| 

يصف فنانون مسرحيون حالة المسرح في قطاع غزة بالقول إنه «ما زال يتنفس»، أي أنه بالكاد يستطيع البقاء في قيد الحياة في ظل ظروف الحصار والانقسام واهتمام الناس بهمومهم اليومية، فضلا عن شح الإمكانات المتاحة للإنتاج المسرحي والرقابة الممارسة على ما يقدمه المسرحيون. وقال المخرج المسرحي مصطفى النبيه: العمل المسرحي في غزة تطور على صعيد الأداء، وتراجع على صعيد العمل، بل أصبح شبه معدوم، مرجعاً ذلك إلى الوضع الاقتصادي المتردي الذي ألقى بظلاله على الحياة العامة واهتمام الناس بالبحث عن رغيف الخبز بدلاً من الاهتمام بالمسرح.
أضاف مصطفى النبيه في حديث لملحق «فلسطين»: رغم ما يحدق بنا من مخاطر وما يواجهنا من تحديات كبيرة، وما يقف أمامنا من معيقات، ما زال هناك بريق من الأمل يحلق فوق المسرح يؤكد أننا قادرون على التنفس، غزة تكحل عينيها بالفرح، تمارس قراءة ملامحها، تصرخ بالوجوه العابسة وتعلن أنها كائن سرمدي لن يموت، فيا أيتها الحياة لا تفقدي بهجتكِ، لن يبقى في أحضانك مهزوم فتمردي على أنصاف المثقفين، تمردي على أصوات احترفت النوم في الخزان. وبيَّن أن «هناك جمهورا من الشباب يهتمون ولديهم التلقائية بالعمل المسرحي والتمثيل، ويعرفون لغة الجسد، فمنهم من درس الفن المسرحي بالجامعات، ومنهم من وجد في نفسه أنه يجيد هذا النوع من الفن، ولكن هؤلاء الشباب هم حالات فردية وقفزات لأشخاص لا يمكن أن تسمى حالة مسرحية، فالمسرح الموجود اليوم هو عبارة عن مسرح مدارس مدعوم، وليس مسرحا من أجل الفن والإبداع، بالرغم من أن حالتنا الفلسطينية الثورية تتطلب منا الاهتمام بالمسرح، فهناك من قال: أعطني مسرحا أعطيك ثورة».
 

غياب اتحاد الفنانين


يشير المخرج المسرحي ناهض حنونة إلى مشكلات أخرى تتعلق بتراجع دور الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين، ويقول: كلنا يعلم أن الاتحاد غائب منذ ما قبل «أوسلو»، ولا داعي للخوض في تاريخه وشرذماته، فنحن الآن في مرحلة شديدة الحرج على المستوى السياسي، وهناك الاحتلال وقضية الأسرى والانقسام و.. و..، وقضية الإصلاح الوطني قضية ملحة جداً، ومطلب لكل وطني غيور على وطنه، فأهلاً بإصلاح المؤسسات الوطنية، ونخص بالذكر الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين، متأخراً، نعم، فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي».
وأضاف حنونة: لو تحدثنا قليلاً عن الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين بصفته بيت كل الفنانين والجامع لهم، نجد أنه يجري الآن في غزة تنسيب لفنانين من قبل زملاء لهم وآخرين لم يُسمع عنهم من قبل على الساحة الفنية، ونحن على الساحة منذ العام 1991 ونواكب جميع الأحداث الفنية في قطاع غزة تحديداً، حيث أدير مؤسسة ثقافية فنية اسمها جمعية «بسمة للثقافة والفنون» تكاد تكون الوحيدة في قطاع غزة التي تعمل وتنتج في مجال المسرح وبشكل متواصل لمختلف فئات الجمهور. وتابع: في خضم ذلك يمكن القول إن هناك معيقات كبيرة تقف حائلاً أمام تقدم العمل المسرحي في غزة، وهذا ربما يثير في ذهني مجموعة من التساؤلات الاستنكارية عن الاتحاد، مثل متى تقرر تجديد إدارته وأمانته العامة؟ ومتى وأين تمت الاجتماعات؟ ومتى وكيف تمت تسمية لجانه خاصة، لاسيما تلك التي سميت باللجنة التحضيرية العليا؟ ومن هم هؤلاء أعضاء اللجنة في عالم الفن مع الاحترام الشديد لهم كأشخاص؟ فوجود خلافات شخصية بين زملاء العمل لا يبرر تهميش البعض وإظهار البعض على حساب الكفاءة والمهنية؟ والاختيار يتم بناءً على من أحب ومن أكرة بغض النظر عن القدرة والكفاءة والتاريخ الفني.
وقال: نحن نعرف أن أي إصلاح لن تقوم له قائمة إلا إذا ارتكز على معايير المهنية والنزاهة والشفافية والمساءلة، فأين هذا مما يحدث في غزة بخصوص اتحادنا، فهل هكذا تبنى المؤسسات؟ وهل هذا مدعاة للأمل والتفاؤل للإصلاح؟ ناهيك عما قامت به بعض الأحزاب والفصائل التي رشحت أسماء من غير الأكفاء، متناسين أن هؤلاء الأشخاص يفترض أن يخططوا للنهوض بالوطن والفن والفنانين.

