| 

محظوظة أنا جداً، لأني لم أضطر يوماً إلى خوض أي معركة، لا أسريّة ولا اجتماعية، للدفاع عن خياري بأن أكون ممثلة على خشبة الحياة (خشبة المسرح) أولاً، وممثلة أمام الكاميرا ثانياً. ومحظوظة أكثر لأن عائلتي الصغيرة، ثم عائلتي الكبيرة، كانتا من أكثر الداعمين لخياري. أتألم نعم وأنا أسمع قصص من سبقوني ومن لحقوني من النساء اللواتي عانين وما زلن اجتماعياً لأنهن اخترن ما اخترت.
فكيف لمجتمع يرفض أن تكون المرأة ممثلة، ولا يرفض أن يكون الرجل ممثلا؟! كيف لهذا المجتمع أن يناضل من أجل حريته أولاً، وحرية بلاده ثانياً، وهو رافض لأبسط حقوق الإنسان باختيار طريقته في الحياة والتعبير عن قضايا مجتمعه في فضاء المسرح كفن جماهيري وجمعي؟ أسئلة تؤرقني دائماً. لهذا بدأت مقالي بأني محظوظة فعلاً.
 

البدايات


عندما كنت طفلة، كلما سألني أحدهم: «شو بدك تطلعي لما تكبري»؟ كنت أجيب على الفور: مضيفة طيران. ربما تأثراً بالأفلام والمسلسلات، أو رغبة دفينة بأن أعيش بين السماء والأرض كطائر حرّ.
لكن مع أول رحلة طيران لي في عمر الخامسة عشرة، استبعدت كلياً فكرة أن أكون مضيفة، ربما لأني اكتشفت أن هذه المهنة يتخللها الكثير من المخاطر، وأن الحياة بين السماء والأرض ليست ببساطة المشاهد التي كنت أراها في الأفلام، أو ربما لأني أدركت من موقع تحليق الطائرة أن ما أحلم به ينبغي أن يتحقق هناك على الأرض.
في أثناء الدراسة في بلاد المهجر، أصبح توجهي لدراسة الترجمة الخيار الرئيسي. وكحال الطلبة في بلاد الغربة، كان يجمعنا اتحاد للطلبة من بين أهدافه تشكيل فرقة فنون شعبية، بهدف المحافظة على التراث الفلسطيني، والتصدي لمحاولات الاحتلال طمس معالم الهوية الوطنية الجمعية. كنا كُثر، والإيمان بفلسطين كان الحافز الأساسي لتشجيع كل عضو في الفرقة على إبراز أجمل ما في تراثنا. من هنا انطلقت وبرزت كراقصة فنون متميزة.
بعد سنوات الدراسة، كان لا بدّ من العودة، ولظروف خاصة لم أتمكن من الوصول إلى لبنان، فكانت المحطة الأقرب لإقامتي هي مخيم اليرموك في سوريا، بعد عام على اجتياح القوات الإسرائيلية للبنان صيف العام 1982.

 

 

المزج بين الرقص والمسرح


في مخيم اليرموك بالتحديد، بدأنا العمل على إعادة تأسيس فرقة الأرض للفنون الشعبية، التي كانت تأسست في لبنان أولاً، وكغيرها من المؤسسات الفنية والفرق المسرحية الفلسطينية ما عاد لها أي نشاط بعد اجتياح العام 1982، وكنت واحدة من ضمن فريق عكف على إعادة إحياء نشاط الفرقة في سوريا، بل والتفرغ الكامل للعمل فيها.
تركز نشاط الفرقة بشكل أساسي على تقديم رقصات شعبية فلسطينية، ترافقها فرقة غناء تعتمد على مخزون التراث، وعلى الأغاني الثورية الحماسية. وكان يقوم على التدريب فيها نخبة من الشباب ذوي الخبرة في مجالي الغناء والرقص، وعازف أرغول من مخيم خان الشيخ كان قد تجاوز الستين عاماً، ولكنه كان أكثر الناشطين بيننا في إظهار مهاراته الفائقة في العزف. كان العازف الستيني «أبو حسن» بالنسبة إلينا التاريخ الذي من خلاله كنا نرى لحظات الهجرة من فلسطين العام 1948. كما كان لانضمام الفنان السوري سميح شقير أثر كبير في الفرقة وفي تطوير أداء فنانيها، وكانت كل أغنية له تترك أثراً كبيراً في أوساط الجمهور.
بعد فترة قصيرة على تأسيس الفرقة وتقديم مجموعة من العروض في عدد من المدن السورية والمخيمات الفلسطينية، انضم إلى الفرقة المخرج فتحي عبد الرحمن للعمل فيها تطوعاً، وكان يحمل في جعبته كثيراً من النصوص المسرحية، وبرامج تدريبات الأداء لأعضاء الفرقة، ليفتح الباب أمام تجربة جديدة في المزج بين الرقص والمسرح، أو مسرحة فنون الرقص.

