| 

تمثّل قصص الكاتبة سما حسن تجربة جديدة في السرد القصصي الفلسطيني عموما، والقادم من غزة على وجه الخصوص، أوّلا لجهة أسلوبها في كتابة القصة القصيرة جدّا، والثانية لجهة خياراتها المضمونية. ففي مجموعتها الجديدة «فوضى ناعمة» (دار البيروني، عمان، 2014، 112 صفحة من القطع الوسط)، تقدم الكاتبة عددا كبيرا من القصص لا تتجاوز في الأغلب بضعة سطور، تعالج أساسا هموم المرأة في علاقتها مع الرجل، ويتطرق قليلٌ منها إلى أحوال غزة في ظل الحرب والحصار.
المجموعة هي الثالثة بعد «مدينة الصمت» التي صدرت عن مركز أوغاريت في رام الله العام 2008 و«يوميات امرأة محاصرة» الصادرة في دار الجندي في رام الله العام 2012، ولوحة غلاف المجموعة الجديدة للفنان الفلسطيني إسماعيل شموط.
يقول القاص والروائي محمود شقير في تقديمه المجموعة على الغلاف الأخير «بعفوية محببة تكتب سما حسن قصصها القصيرة جدًّا. وبلغة متخفّفة من البلاغة، وعبر إيقاعات سريعة، ترسل الكاتبة جملها القصيرة إلى قارئ مولع بالإيجاز الذي يحبّذه عصرنا. لكنه الإيجاز الذي يُضمر في طياته إيحاءات كثيرة. ولهذا السبب، تبرع الكاتبة في استخدام الفعل الماضي والفعل المضارع والجملة الإسمية في سردها المتقشف الذي لا تكون القصة القصيرة جدًّا جديرة باسمها من دونه. تكتب الكاتبة بشيء من اللوعة والإحساس بالخسارة عن علاقة الرجل بالمرأة، تلك العلاقة التي يحرسها الصدق والنقاء حيناً، وتكدرها الخيانة والخسة حيناً آخر. وتكتب سما حسن بإحساسها السليم عن هموم غزة المحاصرة وعن مكابدات الناس هناك، لتعطينا شهادة حارّة عن معاناة البشر، وعن رغبتهم في حياة حرّة كريمة لا يعكّرها قمع ولا يؤرّقها عدوان».
 

******


نتوقف مع نصوص «فوضى ناعمة»، التي تراوح في شكلها بين القصة القصيرة جدّا والخاطرة الفنية، وتدور في فضاءات القصّة الذهنيّة ذات الدلالات الرمزية، رغم كونها تستند إلى تجارب واقعيّة أو حقيقيّة، فهي تسرد مشاعر الأنثى في علاقتها مع الرجل، حاضرا وغائبا، هذه العلاقة التي تبدو فيها المرأة شديدة التعلّق بالرجل، من جهة، وشديدة السُّخرية منه في الجانب المقابل. وذلك عبر جملة قصيرة مكثفة، وفكرة واضحة لا تحتمل الّلبس، ولا تتطلّب كثيرَ تأمّل في محتواها.
يتوقع قارئ المجموعة قصصًا عن غزّة ومن غزّة، وهو ما لا يجده سوى في القليل من قصص الكتاب، وهو غالبا ما يأتي متداخلا في قصص الأنثى القلقة والمتوتّرة في العلاقة المعطوبة مع الرجل، فمنذ البداية نقرأ قصة في سطور معدودات عن امرأة في حال مضاجعة أثناء القصف، وهذه هي القصة كاملة «كان يضاجعها فيما دويّ قصف الصواريخ والدبابات والطائرات فوق رأسيهما، همَس لها: ارجو أن تكوني قد اعتدت على الأمر؟ أجابته: اعتدت على الإرهاب في مضجعك منذ أن كان السلام يعمّ وطننا الكبير».
الرجل (الذكر) والاحتلال يتساويان في بعض قصص المجموعة، بل إن الحضور الكثيف للرجل / الذكر هنا دلالة على أنه أقسى من الاحتلال وتبعاته وآثاره، وإلا لما خصّصت الكاتبة جلّ القصص لمعالجة العلاقة (ذكورة / أنوثة)، لتقول إن المجتمع الذّكوري لا يقل خطورة عن الاحتلال العسكري، فالخيبات المتكرّرة التي تعيشها الأنثى مصدرها هذا الرجل الذي لا يتورّع عن طعنها رغم كل الحب والتذلّل الّلذين تبديهما المرأة، وربّما بسبب هذين السلوكين الّلذين يعزّزان لديه السلوك العدوانيّ تجاهها.