 

 

فيلم سينما


في استعراضه للقضايا التي يحاول المسرح تناولها في قطاع غزة، تطرق النبيه إلى مسرحية «فيلم سينما» التي تُعرض حالياً في غزة كمثال، قائلاً: إنها مسرحية مكتملة العناصر أبدع في إخراجها الفنان حسين الأسمر، وذلك من حيث تناولها قصة خريج سينما اسمه (حسام عبد اللطيف) والذي جسده الفنان علي أبو ياسين، حلم أن ينفذ مشروعه في غزة بعد أن أنهى تعليمه في أوكرانيا وعاد إلى أرض الوطن حالماً بأن يطبق ما تعلمه، وبسبب الحالة التجهيلية التي يمر بها القطاع والتي أدت إلى طمس معالم السينما، قرر أن يعمل في المجال الإخباري كمصدر دخل يعتاش منه. وأضاف: تزوج هذا الشاب من «سعاد» التي جسدت دورها الفنانة إيناس السقا بعد قصة حب.. و«سعاد» فتاة فلسطينية تسكن في الأردن، تهجرت من وطنها هي وعائلتها، وشكل زواجها حلم العودة لها، ورائحة الوطن، وعندما عادت إلى غزة بأحلامها الوردية، اكتشفت غربة من نوع آخر، قتلتها الرتابة، الوحدة، الخوف من المجهول. الناس هنا يعيشون حالة موت مؤجل، لا أهل ولا أصدقاء يؤنسون وحدتها باستثناء زوجة «حامد» (جسد دوره الفنان أكرم عبيد) صديق زوجها، والتي كانت تزورها أحيانا.
«حسام» يحلم بفيلم سينمائي، فيستقيل من العمل الإخباري ليتفرغ لتنفيذ مشروعه غير مبالٍ بأسرته واحتياجاتها الاقتصادية والنفسية، ويستعير كاميرا «حامد» الشخصية ليحقق حلمه. وفي اللحظات الأولى التي يقف فيها أمام الكاميرا ليعلن أنه (حسام عبد اللطيف) وأنه يحب أن يخرج فيلماً سينمائياً، يتعرض للمنغصات الاجتماعية والأسرية التي تحد من تنفيذ حلمه، يحاول ويحاول إلى أن تأتي اللحظة المأساوية وتتعرض غزة لحرب إبادة جماعية من قبل الاحتلال، يخرج الإعلاميون لتوثيق الوجع الفلسطيني تحت نيران الحرب، ويبقى «حسام» محايداً يتابع الأخبار من خلال الراديو، الشباك، الباب، ويترك الكاميرا بحالة موت سريري، إلى أن يأتي صديقه «حامد» الانتهازي المادي- من وجهة نظره - قلقاً مشغولاً بما يحدث من مجازر.. «حامد» محطة أخبار متنقلة يتابع الأحداث والتوغل على أكثر من جوال، يستعيد كاميرته ليبعث بها الحياة وينطلق إلى أرض المعركة ليوثق الحقائق.
«حسام» يعيش وزوجته معاناة الحرب.. لا كهرباء، لا غاز للطهي، حتى «البابور» لا يعمل، يدبُّ شجارٌ بينه وبين زوجته تتهمه بالخمول وبأنه غير قادر على خدمة نفسه ومجتمعه، يتواصل الشجار ويشتد وطيس الحرب إلى أن تأتي لحظة الانسحاب، وبعد الانسحاب يعود «حامد» بالكاميرا ويخبرهم عن الويلات والعذابات التي حدثت أثناء الحرب، وأن هناك العديد من الزملاء الإعلاميين الذين سقطوا شهداء، يفرح «حسام» بعودة الكاميرا ويعود لفكرة إخراج «فيلم سينما»، أما «سعاد» فيضيق بها الحال وينمو شعورها بالنقص والحرمان، فهي تحلم بأن تنجب طفلة وتسميها يافا». لكن زوجها لا يبالي بعملية الإنجاب، فيراودها شعور بأنه يخفي سرا ما، تحاصره وتحاصره بالأسئلة فيصدمها بالحقيقة ويخبرها أنها لن تنجب بسبب تشوه في الرحم. تنهار وتستسلم للواقع ويتحدثان عن أحلامهما وأحلام شعبهما.
وقال النبيه: هذا ملخصٌ عن إحدى التجارب الإبداعية التي ساهم ببنائها مجموعة من الفنانين المحترفين، فالبناء الجيد يحمل دائما خطاً قوياً للفعل الدرامي، حيث إنه يذهب لمكان ما، يتحرك للأمام، يحمل كل شيء.. الفعل، الشخصية، الحبكة، الأحداث، الوقائع وتطورها.