 

 

 

 

صبرا وشاتيلا


لأن مجزرة صبرا وشاتيلا كانت حاضرة بقوة، قرر الفنان فتحي عبد الرحمن العمل على إخراج مسرحية باسم «صبرا وشاتيلا». وهي مسرحية صامتة تعتمد على الرقص والموسيقى لتجسيد صور المجزرة وتأريخها. وقد شارك في تقديم المسرحية جميع أعضاء الفرقة، وفيها جسدّت ما لا يقل عن سبعة أدوار. لم أكن أمثل على الخشبة، كنت أجسد واقعاً شاهدته بكل تفصيلاته التي رأيتها في وجوه شهداء المجزرة وعيونهم، من الطفلة حتى العجوز. كيف لا وأنا الشاهدة على أفظع المجازر بحق البشرية من تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا.
استغرق إنتاج هذا العمل المسرحي عدة أشهر من التدريبات، كنا قبل ذلك راقصين فحسب، وهذا ما تطلب من المخرج في البداية العمل على إعداد ممثل قبل البدء بالبروفات المسرحية، فقد كان مطلوبا من كل مشارك في العمل التعبير عن أقصى مشاعر الخوف والألم بجسده لتجسيد مشاهد لم يعشها في حياته. وفي أثناء التدريبات كنت أسترجع كل لحظة عاشها أهل المخيم من لحظات الرعب في أثناء ارتكاب المجزرة، كنت أراها بعيونهم، كما كنت أسترجع ذكريات الوجع والخوف والألم في أثناء ارتكاب مجزرة مخيم تل الزعتر. بالنسبة إلي تشابهت المجازر في المخيمات ولو تعددت الأماكن.
قبل المشاركة في هذا العمل، كنا نقدم أعمالنا كراقصين في فرقة فنون شعبية بفرح جسدي يضيف للرقصة كثيراً من الجمال، وفي أثناء هذا العمل الجديد من الرقص المسرحي أصبحنا نقدم لوحات الرقص الشعبي والتعبيري بكل أنّات الجسد، وكان الاكتشاف الأهم: كيف يمكن لنا أن نرقص ونحن نُذبح؟! كانت هذه التجربة المسرحية غنية جداً، وبأسلوب فني ونضالي جديد. عرضناها عشرات المرات في داخل سوريا، كما شاركنا بعرضها في عدد من المهرجانات في الخارج. وكانت ردات الفعل وتأثير رسالة العرض في كل من شاهده الحافز القوي لتقديم المزيد من العروض، ولا أبالغ عندما أقول إن العرض كان يحدث في كل مرة ما يشبه الهزة في أوساط الجمهور المتلقي، فلسطينيا أكان أم عربيا. مسرحية «صبرا وشاتيلا» كانت الخطوة الأولى للتفكير بشكل جدّي في اختيار التركيز في طريقي الفني والنضالي على خشبة المسرح التي أسميها خشبة الحياة، وهذا ما كان.
مسرحية ثانية رسخت قناعتي أكثر باختياري، هي مسرحية «ليالي الحصاد»، من إخراج فتحي عبد الرحمن أيضا. وهي تجربة مسرحية شاركت فيها إلى جانب ممثل واحد فقط. وقد حاكت ولامست وجع حبيبات وزوجات معتقلي سجن «أنصار» في جنوب لبنان، وطرحت فكرة الثمن الغالي الذي عليك أن تدفعه لأنك فلسطيني لاجئ تنتمي إلى فلسطين حتى النخاع؛ يعني ذلك أن تُعتقل، وأن تُحرم من أن تعيش جميع المشاعر الإنسانية الجميلة مع من تُحب. ويعني ذلك أن ترتهن حياتك بالأمل في لقاء من ملأ قلبك حباً، وأن تناضل وتناضل لترسم من العتمة ضوءاً. عمل مسرحي رسم لي الطريق واشترط عليّ أن أنيرها بيديّ.

