| 

كان عيسى صبّاغ أحد أشهر المذيعين ومقدّمي البرامج في هيئة الإذاعة البريطانية بدءاً من الأربعينيات قبل أن ينتقل إلى صوت أميركا ويصبح لاحقًا مترجماً لرؤساء الولايات المتّحدة متى التقوا الزعماء العرب، وصوره واضحة إلى جانب كارتر والسادات وبيغن في كامب ديفيد الأولى. غادر عيسى صبّاغ فلسطين ليدرس في بريطانيا في زمن الانتداب وفي 1947 كان في أروقة الأمم المتحدة ينقل تقريراً عن جلسة الأمم المتحدة الشهيرة وهي تصوّت على تقسيم فلسطين. اقترن عيسى بإنكليزية زاملته في الإذاعة البريطانية فولد لهما كارل في 1942، وها هو كارل يصدر في لندن Palestine: A Personal History ويترجمه الى العربية محمد زيدان ويراجعه حسين ياغي تحت عنوان: فلسطين: تاريخ شخصي.
يتوجّه الكاتب منذ البدء إلى الحسّ العام للقارئ الغربي، فهو يدرك تماماً أنّه عندما يرد ذكر الفلسطينيين في وسائل الإعلام الغربية لا يعرف الناس هناك أيّ شيء عن فلسطين وتاريخها، على الرغم من أن مجتمعاً متكاملًا في أرض فلسطين، شكّل العرب فيه أكثر من تسعين في المئة من مجموع السكان. وكانت عائلة كارل صبّاغ جزءاً من هذا النسيج الاجتماعي، بل إنّ أحد أجداده، وهو إبراهيم صبّاغ، كان مستشاراً عند ظاهر العمر الذي حكم فلسطين في القرن الثامن عشر، والذي عُرف باسم «ملك فلسطين الأول».
يقدّم لنا هذا الكتاب أدلّة تثبت وجود فلسطين والفلسطينيّين منذ قرون عديدة، ويتتبع المؤلف جذور هذا الحضور التاريخي في القبائل والمجموعات العرقية التي استقرّت في المنطقة. ثم يصل بالقارئ إلى القرن العشرين، حيث ترتّب على تحركات القوى السياسية العالمية طرد الأغلبية الفلسطينية في سبيل إقامة دولة إسرائيل اليهودية. ويمزج مؤلّف الكتاب هذا التاريخ العريق لفلسطين بتاريخ أجداده الذين عاشوا في فلسطين.
 