 

 

 

 

المسرح والانقسام والرقابة


الفنان المسرحي سامي ستوم اختصر المشهد العام عن العمل المسرحي في قطاع غزة بكلمات لها دلالات واضحة بالقول: إن العمل المسرحي ضعيف جداً ومقيد، وذلك نتيجة لعدة عوامل من أهمها الحصار وخلاف الحكومات منذ بدء الانقسام، مما أثر على المسرحيين كباقي شرائح المجتمع، بل زادت عليهم الضغوطات من ناحية أنه مطلوب منهم عند عرض كل عمل مسرحي الحصول على أذونات مسبقة من وزارة الداخلية أو المباحث العامة رغم انه ليس لهما علاقة بالثقافة أو بالمسرح لا من قريب أو من بعيد، في حين أن وزارتي الثقافة والإعلام اللتين ربما يكون ذلك- تجاوزاً- من اختصاصهما، لا تقومان بالدور المنوط بهما في هذا الجانب. وأضاف ستوم: الكل يحاول أن يزج بالعمل المسرحي في الفوضى القائمة، والكثير من المسرحيين لديهم أعمال مسرحية ولكنهم خائفون من عرضها، ما جعل العمل المسرحي في قطاع غزة يسير بشكل بطيء جداً وليس كما كان قبل نحو 5 سنوات، حيث لم يكن الضغط التي تمارسه حكومة «حماس» في البداية على الفنانين ودور المسرح كما هو الآن، ناهيك عن أن العمل المسرحي أصبح عبارة عن مشاريع تنفذ بتمويل أجنبي مشروط، أي أنه يجب عدم التطرق للمقاومة أو الثوابت الفلسطينية، وبخاصة حق العودة وطرد اللاجئين وغير ذلك من قضايا حساسة ومصيرية، بل يجب الحديث عن قضايا المرأة من حيث العنف الذي يمارس ضدها، والميراث، وأيضاً قضايا الطفل، وهي قضايا مهمة ولكنها تطرح على حساب القضايا الوطنية. وأشار إلى أن «المسرح يعتبر نوعا من أنواع المقاومة الشعبية التي تُغير وتتغير في ضوء الوضع العام، وهو يعمل على تشكيل الرأي العام مثله مثل الجامعة أو المسجد أو ما شابه ذلك، ولكنه في ظل الظروف القائمة أصبح مقيداً ويعاني من تضييق على كافة المستويات سواء تضييق من حيث التدخل في النص والتوقيت، أو تضييق من حيث عدم وجود فرص تمويل. لكن على الرغم من كل هذا وذاك، فهناك محاولات حثيثة من بعض الزملاء وإن كانت خجولة للنهوض بالفن المسرحي. وتابع: من المعيقات التي يواجهها العمل المسرحي عدم وجود قاعات أو دور للعرض مجهزة بكافة التقنيات