 

 

 

 

«المسرح الشعبي» في الأردن


بعد عدة سنوات من التفرغ في العمل الفني في فرقة الأرض، كان الانتقال إلى الأردن يحمل في طياته تجربة جديدة من خلال الانضمام إلى «المسرح الشعبي» الذي كان قد أسسه المخرج فتحي عبد الرحمن بعد عودته إلى الأردن. كان مسرحاً متميزاً بقاعته التي عرفت باسم «60 كرسي»، وبخشبة مسرحه وبفريق عمله. كان مؤسسة بكل تفصيلاتها، فإضافة إلى قاعة العرض كانت هناك غرف لتصنيع الأزياء والديكور والدمى، التي فتحت الآفاق أمام تقديم فنون مسرحية متنوعة للكبار والصغار، وكان فريقه يعمل كخلية نحل أثناء التجهيز لأي عمل مسرحي، مما وفّر بعض الإمكانات المتواضعة التي كانت تكفي لإنتاج عدد من الأعمال التي حازت على الجوائز الأولى، محلياً وعربياً ودولياً، وبخاصة مسرح الطفل الذي فتح الطريق أمامي لخوض تجارب جديدة.

 

 

 

 

مسرح الخارج ومسرح الداخل


ما بين الخارج والداخل في الوقوف على خشبة المسرح فروقات عديدة وكبيرة، فنية وسياسية ونفسية، وأخرى تتعلق بالقضايا التي يتناولها المسرح، لم أكن لأدركها لولا عودتي إلى جزء من الوطن؛ جزء غير محرر من فلسطين حتى الآن. والفارق الكبير يتركز على مضامين الأعمال التي قدمناها وما زلنا على خشبات مسارحنا في فلسطين.
في الخارج كان التركيز على الجوانب الإنسانية والنضالية بلغة خطابية حماسية، كنا نسلط الضوء على ألمنا كلاجئين، على أحلامنا وآمالنا وحقنا بالعودة، وكنا نقدمها بخطابة تعبوية أحيانا، وبشعارات طنانة أحيانا، ولكن بإيمان مطلق بما نقدم. أما أن نقف على خشبة المسرح أمام جمهور يعاني ويلات الاحتلال والعنصرية على أرضه الفلسطينية، وفي مناطق مجزأة تمارس في بعضها سلطة فلسطينية صلاحيات منقوصة ومحدودة بموجب اتفاق «أوسلو»، فهنا تكون الأهداف والمضامين مختلفة. ولأننا أصحاب رسالة، فعلينا أن نتمتع بجرأة عالية في نقد وتسليط الضوء على كل ما يتعلق بما يحيط بنا من معاناة من الاحتلال ومن سلبيات، سياسية أكانت أم اقتصادية أم اجتماعية، يعانيها المجتمع الفلسطيني في علاقته بالسلطة ومؤسساتها الخدماتية والقوى السياسية والقطاع الخاص والمؤسسات المجتمعية المختلفة.
في العام 1995 عدت إلى رام الله حاملة معي كثيراً من الأحلام، وهنا كان اللقاء مع عدد من المبدعين الذين رحبوا بي للمشاركة معهم في الوقوف على الخشبة، وكان أول عمل قدمته في فلسطين مسرحية «ديموقراطي بالعافية» إلى جانب الفنان زهير النوباني وعدد آخر من الفنانين، وبخاصة المقدسيين منهم، وهو من إخراج الفنان وليد عبد السلام، وسيناريو الأستاذ الكاتب محمود شقير. وتوالت الأعمال المسرحية بعدها مع عدد من المخرجين في فلسطين، منهم كامل الباشا ابن القدس. وإلى جانب المسرح، كان الوقوف للمرة الأولى أمام الكاميرا في بطولة المسلسل التلفزيوني «في المثل قالوا»، للمخرج يوسف الديك، وكان الأول من نوعه في الاراضي المحتلة عام 1967، وبعدها في عدد من المسلسلات مع عدد من المخرجين.