 

 

******


مشاعر الخيبة والخُذلان هي ما يسود في المجموعة، وهي تتكرر في صور كثيرة لتمنح القصص كلها طعم المرارة، فهنا امرأة مخذولة تشعر أن هجر الرجل لها ليس هو المأساة، تشعر أن ما قتلها «أنها قد أعطتْه كلّ شيء، ليرتمي في أحضان امرأة أخذت منه كل شيء». إنّها تكشف عن وجه المرأة المعطاءة المستغَلّة (المفعول بها)، بقدر ما تكشف عن وجه الرجل الخائن، لكنها تكشف أيضا عن وجه امرأة أخرى هي المستغِلّة (الفاعل)، وهي في نهاية الأمر تعرية لقيم اجتماعية تبيح للرجل مثل هذا الدور، قيم تُشيع الخيانة والاستغلال وتبرّرهما.
ضعف المرأة سبب لاستعبادها، سبب لما تعيش من المآسي، «خوفها أن يرحل ويتخلّى عنها.. أن يصبح ذكرى تحنّطها وتزورها باستمرار.. هذا هو العذاب الأبدي»، كما نراها وقد «انتحبت كعجوز ثكلى»، أو نجدها «في غيابه، وفي انتظاره تتحول لمشعوذة عجوز»، أو «تذكرت فجأة أنها تعشق رجلا من ورق»، «كانت تحلم أن يرشحها لمكانة صغيرة في قلبه».
نظرة المجتمع والأهل تجعل المرأة ترضخ لكل ما هو مطلوب منها فهي «تخاف وترتعش وتنكمش وهي تتخيل وجه ابيها المكفهر ووجوه اخوتها وأبناء عمها لو عادت لبيت العائلة الكبير مطلقة ذات يوم»، ولذلك فهي دائما «تعود لدورها المقيت في قصص الحكايات، الأميرة النائمة». بل إن المجتمع يمكن أن يتسامح مع السلوك المرعب للرجل حين يمارس الجنس المحرّم «اغتصبها عمّها في زيارة لهم، وحين استبان حملها قتلها عمها بعد أن اغتصبها قرب قبرها ثانية، لم يشهد الجريمة سوى البقرة وأمها العجوز».

 

 

 

 

******


بعيدا عن الهموم الخاصة بالمرأة، تلتقط الكاتبة صورا من الحياة السياسية، فتروي باختصار شديد قصة الملك الذي كان ينزعج من أصوات مواطنيه، فلجأ إلى استئصال حناجرهم، لكن الملك رغم ذلك «لم يشعر بالراحة لأن أصوات الثرثرة كانت تنبعث كل ليلة من البحيرة، وتقضّ مضجعه في قصره الكبير»، وتتوقف كذلك عند الكاتب الذي يقع بين نارين، حيث «وصلته ذات يوم رسالة بالبريد الالكتروني تهدّده بالقتل ان استمر بالكتابة، وفي اليوم التالي وصلته رسالة أخرى تهدده بالموت ان لم يكتب»، وتتطرق إلى تحولات البشر والحياة إذ أصبحت صفات الغول ليست مرعبة، إذ تقول طفلة لأمها «أنا أقابل كلّ يوم أناسا بهذه الصفات، شكلهم يبدو طّيبا، ولكنهم يسيئون معاملتي كصغيرة!»، وتتعرض لأميركا بوجهيها الحسن والقبيح من خلال امرأة كانت من جهة «فرحة بثوب زفافها المميّز الذي حمله لها عريسها من بلاد العم سام..»، ومن جهة مقابلة فقد «تضرّج ثوب الزفاف بقطرات دمها الطاهرة من شظايا صاروخ يحمل توقيع بلاد العام سام»، كما ترسم من الواقع قصصا حقيقية مثل قصة «الطفل الشهيد وليد العبادلة الذي استشهد في ثاني يوم العدوان على غزة شتاء 2012».

* شاعر وناقد فلسطني.