بسبب الكلفة العالية.

 

 

 

 

في غزة


وحول واقع المسرح في غزة هذه الأيام، قال المخرج المسرحي حازم أبو حميد: في فلسطين عموماً، وفي غزة على وجه الخصوص، لا أشعر بأن المسرح يشغل الحيز الذي يستحق، أو يقوم بدوره الحقيقي كحال العديد من البلدان المحيطة، وهذا ربما نابع من عدم الاستقرار الذي نعيشه في ظل الاحتلال والانقسام الفلسطيني الداخلي. لا يمكننا القول إن لدينا في فلسطين، وخاصة في غزة، حركة مسرحية منتظمة، وما ينتج في القطاع ليس سوى مشاريع مدعومة يكون الفن جزءاً منها، وليس عاملا أساسيا، فلا حركة فنية واضحة في غزة. وكيف أبو حميد الذي يقدم المسرح عبر مؤسسة «إبحار»، أن «آخر مسرحية كانت بالتعاون مع إحدى المؤسسات النسوية، حول حقوق النساء في الميراث، وهذا يعكس أن المسرح بات عنصراً مساعداً في مشاريع ممولة في غزة، وليس عنصراً أساسياً يتلقى الدعم، فبات المسرح وسيلة من وسائل التوعية في غزة خلال السنوات الأخيرة».
وحول معيقات المسرح في قطاع غزة، أجاب أبو حميد: لكي يعتاد الناس على المسرح علينا تكثيف حضوره، بمعنى أن ثقافة المسرح في غزة غير منتشرة، ولهذا عدة أسباب من بينها: الوضع غير المستقر في قطاع غزة، وغياب قاعات العرض المسرحي المجهزة، إضافة إلى إشكاليات في انضمام العنصر النسائي للمسرح في القطاع، وهي إشكالية كبيرة للغاية من باب ثقافة العيب وثقافة الحرام، تضاف إلى إشكاليات يعاني منها المسرح الفلسطيني عموماً كأزمة كتاب نصوص المسرح، وأزمة النقاد، واصفاً القطاع الخاص الفلسطيني بـ«الجبان» في الاستثمار في المسرح والأعمال الفنية بالمجمل، وكذلك الجهات الحكومية ذات الصلة.
وتابع: من أكبر المشكلات أيضا، عدم الإقبال على العروض المسرحية، وهذا في غزة ناتح عن الوضع الاقتصادي الصعب، وحالة عدم الثقة في المنتج المسرحي الفلسطيني، فبعض المسرحيات التي استغرق إنتاجها عدة أشهر، قدمت لعرض واحد أو اثنين، وهذا جعل الكثير من الفنانيين والفرق المسرحية يبحثون عن أعمال أخرى تدر عليهم دخلاً يجعلهم قادرين على إطعام أسرهم.

 

 

 

 

الوزارة تحاول


عن دور وزارة الثقافة في دعم المسرح، قال الفنان وليد عبد السلام، المدير العام في الوزارة، ومدير دائرة المسرح فيها سابقا: وزارة الثقافة معنية بدعم كافة أشكال الثقافة في فلسطين، وموازنة الوزارة مقسمة بين قطاعات الثقافة، ومن ضمنها المسرح. طموحنا توفير قاعات ومراكز ثقافية مثل قصر رام الله الثقافي لإقامة عروض فيها. وفي العام الماضي قدمنا دعما قيمته 160 ألف دولار قسمت بين خمس أو ست فرق مسرحية، وأنتجت أعمالا مسرحية، كما قدمنا دعما لبعض العروض التي تجولت في عدة مدن. نقر بأن الدعم غير كاف، لكن نحاول توفير عروض للفرق في دول متعددة، حيث تقام المهرجانات، فنرشح فرقاً للعرض فيها. وأضاف عبد السلام: مسرح القصبة في رام الله، على سبيل المثال، حظي بدعم من الوزارة، وكذلك مدرسة الدراما، والمسرح الوطني الفلسطيني.. نعم هناك تقصير في الدعم وهو ليس بالقدر المطلوب، لكننا نعمل ما بوسعنا في ضوء الامكانات المتوفرة لدينا. وضع المسرح الفلسطيني بشكل عام صعب، بل وصعب للغاية، فالإنتاج المسرحي قليل، وكلفة العمل الجيد كبيرة، مع العلم أن عدد عروضها قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وتابع: الفرق التي كانت تعتمد على التمويل الخارجي هي الآن في أزمة، وهذا ما لمسناه من لجوئها إلى الوزارة مؤخراً. نحن نقدم ما نستطيع، وعلى رابطة المسرحيين عبء لا بد من أن تتحمله، خاصة في مجالي التدريب، وتوفير الفرص. وقد ارتفعت موازنة وزارة الثقافة مؤخراً من 3 إلى 7 بالألف، ونأمل أن ترفع أكثر من ذلك. لدينا جهات أخرى للدعم كصندوق الثقافة الفلسطيني، وصندوق الاستثمار الذي يقدم 100 ألف دولار، ونطمح لمشاركة القطاع الخاص، لعلنا نتمكن من تخصيص موازنة لدعم المسرح.

* صحافية فلسطينية مقيمة في رام الله