 

 

 

 

في مخيم الأمعري


أعاد المخرج فتحي عبد الرحمن بعد عودته إلى الوطن تأسيس حلمه بمسرح شعبي في فلسطين، وعن قصد جعل هذا المسرح داخل مخيم الأمعري. وكان أول عمل قدمناه مسرحية «بحلم ببكرا»، التي تروي حكاية شعب من نكبة اللجوء إلى الصراع المفتوح للآن مع كيان يغتصب أرض الوطن.
انضم إلى فرقة المسرح الشعبي العشرات من الهواة والممثلين، وتتميز بجسمها المتماسك والصبور، كما تنتقل بأعمالها إلى مختلف المدن الفلسطينية، باستثناء القدس وأراضي 1948 التي تحظر سلطات الاحتلال الوصول إليها. وقد شاركنا بعدة عروض في مهرجانات عربية كلما أتيحت لنا الفرصة، وكنا نعود أكثر حماسة للعمل، بالرغم مما نعانيه كما غيرنا من شلل مؤسساتنا الرسمية وتقصيرها في تقديم الدعم المطلوب للثقافة عموما، ولإنتاج المسرح خصوصا. إلا أن إصرارنا كفريق عمل لا حدود له للمساهمة في بناء وطن نحلم أن يكون حراً من أجل أطفالنا ومن أجل مبادئنا التي نحملها ونبذل أقصى ما نستطيع لتحقيقها.

 

 

 

 

مسرح الكبار والصغار


قدمت الفرقة عدداً من الأعمال المسرحية التي كنت من المشاركين في العديد منها، من أبرزها مسرحية «حفار القبور» المقتبسة عن قصيدة الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب، ومن إعداد الفنان العراقي حازم كمال الدين وإخراج فتحي عبد الرحمن، وكذلك مسرحيات: «لعبة الشاطر»، «الدغري»، «الضوء الأسود»، «زمن الأبرياء»، «هناك على الشاطئ الآخر» وغيرها. ومن أحدث أعمال الفرقة مسرحية «اسرق أقل، رجاءً»، التي قدمت كمقاربة فلسطينية لنص الكاتب الإيطالي «داريو فو»، وتعالج واقع الفساد المالي والسياسي والاجتماعي في المجتمع. وتنتمي المسرحية، التي أخرجها الفنان عبد الرحمن، وشارك فيها 13 ممثلا وممثلة، إلى الكوميديا السوداء، وتسعى إلى تعرية التخلف الاجتماعي وانهيار القيم، وتحارب الفساد وضعف الحياة الديموقراطية، كما تركز على الأمل بالعدالة والحرية.
تركز تجربتنا على تقديم مسرح للكبار، كما نقدم على المسرح غذاء الروح للأطفال، ولهم مساحة كبيرة في أعمالنا التي لا نقدمها لهم كمتفرجين فقط، بل ونشركـــــــــهم فيها أيضاً كممثلين. وعرضت الفرقة العديد من المسرحيات المخصصة للأطفال، مثل: «قراقوش والموسيقى»، «الطائر الحزين، «القفص»، وغيرها.. وهنا يبذل المخرج عبد الرحمن جهداً كبيراً في إعداد طفل لكي يكون ممثلا، وقد نجح في جهوده وبرزت في مسرح الطفل مواهب مهمة، ومنهم من كبر واختار طريقه في التخصص بدراسة المسرح، تمثيلا أو إخراجا.
وإلى جانب ما سبق، نواصل العمل في الفرقة لتجسيد دور المسرح الجماهيري الجمعي، ليس فقط عبر العروض المسرحية للكبار والصغار، بل وكذلك من خلال عروض الحكايات الشعبية، ومسرح الشارع، ومخيمات الفنون والتراث الصيفية للفتيان والفتيات، وتنظيم مهرجان «فوانيس رمضان» الذي يستضيف كل عام فرقا غنائية ومسرحية وتراثية من مختلف أنحاء فلسطين التاريخية.
تجربة بدأتها في المهجر، وواصلتها في تجمعات اللاجئين في سوريا والأردن، ولا تزال تنفتح على المزيد في فلسطين بفضل جهد كثيرين من المسرحيين الفلسطينيين الذين يشقون طريقهم بمبادرات فردية وتطوعية في معظم الأحيان ليرووا حكاية الصمود والتحدي والكفاح من خلال المسرح «خشبة الحياة».

* فنانة مسرحية فلسطينية مقيمة في رام الله.