أصل العائلة


في البداية حديث عن فلسطين القديمة ومدنها فيشير الكاتب الى ان أصول عائلته تنتمي الى صفد، فيسرد كيف اكتشف في أثناء زيارته فلسطين في 2003 ان جداً من أجداده كان يدعي ابراهيم صبّاغ في زمن ظاهر العمر، وكان مستشاره المالي وطبيبه الخاص، وقد أتى فولني الرحالة الفرنسي على ذكره في كتابه عن الشرق. وابراهيم هذا اقتيد إلى القسطنطينية بعد مصرع ظاهر العمر عند أسوار عكّا وهناك توفي.
يعلمنا المؤلف ان نقولا احد أبناء ابراهيم ارتحل الى مصر وهناك ولد له ميخائيل الذي غادر مصر في 1801 مع جيش نابليون فأقام في باريس وكان مشرفاً على النصوص العربية في مطبعة الحكومة الفرنسية قبل أن ينتقل ليعمل ناسخاً للمخطوطات العربية عند المستشرق الفرنسي الشهير دي ساسي. ثم يعرض كارل صبّاغ ما سطّره مارك توين عن زيارته فلسطين، وينتقل إلى مناقشة واقع الثقافة الغربية عنها فيرى أنّها تقوم على إرث الكتاب المقدّس في معتقداته، لكنّه يردّنا إلى مؤرخين رأوا أنّ الأدلّة تخلو من أي إشارة إلى وجود مملكة داود وسليمان التي تحدّث عنها الكتاب المقدّس، ذلك أن جهدًا عظيماً بذل في التنقيب عن المواقع الأثرية في فلسطين قبل إنشاء إسرائيل حتى يومنا هذا، سعياً لإيجاد ما يصلح سنداً للقصص الواردة في الكتاب المقدّس في عهده القديم.
يروي كارل صبّاغ سيرته وتاريخ مسقط والده، في أسلوب قصصي شائق، ومن هنا تساؤله عن خلفية وعد بلفور: «كيف يمكن للعرب الفلسطينيين أن يحكموا دولتهم لو لم يفلح رجل يهودي روسي يعيش في مدينة مانشستر في اكتشاف عملية كيميائية لاستخراج مزيل طلاء الاظافر من ثمار كستناء الحصان»، أي اكتشاف حاييم وايزمن، فما أن عرضه على وزير الحربية الإنكليزية لويد جورج حتى فاجأه هذا الأخير بقوله: «لقد قدّمتَ خدمة عظيمة للدولة ويسعدني أن أطلب إلى رئيس الوزراء (بلفور) أن يقدّم توصية لتكريمك من صاحب الجلالة»، فأجاب وايزمن: «كل ما أطمح إليه هو أن أجد فرصة لأقدّم خدمة لشعبي»، فكان وعد بلفور، فنجم عن ذلك تسعة عقود من الحرب في الشرق الأوسط، وكان الروائي آرثر كسلر وصفه على النحو التالي: «هو وعد شعب لشعب آخر بدولة شعب ثالث».
ثم يروي صبّاغ تفصيلات قيام إدارة عسكرية على فلسطين بقيادة أللنبي: «وفي الحين الذي كان فيه أللنبي قابَ قوسين من دخول القدس، والصهاينةٌ منهمكين في صياغة إعلان بلفور، رست سفينةٌ قادمة من البرازيل في ميناء حيفا، أكبر ميناءٍ في فلسطين. وكان على ظهر السفينة امرأةٌ حُبلى، اسمها جوزفينا دي فيريرا، وإلى جانبها زوجُها، وهو محامٍ فلسطيني، وابنتان لهما، الأولى كونستانزا والأخرى تيكلا. أمّا الرجلُ فاسمه خليل صبّاغ، وهو جدّي، وكان قد ارتحل في إثر كثير غيره من العربِ إلى أميركا الجنوبية ليجمعَ المال ويبدأ عملًا خاصاً به، وها هو ذا قد عاد إلى وطنه ليستقرّ به مع زوجته البرازيليّة. وازدادَ عددُ أفراد أسرته بعد برهةٍ من الزّمن، وأصبح لديه سبعة أطفال. انتهت الحرب، وعاد خليل لأهله في صفد، ودير حنّا، وحيفا، يحدوه أملٌ ببدء عملٍ ناجحٍ في وطنه فلسطين، الذي حسِبَ هو وغيرُه من الفلسطينيّين، أنّه سيكون وطناً مستقلًا بعد انقضاء الحرب».
وخليل هذا هو والد عيسى أي جدّ كارل مؤلّف كتاب فلسطين: تاريخ شخصي. ويروي صبّاغ قصّة الانتداب الإنكليزي على فلسطين الذي جاهر جدّه خليل في مناهضته، وانضمّ إلى عرب فلسطين عام 1933 في وقفتهم في وجه الحكومة البريطانية فاشتعلت جذوة الغضب في التظاهرات وتحوّلت إلى أعمال شعب فيما بذلت الطبقة الوسطى من عرب فلسطين بزعامة المفتي الحاج أمين قصارى جهدها لتنظيم الاحتجاجات الرسمية ضد التزام بريطانيا تنفيذ ما ورد في وعد بلفور الداعي إلى إنشاء وطن قومي يهودي.