اللازمة للخروج بمسرح متكامل من كافة الجوانب، إذ توجد ثلاث قاعات فقط هي قاعة سعيد المسحال للثقافة والفنون، وقاعة مركز رشاد الشوا الثقافي، وقاعة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وجميعها أقرب لقاعة مؤتمرات منها إلى قاعة مسرح، وتنقصها التقنيات اللازمة من إضاءة وصوت. ولفت ستوم إلى أن المسرحيين في السابق كانوا أكثر جرأة في طرح القضايا الحساسة على خشبة المسرح، مثل طرح قضية الانقسام في مسرحية «دار الجنون» التي عرضت قبل ثلاث سنوات في مركز رشاد الشوا، وأخرجها الفنان المسرحي علي أبو ياسين، ومثل دور البطولة فيها الفنان زهير البلبيسي، حيث كانت الوحيدة التي طرحت قضية الانقسام بكل جرأة ووصفها النقاد بالجريئة.

 

 

 

 

المرأة والمسرح


يقول سامي ستوم: أما على صعيد المرأة، فمعظم الأعمال المسرحية التي تعالج اليوم قضايا المرأة والطفل هي عبارة عن مشاريع ممولة من قبل المؤسسات الأهلية. فالآن هناك مسرحية «كواليس قلب كريستين» المأخوذة عن مسرحية «الحداد يليق بقلب كريستين» وتتحدث عن سلبيات الفراغ العاطفي عند المرأة عندما يتركها الرجل، وما يتسبب لها ذلك من مشاكل نفسية وعدم قبول المجتمع لميولها العاطفية الأخرى والمحافظة على شرف العائلة، حيث ستعرض هذه المسرحية خلال الشهر الجاري في بعض جامعات قطاع غزة. وفيما يتعلق بعمل المرأة في التمثيل المسرحي، قال ستوم: إن نظرة المجتمع للعاملات في المسرح هي نظرة دونية نقدية، إذ أنه بسبب العادات والتقاليد التي تقيد حريتهن، فإن القليل منهن يرغبن في الوقوف على خشبة المسرح لأداء دور معين حتى وإن كان دوراً ملتزماً، ويكون لها شروط عدة ومعقدة تقيد أحياناً العمل المسرحي من حيث مواعيد العمل والبروفات وعرض المسرحيات والوقوف على خشبة المسرح والتمثيل وحركة الجسد والضحك والبكاء وأشياء مشابهة كثيرة، موضحاً أن «شح العنصر النسائي يلزمنا أحياناً بقبول أي عنصر نسائي يقبل بالوقوف على خشبة المسرح حتى لو كان هذا العنصر قليل الخبرة أو الشكل الخارجي لا يتلائم والدور الذي سيؤديه أو ما إلى ذلك.

* صحافي فلسطيني مقيم في غزة.