 

 

الخروج


يدوّن الكاتب تفصيلات بداية ثورة 1936 إذ أنّه في 1937 غادر والده عيسى فلسطين ليلتحق بجامعة إكستر بمنحة من الحكومة الفلسطينية ليدرس التاريخ والجغرافيا، وهناك انضمّ إلى هيئة الإذاعة البريطانية في قسمها العربي حيث تعرّف إلى سكرتيرة إنكليزية شابة هي باميلا غرايدون فتحابّا ورزقا بالمؤلّف، لكن الطلاق كان باكراً وتربّى كارل في كنف والدته.
لكن كارل لا يكتفي بهذا القدر من السرد التاريخي والشخصي، بل يمعن في رصد أحداث فلسطين في الأربعينيات وحتى النكبة، فالكتاب أصلًا بالإنكليزية والمؤلّف يطمح إلى إيصال رأي أهل فلسطين إلى القارئ الأجنبي، ومن هنا مثلًا تحليله المسهب لقرار الأمم المتحدة الصادر في 29 تشرين الثاني 1947 والداعي إلى تقسيم فلسطين. ثم إلى 1948 وضياع فلسطين وهنا يختم المؤلف كتابه بقول: «لكنّي جعلتُ القلمَ يقفُ في هذا التاريخ الشخصي لفلسطين عند العام 1948، وهو العام الأخير الذي أشرقتْ فيه شمسُ فلسطين الحقيقية أي تلك المنطقةُ التي عرِفَها أهلُها باسم فلسطين منذ مئات السنين. وقد نزلتْ بعد تلك السنة العديد من الحوادث الجسام، وزادت معها معاناة العرب الفلسطينيين الذين عاشوا بالأمس في مدن فلسطين وقراها، وهم الآن يسكنون المخيّمات في الأردن ولبنان وغزّة والضفّة الغربية».

 

 

 

 

مصائب الترجمة


هذا عن مضمون الكتاب مترجماً، ومما لا شكّ فيه ان المؤلّف حين وثّقه بالإنكليزية بذل جهداً كبيراً في موازاة تاريخه الشخصي بتاريخ فلسطين مسقط أبيه وأجداده. ومما لا شك فيه أيضاً ان المترجم محمد زيدان عانى الكثير في سبيل نقله الى العربية فلا غبار على جزالة اسلوبه ونقاء عبارته، لكنه وقع في مطبّ التهجئة أحياناً، كما تلكأ في تعريب المصطلح أحياناً أُخرى، فأورد نور ما شاء الله بدل نور مصالحة، ومحمود حواري بدل محمود هوّاري، وسلطة التحرير الفلسطينية بدلاً من السلطة الفلسطينية. ورابي يتزاك بدل الحاخام يتسحاق وولني بدل فولني، وإيجيل يادين بدل يغئيل يادين، وروثتشايلد بدل روتشيلد، وبن جورين بدل بن غوريون، وغيرها الكثير. هذا في باب الأعلام.
أما في باب الأماكن والمواقع فالأخطاء كثيرة، منها على سبيل المثال، لا الحصر: شوير السورية (فهي إما الشوير أو ضهور الشوير في لبنان)، والأقواس (القناطر) وبيكين (بقعين) و كفرقانا (كفركنّا) ومرج ابن عامر (مرج بن عامر) وكفر صور باهر (قرية صور باهر) وكفر عرتيس (قرية أرطاس) وكفر ياصيف (كفر ياسيف) وجزيرة مورويشيوس (موريشيوس)، وفوق ذلك يقع المترجم (وربما الكاتب) في أغلاط جمّة، فيقول في الصفحة 23 ان مساحة فلسطين تبلغ 10 آلاف ميل مربع، والصحيح 17 ألف ميل مربع. ويرد في الكتاب كلمات مثل «موسى مونتفوا»، والصحيح: مونتفيوري (ص 32). أو «آثاب»، والصحيح: آخاب (ص 197)، أو «نايهم سوكولو»، والصحيح: ناحوم سوكولوف (ص 125)، و«جميل فرنجية»، والصحيح حميد فرنجية (ص 307). ومن الأغلاط الفاحشة الجملة الواردة في ص 302: «ثم قبضوا على بيسان»، والصحيح: احتلوا. أو ما ورد في الصفحة 325: «يطلق النار سفاحًا»، والصحيح: عشوائيًا، أو في جميع الاتجاهات. وعلى هذا النحو انتشرت عشرات الأغلاط من هذا العيار.
م.ش.

* المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،.2013